هل يبحث الأزهر عن نفوذ ديني بحصانة مجتمعية

الأزهر يسعى لإثبات أنه نصير المرأة، لكنه لم يتحرك لإزالة الدروس الدينية في مناهجه التي تحض على احتقارها والتمييز ضدها والتدخل في تفاصيل حياتها.
الاثنين 2018/10/08
هل يكفي انفتاح الأزهر على محيطه الاجتماعي

القاهرة – تحمل بعض التطورات التي يشهدها الأزهر في مصر، دلالات توحي بأنه قرر المضي في تغيير جلده، من دون تدخلات حكومية أو برلمانية، في محاولة للظهور بصورة المؤسسة الدينية التي تساير العصر من تلقاء نفسها، وأن اتهامها بالرجعية ومخاطبة الماضي لم تعد موجودة، ما يخفف من حدة الانتقادات التي تعرض لها في الآونة الأخيرة.

لم يكن أكثر المتفائلين ليدرك إمكانية أن تتصدر امرأة غير محجبة غلاف مجلة “صوت الأزهر”، الناطقة بلسان المؤسسة الدينية، بعدما كان ذلك من المحظورات، كما أن السماح لبعض النساء ممن يوصفن بالمتحررات أن يكتبن مقالات رأي بالجريدة عن قضايا مجتمعية مثيرة للجدل، وكان حتى وقت قريب ضربا من الخيال.

هكذا فعل الأزهر، عندما دشن حملة لمناهضة التحرش الجنسي، وقال إن لباس المرأة ليس مبررا لخدش حيائها بالقول أو الفعل، في مؤشر يعكس أنه أصبح يدعم حرية النساء في ارتداء ما يشأن، وبدأ يتغاضى عن التمسك بضرورة الاحتشام، لدرجة بلغت حد تأكيده صراحة أن النقاب والحجاب ليسا فريضة أو سنة.يكتشف المتابع لنبرة الخطاب الديني للأزهر، حجم التغيّر تجاه القضايا المجتمعية عموما، وآخرها إباحة صرف الزكاة لغير المسلمين، فضلا عن إنشاء أول كلية تربية رياضية للفتيات في تاريخ جامعة الأزهر، وتحريم زواج البنت دون رضاها، والحث على خروجها للعمل، وحظر نقل المعلمات من المعاهد الأزهرية دون رضائهن.

كل هذه القضايا، وأكثر، كان يقف ضدها الأزهر وعلماؤه بالمرصاد، حتى أصبح في فترة ما عاجزا عن التصدي لحملة النقد والهجوم التي تستهدفه من مثقفين ومفكرين وكتاب وأعضاء في مجلس النواب، ثم تغيرت الأمور وبدأ يتعاطى إيجابيا مع بعض القضايا المجتمعية الملحة. وأقال أحمد الطيب شيخ الأزهر، الشيخ عباس شومان، وكيل الأزهر، الذي كان يعد ذراعه اليمنى، واستجاب لضغوط من جهات عدة لإقالته وعدم التجديد له في منصبه، مطلع سبتمبر الماضي، وسبقه في الإقالة محمد عمارة، عضو هيئة كبار العلماء، وهما أكثر شخصيتين لحقت بهما تهمة التعاطف مع جماعة الإخوان.

وجرت هذه التغيرات بتتابع مثير وخلال فترة وجيزة، ما فسره البعض بأنه يضاهي الثورة داخل الأزهر، من حيث طريقة التفكير ومجاراة القضايا العصرية والدفاع عن المرأة، بعدما ظل متهما باستهدافها.

ينظر البعض من المراقبين لمحاولات الأزهر تحسين صورته، على أنه يسعى لتجنيب نفسه السماح لدوائر الحكم لتطويره بسياسة الأمر الواقع، كما حدث مع شومان، والذي كان مسؤولا عن المناهج والفتاوى الأزهرية وتنقية المؤسسة من المتطرفين وضبط الخطاب الديني، لكنه لم يتحرك قيد أنملة في هذه القضايا.

صحيح هناك ربط بين إبعاد وكيل الأزهر عن منصبه، والتغيرات المتلاحقة في طريقة انخراط المؤسسة إيجابيا مع بعض القضايا المجتمعية التي اعتاد التخاذل في حسمها، لكن تظل هذه التحركات شكلية ما لم يتبن معالجات أكثر عمقا في ملفات أخرى لإثبات حسن نواياه.

الأزهر يسعى من وراء حسم قضايا اجتماعية جدلية إلى الإيحاء بأنه يقوم بثورة في تجديد الخطاب الديني

يقول أصحاب هذا الرأي، إن وجود امرأة غير محجبة على غلاف مجلة الأزهر، أمر بديهي، لأنه من المفترض ألا يناصر النساء وفق ملابسهن وخلفياتهن الفكرية والثقافية، كما أن حسمه لمسألة عدم فريضة النقاب والحجاب، والتحرك نحو عصرنة المناهج والبدء في خطوات تطوير التعليم بالصفوف الابتدائية، أيضا من الأمور المسلم بها.

ما يخفض وتيرة التفاؤل عند البعض، في إمكانية حدوث تغيير جذري داخل الأزهر، أن تحركاته تبدو منحصرة في قضايا مجتمعية، بمعنى أنها بعيدة عن الشأن الديني وتنقيح التراث والتغيير الهيكلي داخل مؤسساته، وتطهيرها من المتطرفين والمتشددين، وإبعاد بعض العلماء الذين ينتهجون الفكر السلفي والإخواني.

ولا ينطوي قانون الأزهر الذي صدر قبل أكثر من خمسين سنة، على نص يلزم المؤسسة بإبعاد الأساتذة المتشددين والمتطرفين فكريا، والأمر متروك لمدى الاستجابة الشخصية للإمام الأكبر، ومجموعة القيادات التي تلتف حوله وتشاركه صناعة القرار الداخلي.

ويبدو أن الأزهر يسعى من وراء حسم قضايا اجتماعية جدلية إلى الإيحاء بأنه يقوم بثورة في تجديد الخطاب الديني، وهو نفس الدور الذي تقوم به وزارة الأوقاف ودار الإفتاء، تقريبا، ما يعني أن التغيير الظاهر مرتبط بمحاولات البقاء في صدارة المشهد الديني من بوابة المجتمع.

ويخشى الأزهر من خطورة الدخول في صدامات جديدة مع دوائر الحكم، تهدد نفوذه الروحي الذي بدأ يتراجع أمام الدور المتصاعد لوزارة الأوقاف ودار الإفتاء، لذلك قرر اتخاذ مواقف جريئة يخاطب بها المجتمع والسلطة، لقطع الطريق على الأصوات التي تطالب بإعادة هيكلته، وتعديل قانون الأزهر بشكل لا يسمح له بالاستقلال وتعظيم النفوذ.

ورأى محمد أبوحامد، النائب البرلماني وصاحب مشروع قانون تنظيم الأزهر، أن الحراك الأزهري الأخير، يستهدف بناء قاعدة شعبية جديدة من طبقات عدة في المجتمع، تكون بمثابة الظهير الشعبي للمؤسسة، ضد محاولات التغيير بالأمر الواقع، ومواجهة الضغوط المتلاحقة لإرغامها على التطوير، لكن مشكلته أنه لا يتحرك في جوهر المطلوب دينيا وعلميا.

وأضاف لـ”العرب”، وهو أيضا باحث في شؤون الأديان، أن كل هذا التغيير يظل في الحدود الشكلية، وينم عن ممارسة سياسية أكثر منها علمية قائمة على التعمق في أولويات التطوير، فهو يسعى جاهدا لإثبات أنه نصير المرأة، لكنه لم يتحرك لإزالة الدروس الدينية في مناهجه التي تحض على احتقارها والتمييز ضدها والتدخل في تفاصيل حياتها.

وقال “إذا كان الأزهر حقا، يريد الانتصار للمرأة، عليه أن يتحرك فورا لتعيين سيدات في هيئة كبار العلماء التي تخلو من أي عنصر نسائي، وهذا مستحيل يحدث، لأنه يرفض فكرة أن تفتي المرأة وتشارك الرجل في صناعة القرار الديني، ومشكلته أنه تحول إلى ما يشبه الحزب السياسي الذي يبحث عن شعبية عبر لغة خطاب عاطفية دون أفعال على الأرض”.

ويرى داعمون للأزهر أن التحركات الأخيرة خطوة نحو إصلاح المؤسسة، يمكن أن تفضي إلى تجديد حقيقي في الخطاب الديني، وتطهير المناهج الأزهرية من التطرف والتشدد، لأنه يصعب التغيير الجذري سريعا وبشكل يشعر المجتمع والنخبة أن الأزهر كان مغيّبا، ودعوات إصلاحه كانت ترتكز على حقائق ملموسة، ما يعطي فرصة للمناوئين له بأن يتمادوا في الهجوم عليه لإرغامه على المزيد من الحداثة.

ويقول هؤلاء الداعمون لمؤسسة الأزهر، إن دعم خطوات التغيير والتعاطي معها بإيجابية، يمنح الأزهر الثقة الكافية في الاستمرار، فهو عندما دافع عن حق المرأة في ارتداء الملابس وأن ذلك ليس مبررا للتحرش بها، وحظي موقفه آنذاك بدعم مجتمعي لافت، انتقل إلى خطوة لاحقة بوضع النساء غير المحجبات على صدارة مجلته، وبعد الثناء على ذلك، أصدر مجموعة فتاوى حاسمة تتعلق بحرية المرأة في العمل واختيار زوجها وملابسها وبدأ الأزهر يبرز دوره المجتمعي بقوة ووضوح، ويتراجع عن سلبيته.

ويظل تجاهل الأزهر لآراء المتشددين والمتطرفين الذين يستنكرون سعيه نحو التغيير من نفسه، ركيزة أساسية لاستكمال المشوار والتمدّد لحسم قضايا دينية شائكة، دون التأثر بحملة النقد غير المسبوقة التي يتبناها بعض السلفيين ممن يستهويهم جمود المؤسسة، باعتبار أن التسريع من وتيرة التجديد والتطوير داخل الأزهر ضد مصالحهم.

13