هل يتحرر المشهد المصري من هيمنة الخطاب الرسمي

الحكومة تكابد للتخلص من صورة نمطية تؤخذ عليها وترخي قبضتها تدريجيا عن بعض المجالات.
الاثنين 2019/12/23
الحكومة استوعبت الدروس

تعيش مصر على وقع انفتاح سياسي وإعلامي دفعت إلى تركيزه الحكومة التي بدأت تدريجيا تتخلى عن القبضة الحديدية التي كانت تفرضها في الكثير من المجالات، خاصة في ما يتعلق بالأنشطة السياسية أو الإعلامية. وتثير هذه الخطوة التي استحسنها الكثير من المتابعين والمثقفين عدة أسئلة حول طبيعتها وخاصة في ما يتعلق بالدوافع التي قد تدفع السلطة إلى توخي سياسات جديدة تحرر المشهد المصري من هيمنة الخطاب الرسمي.

القاهرة – يمر المشهد العام في مصر بجملة من التغيرات، تتجلى في بدء تخلي الحكومة تدريجيا عن قبضتها في بعض المجالات، متأثرة بمتغيرات داخلية أفرزت مؤشرات على الاستقرار الأمني، وتقليص العمليات الإرهابية وخروج البلاد من دائرة الدول الأكثر استهدافاً قبل نهاية العام الجاري، وأخرى خارجية مرتبطة بتحركات شعبية في دول مجاورة، فرضت الانتباه جيدا لمعانيها ودلالاتها السياسية البعيدة.

بوادر انفتاح

بدا واضحا أن الرغبة في التغيير تسير بالتوازي في المجالات السياسية والاقتصادية والإعلامية، وطالت سوق الدراما، حيث أفسحت الحكومة الأجواء أمام حضور ظاهر لشخصيات انزوت عن الأنظار منذ سنوات، في محاولة للإيحاء بتحريك الجمود الذي أصاب تلك المجالات، ومن ضمن نتائجه خروج مظاهرات معارضة محدودة في شهر سبتمبر الماضي، كان من الممكن أن تتحول إلى كرة ثلج مع مرور الأيام.

استوعبت الحكومة الدرس، ومنحت الفرصة لظهور قادة ينتمون إلى أحزاب معارضة في عدة مناسبات مؤخرا، وشاركوا في اجتماعات نظمها حزب “مستقبل وطن”، صاحب الأغلبية في البرلمان والقريب من الحكومة، للتشاور بشأن قوانين الانتخابات، فيما استضافت برامج حوارية شخصيات معروفة بمعارضتها لسياسات النظام الحالي، وبدأت الحركة المدنية المعارضة تمارس نشاطا محسوبا ومحسوسا في أروقتها الداخلية.

وأبرمت المجموعة المتحدة للخدمات الإعلامية، التي تسيطر على النسبة الأكبر في السوق الإعلامية والدرامية، جملة من التعاقدات مع شركات إنتاج خاصة على رأسها “العدل جروب”، وشركة “الجابري”، ومجموعة “فنون مصر” للإنتاج الفني والتوزيع، وشركة “ماغنوم”، والمنتج أحمد عبدالعاطي، لتقديم أعمال من المقرر أن يتم عرضها في موسم رمضان المقبل.

وتشكل عودة شركات الإنتاج الخاصة للعمل من جديد استجابة لانتقادات عديدة طالت الفن في الفترة الماضية وتحميل جهات حكومية مسؤولية هذا التدهور نتيجة هيمنتها على الصناعة بما أثر سلبا على مجمل الحركة الثقافية.

حسن سلامة: الدولة شرعت في الانسحاب تدريجيا، لكنها تبقى حاضرة
حسن سلامة: الدولة شرعت في الانسحاب تدريجيا، لكنها تبقى حاضرة

وتحاول الحكومة تصحيح الصورة النمطية المأخوذة عنها، وأثرت سلباً على جذب الاستثمارات الأجنبية التي عولت عليها لتحسين الأوضاع الاجتماعية، وأصبح من غير المقبول تصاعد مؤشرات الاقتصاد وتحسن الأوضاع الأمنية من دون أن يرتبط الأمر بمتنفس سياسي وإعلامي وفني يمنع ترسيخ حالة الانسداد.

وقال حسن سلامة، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، لـ”العرب”، إن “مصر مرت بفترة نقاهة صعبة، وبناء نظام جديد يحتاج إلى قبضة قوية في توقيت محدد لضبط الأمور، لأنها تأتي في أعقاب فوضى عارمة، وتلك القبضة تأخذ أشكالاً مختلفة لحين تشكيل كيانات قادرة على التفاعل مع الأوضاع الجديدة، وتشرع الدولة في الانسحاب تدريجيا، لكنها تبقى حاضرة لتنظيم العمل وخلق بيئة تتناسب مع تسلسل التغيرات في المشهد السياسي والاجتماعي”.

ويرى متابعون أن ما يمكن وصفه بـ “الانسحاب التدريجي”، وليد قراءة لما يدور في المحيط الإقليمي من تطورات شعبوية، قد تنتقل شراراتها إلى مصر، إذا ظلت الحكومة منغلقة وقابضة على دفة مناحي الحياة.

ويضيف هؤلاء أن الطريقة التي تدار بها الأوضاع تقلل من فكرة زيادة جرعة الانفتاح، ويجري تجهيز المسرح عبر مسكنات سياسية، تمتص بعض الغضب المكتوم، وتمنح البعض ثقة في إمكانية توسيع نطاق الانفراج مستقبلا.

وباتت مؤسسات حكومية قانعة بالقواعد التي وضعتها في المجالات التي هيمنت عليها، وبالتالي لا مانع لديها من انفتاح مدروس على جهات عدة، لأن عودة التعاون والعمل العام من جديد ستكون وفقاً للأسس التي أرستها، ما يشكل حصانة ضد ما تطلق عليه “فوضى في المجال العام”، مستفيدة من التداعيات السلبية التي خلفتها حالة السيولة التي تلت ثورة 25 يناير 2011، وتركت انطباع أن المواطنين لا يحسنون استخدام الحرية وفتحت الباب لتضخم دور التنظيمات المتطرفة، وعلى الحكومة تقديم الجرعات التي تراها في الوقت المناسب.

وأضاف سلامة لـ”العرب”، أن تغير تعامل بعض الحكومات في الظروف المرتبكة يأتي على مراحل متعددة، كي لا تحدث حالة من الجمود والتكلس تؤدي إلى تفجير الأوضاع، وبالتوازي ثمة إدراك لزيادة حجم الوعي المعرفي المحلي الذي يفرض ضرورة تخفيف القبضة دون أن تتأثر بالسلب، كما أن الكتل الشبابية التي يتزايد عددها يتملكها طموح حقيقي إلى التغيير ولا بد من الاستجابة له قبل خروجه عن السيطرة.

وأشار إلى أن استجابة الحكومة المصرية للتغيير، وإن كانت ضعيفة، تبرهن على استعداد للتعامل مع التحولات الخارجية، وبطء الحركة يبدو منطقيا لصعوبة حدوث تغيير إيجابي سريع، لأن النظام الحاكم يخشى تفسير ذلك على أنه في موقف غير صحي.

وربط مراقبون بين التحركات الحالية وتوالي الانتقادات الدولية لحالة الحريات العامة في مصر، عقب جلسات التقييم التي جرت في جنيف ضمن المراجعة الدورية لسجل حقوق الإنسان مؤخرا، وشهدت ملاحظات عدة بشأن عمل المنظمات الحقوقية.

وتحرر المجلس القومي لحقوق الإنسان (استشاري حكومي) من بعض القيود، ووجه انتقادات لاذعة إلى الحكومة وتطرق إلى حالة السجون التي ظلالحديث عنها من المحظورات لفترة طويلة، ونظم فعاليات محلية وإقليمية ألقت مزيداً من الحجارة في المياه الراكدة، بعد أن اقتصر عمل المجمع المدني على الجمعيات الأهلية التي تديرها شخصيات قريبة من الحكومة.

إعادة هيكلة النظام

توقع سياسيون أن تمضي القاهرة في الإقدام على المزيد من خطواتها البطيئة مدعومة بمؤشرات جيدة في أداء الاقتصاد وارتفاع قيمة الجنيه أمام الدولار.

جهاد عودة: ما يحصل هو محاولة لإعادة هيكلة النظام السياسي
جهاد عودة: ما يحصل هو محاولة لإعادة هيكلة النظام السياسي

وشكل قرار الرئيس عبدالفتاح السيسي بطرح شركات تابعة للجيش المصري في البورصة، أحد روافد التشارك مع المواطنين، بعد أن تعددت شكاوى القطاع الخاص من التدخل الحكومي في مجالات عدة، على رأسها قطاع المقاولات والحديد والصلب والثروة السمكية.

وأوضح جهاد عودة، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، أن التقدم الذي حققه الاقتصاد الكلي لم ينعكس بصورة كاملة على الاقتصاد الجزئي، حيث لا يزال الغلاء مستمرا، والاستجابة لمتطلبات المواطنين المعيشية متعثرة، ما جعل الحكومة في لحظة فارقة مستعدة فيها للتخلي تدريجياً عن توغلها بشكل كبير في الإنتاج السلعي والخدمي.

وأضاف لـ”العرب” أن ما يجري في الوقت الحالي محاولة لإعادة هيكلة النظام السياسي برمته والبحث عن منافذ عدة تسمح بحدوث انفراجة على المستوى الداخلي، والربط بين مشروعات الدولة القومية والتهديدات الخارجية من خلال تطوير الفضاء السياسي والإعلامي.

وربط بين نجاح هذه المحاولات ووجود رؤية مستقبلية للتخلي الكامل عن الحضور الرسمي في المجالات المختلفة، وتنفذ تلك الخطط على مدى يتراوح بين ثلاث وأربع سنوات، وتكون هناك تصورات لإعادة بناء وعي المواطنين بما يتواكب مع التطورات المتسارعة.

وأكد مراقبون أن الهيمنة على المجال العام لم تكن أبعادها ودوافعها الحقيقية معروفة، بحكم سرية عمل الجهات التي طفت على السطح باعتبارها متحكمة في كل شيء، والتي فشل الإعلام في تفسير خطواتها، وكان ذلك محل شكوى متكررة من الرئيس عبدالفتاح السيسي، ما رسخ انطباع أنها رغبة أبدية في الهيمنة وإبعاد الجميع عن المشاركة الفعالة.

6