هل ولى عصر التنظير المسرحي ونقاده المخضرمين

كتب المسرح تنتعش في معرض الشارقة وتنفض عنها غبار الرتابة والنسيان.
الخميس 2020/11/19
المسرح صارت مرجعيته الإنسان المعاصر

يتفق الجميع على أن الفن الرابع لا يمكن له أن يزدهر ويتطور إلا إذا رافقته حاضنة نظرية ونقدية تفتح أمامه آفاق التجريب والبحث عن صياغات فرجوية وسرديات جديدة تتعلق ببناء النص وتقنية العرض والأداء، وتوفر له مجالا للتنظير والنقد والإبداع، وهو ما كرسته على مدى سنوات الهيئة العربية للمسرح.

الاحتفاء بالمسرح حقلا جماليا وحاجة اجتماعية ونفسية ومعرفية بل ووسيلة علاجية دخلت سياق التداوي، كان حاضرا في معرض الشارقة الدولي للكتاب، ولمدة 10 أيام من 4 إلى 14 نوفمبر في الإمارة التي حافظت على ريادتها كعاصمة عربية للكتاب بامتياز، وللمسرح على وجه الخصوص منذ تأسيس الهيئة العربية للمسرح في الشارقة عام 2007.

ولاحظ المراقبون والمهتمون والزائرون للنسخة الأخيرة من معرض الشارقة الدولي للكتاب، وكذلك في الدورات السابقة، شُحّ الإصدارات والعناوين ذات الصلة بالتنظير للنقد المسرحي والتأصيل له والتطبيق على أعمال مسرحية على نحو نظري، ومن الملاحظ أيضا أن هذا الجانب الثقافي المسرحي لا يملؤه إلاّ المتخصصون فيه من الباحثين والدارسين في حقل أبي الفنون.

العزوف عن النظريات

الأسباب عديدة ومتنوعة بتنوع الأزمات وكثرتها في مجال صناعة الكتاب وانتشاره على امتداد العالم العربي. ومن هذه العوامل التي جعلت الكتاب المسرحي، على وجه الدقة والتحديد، يحضر باحتشام في معارض الكتاب وتغيب عن أغلفته أسماء وعناوين عربية، هو اختفاء جيل كامل من المنظرين والنقاد الذين تركوا مقاعدهم شاغرة بحكم الموت أو “التقاعد الاختياري” لأسماء قالت كلمتها زمن موجة التأصيل وإعادة التأصيل في المسرح العربي مثل المغربيين عبدالكريم برشيد والطيب العلج، والتونسيين عزالدين المدني وسمير العيادي، والعراقيين فاضل خليل وصلاح قصب، والسوريين نديم معلاّ وسعدالله ونوس، واللبنانيين بول شاوول وروجيه عساف.

الهيئة العربية للمسرح تفطنت إلى القطيعة بين المسرحيين الجدد وجيل النقاد القدامى فعالجت المسألة بذكاء احترافي

هذا بالإضافة إلى بروز جيل جديد من الشباب المسرحي العربي الذي لا يهتم كثيرا ولا يعبأ بالتنظير وتوهم اجتراح الحلول المحلية في ظل عولمة تكتسح المسرح وتفرض عليه عناوينها بصرف النظر عن الخصوصيات القطرية والإقليمية، والتي لم تعد خصوصيات ولا يمكن نعتها بالتوابل والمنكهات الثقافية بل صار المطبخ واحدا والأدوات والطناجر واحدة، وحتى الأذواق وآليات التلقي واحدة.

من يحضر مهرجانا عربيا للمسرح، يشهد له بعراقته في عواصم مثل القاهرة أو تونس أو حتى دمشق وبغداد ما قبل الأزمات السياسية والأمنية، يلاحظ غيابا للجمهور في القاعات المخصصة للندوات ومناقشة العروض، ويلمس عزوفا واضحا لفئة الشباب عن تلك الندوات التي يديرها “المسنون” من النقاد والمنظرين، بل يلمس نوعا من الاستهزاء والسخرية في الوسط الشبابي، وذلك بسبب قناعة هؤلاء أن كل تجربة مسرحية تتحدث عن نفسها بنفسها أثناء عرضها، كما أنها ليست في حاجة إلى “راع تنظيري” ينبه الناس ويقنعهم بجدواها.

لقد ولى عصر التنظير وتلمس البحث عن الخصوصية والتأصيل، وأصبحت لجمهور المسرحيين مرجعية واحدة اسمها إنسان العصر في اغترابه وأزماته التي صارت واحدة، لذلك تشابهت وسائل التعبير وتقاربت الأجيال وتقلصت المسافات.

الأمر اللافت في ما أقدمت عليه الهيئة العربية للمسرح في الشارقة، هو أنها قد تفطنت إلى هذه القطيعة بين المسرحيين الجدد وجيل النقاد القدامى والمخضرمين فعالجت المسألة بذكاء احترافي وعملي يلمّ بالأزمة ويطرح الحلول دون اجترار ما هو مجتر ولوك ما هو ملاك، وذلك بتعويض النقص في إصدار كتب الدراسات والبحوث المسرحية بمؤلفات أكثر طزاجة وانتماء لروح العصر ومتطلباته، ففي نحو ثلاثة عشر عاما أصدرت الهيئة أكثر من ثمانين عنوانا متخصصا أكثرها في العام 2019 لكتاب ونقّاد مسرحيين عربا وأجانب، وإلى جانب ذلك، استحدثت دائرة الثقافة في الشارقة عام 1996 جائزة التأليف المسرحي، وفي الوقت نفسه صدرت عن الدائرة عناوين مسرحية مهمّة مثل «فيزياء الجسد» للباحث والناقد المسرحي فاضل الجاف.

إصدارات الهيئة

الكتاب والباحثون العرب لم يكونوا مغيبين عن هذا المعرض العملاق، إذ حضروا عبر مؤلفات ذات قيمة توثيقية ومعرفية يمكن الاعتماد عليها في برامج تعليمية
الكتاب والباحثون العرب لم يكونوا مغيبين عن هذا المعرض العملاق، إذ حضروا عبر مؤلفات ذات قيمة توثيقية ومعرفية يمكن الاعتماد عليها في برامج تعليمية

أن تحدث جائزة للتأليف المسرحي لهو أفضل ألف مرة من إقامة ندوة تنظيرية تبحث في التأصيل المسرحي مثلا، ذلك أن الساحة المسرحية الآن تحتاج إلى ضخ دماء جديدة، وإلى نصوص تشبه جمهورها وتقترب منه بدل الاتكاء على الإعداد والصياغات المكررة لبيئة لا ننتمي إليها رغم التقارب الذي أنجزته العولمة وثقافتها التي لا تخلو من التسطيح والنمطية.

أمّا الكتب النظرية التي أشرفت على إصدارها الهيئة العربية للمسرح في الشارقة، وسدت ركنا أساسيا في معرض الكتاب هذا العام، فليست من ذلك النوع الذي يدعو للتثاؤب والتململ بل هي كتب تنتمي إلى العصر وتحاول تخطي كل ما هو مكرر وعديم الجدوى.

ومن أهم العناوين التي نطالعها في هذه الدورة وفي الدورات السابقة «قوس قزح الرغبة – منهج أوجستو بوال في المسرح والعلاج»، تأليف أوجستو بوال، ونقلته إلى العربية نورا أمين، واللافت في هذا الكتاب الذي يهمّ غير المسرحيين أيضا أنه يتحدث عن عظمة فن المسرح وصلته النفسية والتربوية والجمالية بالإنسان قبل وبعد أي شيء، يقول بوال “إن المسرح هو أول ابتكار بشري، وهو الابتكار الذي سمح بظهور جميع الابتكارات والاكتشافات الأخرى وأنتجها» ويرى أن أبسط تعريف للمسرح هو تعريف لوب دي فيجا، الذي يعتبر المسرح «كائنين بشريين وعاطفة ومنصّات»، فالمسرح بالنسبة إلى فيجا، كما يقول أوجستو بوال «معركة عاطفية بين كائنين بشريين فوق منصّات»، ويتبنى بوال هذا التعريف ويعجب به، وبالتالي، ربما يبني منهجه النظري والتطبيقي عليه.

مثل هذا الكتاب لا يمكن أن يقتنيه المسرحي المتخصص فحسب بل المربي والطبيب وعالم المجتمع وسيدة المنزل.. وهذا ما يجعل المسرح فنا خالدا يجدد نفسه بنفسه، ويمنح الفرصة في كل مرة للتدارك، والقول إن الفن الرابع عالم لا يموت مع تنامي وتطور الفنون البصرية ذات المنشأ الإلكتروني من تلك التي تنتشر على منصات التواصل الاجتماعي التي هي ليست من التواصل في شيء أمام أنسنة وإنسانية المسرح منذ مؤسسيه الإغريق إلى حد اللحظة.

الكتاب والباحثون العرب لم يكونوا مغيبين عن هذا المعرض العملاق، إذ حضروا عبر مؤلفات ذات قيمة توثيقية ومعرفية يمكن الاعتماد عليها في برامج تعليمية مثل كتاب «كوميديا ديللارته وتقنيات فن الارتجال المسرحي» للمخرج والباحث المسرحي العراقي قاسم بياتلي، إذ يقدم قراءة تاريخية مكثفة ومركّزة في فرق كوميديا ديللارته، ويضع هذه القراءة في سياقها الثقافي بين ما سمّاه الأسطورة والتاريخ.

في هذا الكتاب نقترب من الثنائية المعروفة في فن المسرح وهي «السيناريو والعرض»، ونقرأ عن الكوميديا المرتجلة، ومفهوم الارتجال الفني في التمثيل، والإخراج والتمثيل وهما ثنائية مهمّة أيضا في المسرح، وغير ذلك من قضايا في هذا الكتاب الذي يضم أيضا نصوصا مترجمة.

الباحثة المسرحية فاتن حسين ناجي الطائي تضع كتابا بعنوان «الكايوسية في مسرح ما بعد الحداثة» فما هي الكايوسية أولا بالنسبة للقارئ وربما للقارئ المسرحي المتخصص، فالكايوسية هي مصطلح مسرحي، فماذا تقول الباحثة نفسها عن هذا المصطلح؟ تقول فاتن الطائي “إن الكايوس يخضع إلى نمط من أنماط الظواهر الطبيعية تتحرّك فيها الأجسام بشكل عشوائي ولا تخضع فيه الظواهر لقوانين الطبيعة، ولكنها مع ذلك وعلى المدى الطويل تعيد تكوين نفسها بشكل منظم وبأشكال وصور ثابتة لها قوانين”.

مصطلح الكايوسية تعاينه الباحثة فاتن في مسارح مصر، سوريا، الأردن، المغرب، الجزائر، السودان والعراق.

تخبرنا الباحثة أن جذور نظرية الكايوسية تعود إلى زمن طويل، ودرسها كل من: أنطوان بوانكاريه، ماكسويل، ودرسها إدوارد لورنتز في ستينات القرن الماضي.

وفي النهاية فإن معرض الشارقة الدولي للكتاب، كان في جميع دوراته، ومنذ تأسيسه “واحة ثقافية” لا بد منها وسط هذا التصحر.

14