هل يأكل الفلسطينيون "الكاتشب"؟

الثلاثاء 2013/12/17

هل يمكن لصلصة “الكاتشب” أن تحتل طعام الفلسطينيين؟ ربما تبادر هذا السؤال إلى ذهني بعد أن عدت إلى الوطن بعد غياب طويل، وحين اندفعت إلى الجنينة في بيت جدي في الخليل، وطلبت من عمي وزوجته بعض البندورة الحامضة التي اشتهيت تذوُّقها في سنوات الغربة. صُدمتُ تماماً عندما أخبروني بأنها انتهت من الوجود تماماً، وأنه لم يعد هناك مثلها الآن.

لم أصدق في البدء. كانت رائحة الدار القديمة مرتبطة عندي بعطر تلك الرائحة الحامضة الحريفة التي تبثها ثمرات البندورة المنشورة في كل مكان، وثمراتها المقسومة إلى أنصاف والمرشوشة على السطح لأسابيع كي تجف وتتحول إلى الصلصة التي تعتبر أساس الطعام الفلسطيني. ماذا بقي إذن؟

قالوا إنه ليس البندورة وحدها، لأن الكثير من المزروعات البلدية أوشكت أن تنقرض. ومن غير شرح كثير استطعت أن أفهم ماذا يجري. لقد قتلها الاحتلال الاسرائيلي بعزلته وحصاره وقوانينه الجائرة ومصادرته الأراضي الزراعية المحلية، وبات على الكثير من الفلسطينيين أن يصيروا عبيداً لسوق العمل الإسرائيلي لكي يتمكنوا من كسب الرزق ومواصلة العيش. وهكذا انصرف أهل الأرض عن العناية اليومية بها والتي كانت تقليداً يومياً لا يتخلى عنه أحد، وصاروا عمالاً غافلين عن أرضهم، وساهموا بطريقة غير مقصودة في اضمحلال مساحة الأرض الزراعية، وفقدان البذور البلدية التي كانت متأصلة فيها. وهو ما يرتبط، أيضا، بالهندسة الجينية التجارية التي تهيمن على العالم اليوم، وتعتبر نتاجاً لاستعمار الرأسماليين لثروات العالم، وتكاد تودي بالبذور الأصلية إلى الاندثار، تلك التي عاش البشر بفضلها ملايين السنين.

لحظة عودتي التي ارتبطت بالفرح حينها، واجهت هول ما يجري من تدمير للطبيعة والبشر. فقد عرفت حينها أنني لن أعود أبداً إلى تذوق حبات البندورة البلدية “الخليلية”، التي كانت رائحتها تظلّل بيت جدي وتمنح الطعام لمسة فريدة حميمة، ولوناً مميزاً، وتجعله قريباً إلى القلب. وفيما بعد، استطعت تدريجياً أن أفهم معنى الاحتلال، فهو ليس تلك المظاهر الفجة أو الصادمة وحدها.

الاحتلال هو السم الذي يتغلغل في الحياة ليُحوّلها إلى تجريد محض، مجرد تفصيل تجاري يتربح منه ويكسب فيه التجار الجائرون ممن يشترون بلدان غيرهم، أو ممن يبيعون بلدانهم للأجنبي، لا أقل أو أكثر.

الاحتلال من قبل أناس جشعين، سواء من الخارج أو الداخل، هو ما يجرّد الأشياء من الرائحة والطعم واللون، ويجعل الطبيعة أداةً للقضاء على الأرض وأهلها.

وها هو الاحتلال يقوم الآن، ومنذ سنين طويلة، بتجريف الأرض وقلع آلاف أشجار الزيتون. وكثيراً ما يقع البعض منا في شرك تقلص رقعة الأرض التي يعيشون عليها بسبب توسع المستوطنات الإسرائيلية وامتدادها، فيقومون بقلع أشجار الزيتون من الحقول كي يبنوا دوراً وبنايات عليها.

وكلما مضيت بين درب ودرب، ورأيت زيتوناً مقتلَعاً وأكوام حجارة البناء والإسمنت مكومة قربها، وضعت يدي على قلبي خشية. فهل سيأتي يوم نُعَلّم فيه الأطفال في المدارس شكل ثمرة الزيتون بسبب انقراضه، سواء من قبل المستعمرين أو من قبلنا؟ ذلك الذي عشنا على دفء زيته ومشكاة نوره ونعومة صابونه منذ أبعد الأزمنة؟

وهل سيأتي يوم يأكل فيه الفلسطينيون “الكاتشب” المصنوع في الخارج بسبب هذا الدمار الممتد حولهم؟ هذا الدمار الذي يرسم أفق اللامبالاة الذي تخلقه الحروب المستمرة، فيضيق أفق الانسان، ويصبح همه الوحيد البحث عن مسكن ومأوى في مكانٍ تُهدَم فيه البيوت والمساكن باستمرار؟

أتكون شجرة الزيتون ضحية حرب جديدة، كما حدث مع ثمرة البندورة البلدية الحامضة، ذات الرائحة الحريفة التي كانت تُجلّل البيوت بالحبور والتوقعات السارة قبل أن تختفي من حياتنا.


كاتبة فلسطينية

9