هل وقعت البوتينية في فخ الأوبامية

الجمعة 2014/12/26

بسرعة عجائبية استعاد فلاديمير بوتين الذكريات الأليمة المتعلقة بالوضع الاقتصادي للاتحاد السوفيتي عشية الانهيار الكبير. لم تنهزم تلك الدولة أمام اجتياح عسكري، ولم تسقط بسبب انقلاب داخلي، ولم تنهر بسبب حرب أهلية. لكن طموحات موسكو بقيادة ما أطلق عليه “الكتلة الشرقية” تداعت في سباق مالي اقتصادي مع الغرب بقيادة الولايات المتحدة. فاز هذا الغرب وانهزم هذا الشرق.

بعد بريسترويكا ميخائيل غورباتشوف وتفكك الدولة السوفيتية، فهم بوريس يلستين كما الثنائي بوتين – ميدفيديف لاحقا ضمور القوة الاقتصادية لروسيا بالمقارنة مع الاقتصادات العالمية الكبرى. انكفأت موسكو نحو الداخل الروسي وانهمكت في ترتيب البيت “الجوّاني” داخل ورشة الانتقال من الاشتراكية المحافظة، إلى الليبرالية التي جاءت في أوجهها الروسية متوحشة مافياوية.

ارتفعت جلبة الداخل الروسي في قطاعات الأمن والاقتصاد ومجابهة الارهاب وإعادة توضيب ما بعد الاتحاد السوفيتي، لا سيما في ضبط العلاقة مع الجمهوريات السوفيتية القديمة. لم يكن باستطاعة موسكو الجريحة أن تلعب دورا مؤثرا في التطورات التي اجتاحت العالم منذ الحرب ضد يوغسلافيا. تعايشت روسيا مع التحولات الجارية لا تملك ما يمكّنها من تغيير مجرياتها، وابتلعت، على مضض، زعامة واشنطن للعالم وسوْقها له في ما تلا أحداث 11 سبتمبر الشهيرة.

اجتاحت الأزمة الاقتصادية العالم أجمع في خريف 2008. تنادت الدول الكبرى لاجتراح حلول توقف الانهيار. كادت الأزمة أن تُسقط دولا. راج الكلام عن انهيار اليونان وأسبانيا والبرتغال، تولت وكالات الأنباء الإعلان عن إفلاس آيسلندا. بدا أن العالم جريحٌ يئنُ من وجع، وبدا أن روسيا – بوتين تبتسمُ بخبث وتشف، وهي التي ينشطُ اقتصادها ويزدهر ويكاد لا يصله غبار أزمة هذا الغرب.

من رحم أزمة العالم الاقتصادية ولدت “البوتينية” بالطبعة المحدثة. بدأ الإعلام يتحدث عن القيصر الجديد الذي يروم تخصيب أمجاد بلاده الغابرة. بدا أن الرجل يحنُّ للزمن الامبراطوري القيصري، كما يحنُّ للزمن السوفيتي في الأمس القريب. أعاد بوتين إحياء سلوك، خُيّل أنه انقرض، يُلْبِسُ العلاقات الدولية لبوس استعراض القوى، سواء في الترويج لعروض زعيم الكرملين في مجالات الجيدو وركوب الخيل والسباحة وتربية الأسود، أو في إطلاق دبلوماسية البوارج لتصاحب الشارد والوارد لتحركات الرجل وطموحاته الجديدة.

لكن على ماذا يتكل الرجل حتى يقطع ملل فرانسيس فوكوياما الذي بشَرنا منذ أفول الزمن السوفيتي بنهاية التاريخ. أبالاعتماد على كاريزما الزعيم وقد ولّت أزمنة “القائد الملهم”؟ أو بالاستناد على مزاجية وطباع لا يمتان بِصلة إلى أصول الحكم في العصر الحديث؟ أو بالاتكال على قوة عسكرية متفوقة تخيف البعيد قبل القريب؟ أو بالتأسيس على قاعدة اقتصادية إنتاجية صلبة واسعة واعدة؟ الأسئلة كثيرة عديدة ولا جواب مقنعا عقلانيا يفسّر تلك البوتينية التي تقدّمت مهددة لسطوات ومنجزات ومكاسب وعروش.

في عزّ الازدهار الاقتصادي الروسي تأتي روسيا في المرتبة التاسعة عالميا بعيدا عن المرتبة الأولى التي ما زالت الولايات المتحدة تحتلها رغم كل الأزمات، ومتأخرة عن اقتصاد الصين وألمانيا واليابان وفرنسا.. إلخ. ويتأسسُ الاقتصاد الروسي في اعتماد 75 بالمئة من صادراته على قطاع النفط والغاز. فإذا ما ارتفعت أسعار ذلك القطاع ابتسمت مؤشرات موسكو وانتفخ بوتين بهجة وحبورا. بمعنى آخر فإن الصحة الاقتصادية الروسية يحددُها السوق العالمي، أي مزاج الآخرين، وحين يروق لهذا المزاج أن يتكدرَ، أو يقررَ لسببٍ بريء أو خبيث أن يمارسَ حردا، فإن الانتفاخةَ الروسية تظهر وهنة مرتبكة آيلة إلى ضمور.

طبعا لن نزيد شيئا في خوض مقارنة للقوى العسكرية الدولية، أولا لأن قوة روسيا – بوتين، وهي لا شك دولة كبرى، لا تمثّل انقلابا في التوازنات الدولية، وثانياً لأن ما لم يستطع الاتحاد السوفيتي، في قمّة رواجه، حسمه بالقوة العسكرية، لا يمكن لبوتين وصحبه حسمه، وهو الذي يعاني من تمدد الأطلسي صوب حديقة بلاده، ويكاد في شكواه من منظومة الصواريخ الأميركية في الجوار، يعبر عن خشية وتوجس أكثر من تعبيره عن رعب ينفخه في صفوف خصومه.

في المنطق الاستراتيجي، بالإمكان تفهّم حساسية موسكو في مناطق النفوذ القريبة من حدائقها الخلفية. فسواء تعلّق الأمرُ بجورجيا أو أوكرانيا مثلا، فإن أي تبدل في مزاح أنظمة حكم الجيران، لا سيما في طبيعة العلاقة مع “الأخ الأكبر” الروسي، تحتم سلوكا حاسما قد يأخذ أشكالا عسكرية عنيفة. وقد تكون جرأة بوتين وإقدامه الميداني على حسم الأمور لمصلحته، لا تتعلق بعجالة تتصل بالأمن الاستراتيجي الروسي فقط، بقدر ما هي نتاج شعور عنده بأن العالم عاجزٌ عن كبح جماحه.

قد لا يكون حكيما ألا نشكك في خبث غربي لئيم استدرج موسكو بسهولة نحو المستنقع الأوكراني. عمل الأميركيون بنشاط للتأثير على مجريات الوضع الداخلي في هذا البلد، على ما كشفته على الأقل، التسريبات المتعلقة بأنشطة السفيرة الأميركية في كييف. وإذا ما أرادت واشنطن تشجيع أوكرانيا على تعزيز خياراتها الغربية (لا سيما لجهة الاقتراب من الاتحاد الأوروبي)، فإن السلوكَ الروسي المضاد تجاوز ما هو متاح لجهة الاتكال على نفوذه داخل أوكرانيا، باتجاه تدخلٍ سافر ينهي ارتباط شبه جزيرة القرم بأوكرانيا، فيما يعيش شرق البلاد على إيقاعات تدخل آخر، ما انفكت موسكو تنفيه يوميا، يهدد بإشعال حرب داخلية – حدودية لا تنتهي.

البوتينية هي نتاج عضوي للأوبامية. علاقة الظاهرتين تشبه منظومة جدلية بحيث تتغذى تلك في روسيا من تلك في الولايات المتحدة، والعكس غير صحيح.

تستند الأوبامية على تخلّصٍ من عقيدة جورج بوش الابن وعِقَده. استنتج أوباما أن غزو بلاده لبلدان أخرى ينتهي إلى كوارث وأزمات داخلية وجدها في وجهه عند وصوله إلى البيت الأبيض. عمل الرجل على إخراج بلاده من التورط العسكري في بقاع الدنيا. عمل على ذلك في العراق وأفغانستان، عدّل من أولويات بلاده الإستراتيجية باتجاه بحر الصين، رفض التورط المباشر في ليبيا ومالي، ويرفض، أحياناً بعناد ساذج، إعادة توريط بلاده في أي مغامرة عسكرية جديدة (تأمل المداولات المضنية للتدخل ضد داعش).

في إطار فلسفة أوباما هذه، ذهب البيت الأبيض بعيدا في التعويل على تسوية سياسية دبلوماسية مع إيران، وفي عدم التورط ضد النظام في دمشق من أجل إنجاح مسعاه مع طهران. وفي إطار فلسفة أوباما بدت الولايات المتحدة مرتبكة تتخبط في حيرة لا يفهمها الحلفاء، وظهرت سياستها الخارجية في ما يتعلق بالملفات الساخنة ركيكة مرتجلة لا ترقى إلى الأداء المطلوب للدولة الكبرى في العالم.

تولت تقارير الخبراء الإسهاب في الحديث عن همّ اقتصادي داخلي يؤرق الرئيس الأميركي ويجعله أوليا على حساب استراتيجيات واشنطن الخارجية. أضحت الاستقالة الأميركية من الشرق الأوسط ثابتة في مقاربة المحللين للموقف الأميركي العام، وبدا أن روسيا – بوتين تولّت أخذ الأمر بصفته نهائيا يمحضها تفوقا عبّرت عنه بمهارة في الملف السوري. لم تنتبه موسكو إلى أن استعراض البوارج قبالة الشواطئ السورية، كما عنادها في الدفاع عن نظام دمشق، لا يعود إلى سطوة روسية عجائبية، بل إلى استنكاف أميركي، عجائبي أيضا، عن الخوض كثيرا في ما لا تراه الولايات المتحدة أساسيا يستدعي عجالة (لاحظ انقلاب المنطقة بمجرد تلويح واشنطن بالتدخل ضد دمشق لفرض سحب الترسانة الكيمياوية).

فهم فلاديمير بوتين في سوريا ما برر له حسم الأمور عسكريا في أوكرانيا. فهم الرجل أن تراجع أميركا – أوباما يتيح تقدم روسيا – بوتين. كشف بوتين أوراقه وأماط اللثام عن طموحاته ولاح له أن دباباته ترعب العالم وأن أوروبا وحليفها الأميركي أخذا علما بظهور القيصر الجديد، وهما بشكل أو بآخر ذاهبان إلى الانصياع إلى شروط اللعبة الدولية المستحدثة.

لكن حسابات الحقل تباينت عن حسابات البيدر. في صبيحة يوم ظهر أن المتن الروسي ينزف ويدفع ثمنا مبكرا لانحرافات زعيم الكرملين. أعاد السوق كشف ما هو عرضي استعراضي. تهاوت أسعار النفط في العالم، فتهاوت مؤشرات الاقتصاد الروسي، تراجعت البورصة وانهار سعر الروبل، فيما التوقعات المتفائلة تتحدث عن ارتفاع في معدلات التضخم ودخول البلاد في حالة انكماش قد يميل إلى ركود. عاد بوتين يتذكر أياما كالحة عشية زوال الاتحاد السوفيتي، بدت روسيا عاجزة عن المكابرة في مناكفة العالم، وبدا أن خطاب بوتين القيصري تعوزه صدقية، وبدت البوتينية ظاهرة متعجلة لا تتأسس على قواعد متجذرة.

قد يتحدث الرئيس بوتين عن مؤامرة دولية وراء المصاب الروسي، وقد تذهب آراء إلى نسج اتهامات للسعودية في ما أصاب أسعار النفط (على الأقل في مجابهتها لخطر النفط الصخري)، بيد أن أمر الاقتصاد الدولي يحدده السوق الذي عليه تنبني الفلسفة الاقتصادية في روسيا، كما في الغرب والعالم أجمع، وأن مزاج السوق الذي أطاح باقتصادات غربية هو نفس المزاج الذي يطل على الاقتصاد الروسي. وإذا ما لجأ المصابون بالوعكات المالية إلى إصلاحات وإجراءات علاجية، فإن روسيا مضطرة، بلا تردد، إلى المسارعة للاعتراف بالعلل البنيوية للاقتصاد التي قد لا تتحمل وزر العقوبات الدولية ولا الاستنزاف الذي تسببه الخاصرة الأوكرانية ولا الكلفات التي تنفق للدفاع عن موقع روسيا في سوريا.

بوتين ليس أستاذا في لعبة الشطرنج على حد قول باراك أوباما مؤخرا. يبالغ سيّد البيت الأبيض في الطبخ على نار خافتة على نحو لا يرضي كثيرا من الجائعين، لكنه لابد أنه يتأمل شامتا دخان الحرائق الذي يخرج من مدخنة مطبخ الكرملين.


صحفي وكاتب سياسي لبناني

9