هل يتحول الاعتدال إلى قوة سياسية جاذبة في العراق

الثلاثاء 2017/05/16

الاعتدال مفهوم فكري وسياسي انتقل من المنطلق العقائدي الديني إلى السياسي، وتم تبنّيه من قبل المؤسسات البحثية والسياسية الأميركية كواجهة وكجزء من أسلحة التصدي لقوى التطرف الديني في منطقة الشرق الأوسط خصوصاً بعد واقعة الحادي عشر من سبتمبر 2001، وهذا ما أعلنته مؤسسة راند عام 2003 في توصياتها للمؤسسات السياسية الأميركية لفرز التيار الوسطي المعتدل عن التيارات الدينية المتطرفة، وكسب مناصريه للمشروع الأميركي الذي تبلور كإستراتيجية جديدة قادها اليمن المتطرف للإجهاز على القوى التي ناهضت مشاريع أميركا في المنطقة ومن بينها العراق.

استخدم الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش شعار كسب المعتدلين في القضايا العربية ومنها القضية الفلسطينية لتمرير سياسة حماية إسرائيل وأمنها ومنع قيام دولة فلسطينية مستقلة ولحماية الأنظمة الدكتاتورية والمستبدة في المنطقة.

شعار الاعتدال يستخدم لتأجيج الصراعات الداخلية وتفجير الأوطان من الداخل. فمثلا دعم أميركا للمعتدلين في إيران لا يمنع من أن يظل ولاءهم وخضوعهم لولاية الفقيه، رغم إن الأميركان لم يترددوا في دعم قوى الإسلام السياسي غير المعتدلة في العراق تلبية لمصالحهم وشعورهم بأن تلك القوى هي الأكثر استجابة عن غيرها من الليبراليين لتلك المصالح. وهذا مما يزيد الغموض بشأن صحة الدعوات الأميركية والأوروبية بدعم قوى الاعتدال المحلية في المنطقة.

في العراق أصبح مفهوم الاعتدال والوسطية حاجة ملحة نتيجة قدمته قوى التطرف والطائفية السياسية من نموذج غير مسبوق لتطبيقات الإسلام السياسي المكرسة لنزعات التطرف والثأر والكراهية، ووضع السدود أمام أي فرصة لبناء دولة المواطنة.

وكانت التجربة السياسية على مدى الأربعة عشرة سنة الماضية كافية أمام العراقيين لرفع يدهم ومساندتهم لتلك القوى والأحزاب، بل إن الكثير من المتسائلين يشككون في الأسباب الحقيقية وراء حالة الخدر والاستسلام الشعبي هذه، بل سادت دعوات مقصودة في وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي تدعي بأن الطائفية حالة متجذرة عند العراقيين وليست غريبة عليهم، وساندت تلك الدعوات المحلية مراكز بحوث ودراسات اجتماعية سياسية أميركية تدفقت على العراق منذ عام 2003 وحاولت تركيز هذا المفهوم في عقول النخب السياسية والثقافية العراقية. ويتساءل المتسائلون عن أسباب عدم قدرة الجمهور العراقي على العبور من الخندق الطائفي إلى الوطني، وهو تساؤل مشروع داخل إطار عدم المساس بمكانة هذا الشعب العظيم وتاريخه الوطني وقدرته على معاودة الوقوف والتخلص من مستنقع الطائفية السياسية بقوة.

ومن هنا تأتي الحاجة إلى الدعامات السياسية الفكرية والتنظيمية الجديدة التي تشكل إطاراً جديدا قادراً على ملء الفراغ. ذلك إن إطار المشروع الوطني الذي رفعته كتلة إياد علاوي منذ عام 2003 لم يتمكن من تحقيق هذه الغاية ليس لخلل بالشعارات والمضامين السياسية الوسطية التي اندفعت بزخم جماهيري قوي ضم العرب السنة والشيعة، وإنما بسبب البنية التنظيمية التي أدارت هذا المشروع الذي وصل إلى قطف ثماره في انتخابات عام 2010 وتفككت قيادات تلك الحركة تحت ضغوط المصالح الشخصية التي طالما أصبحت واحدة من أخطر الحالات المرضية التي أصابت التجربة السياسية العراقية على مدى عقود طويلة.

يعود شعار الاعتدال والوسطية للساحة السياسية للتداول مجددا عبر إطار تنظيمي حزبي يبشر به غسان العطية محاولا وضع نفسه كمرجعية فكرية وسياسية عراقية لجميع قوى المشروع الوطني العراقي، متجاوزا – حسب شعاراته – العثرات والفشل الذي أصابه بعد عام 2003 وبزعامة عدنان الباججي زعيم تيار الوسط، حينذاك، وبرعاية الاحتلال العسكري الأميركي حيث فشل في استقطاب الجمهور العراقي ولم يتمكن الحصول على مقعد نيابي واحد، ما أصاب دعاته بالإحباط والانعزال عن الفعاليات السياسية.

الاعتدال مضمون سياسي لا يقتصر على هذه الكتلة أو تلك، وليس عنوانا وماركة خاصة لهذه المجموعة دون غيرها، إنما هو مضمون سياسي وطني يمكن لأي كتلة أو تيار سياسي عراقي تبنّيه دون الحاجة للخضوع لمن يحمل هذا العنوان الحزبي، هو تيار واسع يتسع لجميع الوطنيين المؤمنين بالخلاص من المأزق الطائفي الذي تورطت به الأحزاب السياسية التي وجدت في ذلك المناخ الغريب ملاذا لها ولمطامعها الخاصة، وبنت مؤسسات سياسية واجتماعية واقتصادية ساندتها إمبراطورية الفساد توهمت بعدها أن لا قدرة لقوى عراقية ناشئة ترفع الشعارات اللاطائفية على إزاحة هذا البناء وتلك المنظومات التي تكرست واحتمت بالسلاح لتأمين وسلامة تلك الأحزاب.

الاعتدال ملاذ سياسي وليس هو الملاذ الوحيد للتيار الوطني العراقي إذا ما كانت أغراضه النهائية ليست فقط الخلاص من الكابوس السياسي الذي يمر به البلد وألا يرتهن للأدوات غير الصدامية التي لا تريد المواجهة المباشرة والحادة مع قوى التطرف والطائفية، وإنما لكي يفتح الأبواب بمرونة أمام تغيير سياسي شامل للحياة السياسية في العراق.

وعلى الحالمين ألا يتوهموا بأن القوى الطائفية ستستسلم بسهولة لنزع مكانتها القيادية، بل لديها الاستعدادات لإغراق العراق في بحور من الدماء تحت شعارات جاهزة ومموّهة. كما إن الاعتدال كشعار سياسي محلي يمكن أن يخدم رافعيه تكتيكيا حتى وإن كانوا من مؤسسة الطائفية السياسية لكي يمرروا مخططاتهم ويعيدونها قي لعبة الانتخابات المقبلة بعد أن حوصروا باستحقاقات غير قادرين على الإيفاء بها.

إن مختلف النشاطات السياسية المناهضة للطائفية والفساد والتي لديها عناوين حزبية أو حركية متعددة تستطيع اعتماد مضامين الاعتدال في مشاريعها، ونحن نلمس بأن هناك حراكا سياسيا ناهضا ومنفتحا من داخل الوسطين الشيعي والسني، لكنه يحتاج إلى إمكانيات لوجستية مازالت حكراً على الأحزاب الكبيرة، وتلك الإمكانيات قد تتوفر إذا ما خلصت النيات وابتعدت عن سوق المتاجرة الذي يفتح أبوابه حالياً بذات الوجوه البائسة التي خذلت الجمهور، معتقدة أن تغيير اللافتات وتلميع بعضها سيمرر اللعبة، ومتوهمة أن العراقيين يمكن اللعب عليهم متناسين بأنه كلما زاد جلد الضحية، فإنها ستحمل قدرات جديدة من التحدي.

الفرصة التاريخية متوفرة أمام التشكيلات والقوى النظيفة غير المتورطة واقعياً بالتطرف والطائفية والفساد التي تمارس الآن أساليب المراوغة والتمويه، وستدخل بائتلافات وتحالفات جديدة قد تكون مفاجئة في مظاهرها، وهي حالة مقبولة إن حافظت ولم تخرج عن ثوابت المشروع الوطني في بناء الدولة المدنية.

إن الظروف المتوقعة لمرحلة ما بعد داعش ستفتح معركة سياسية معقدة من نوع جديد تتبارى فيها قوى التطرف والطائفية مع بعضها ضد قوى الاعتدال، فيما تظل الأحزاب الكبيرة تناور في الوسط فهي ستستخدم شعار الوسطية والاعتدال لكسب ولاء الجمهور مجددا، ومن جهة ثانية ستغازل قوى التطرف الشيعي مقابل قوى التطرف السني. أما قوى التطرف الشيعي فستحافظ على العنوان الطائفي كميدان جديد للصراع المصطنع بين العرب السنة والشيعة وستستخدم خلالها شعارات جديدة مثل محاربة بقايا الداعشيين والبعثيين، وكذلك الأحقية السياسية لمن حارب وحرر الموصل من غير القوات العسكرية العراقية النظامية، مقابل ظهور أحزاب وكتل داخل الوسط السني تجعل من معاناة أبناء المحافظات السنية من النازحين وغيرهم كناتج من نتائج الحرب على داعش شعاراً استعراضياً لها.

ولعل من المخاطر التي ستواجه الوضع العراقي هي احتدام الصراع ذي الاستقطابات الطائفية بين القوى التي تملك ميليشيات مسلحة تدعم مشاريعها، خصوصاً في ظل الرعاية الإقليمية أو الدولية، ويحرم البلد من إمكانيات التعايش السلمي بين مكوّناته التي ستظل رهينة لذلك الاستقطاب المريب. فالقوى الشيعية الطائفية ستستند على إيران وإمكانياتها السياسية والإعلامية والتعبوية الميدانية، فيما ستشعر القوى السنية بمظلوميتها وتلجأ إلى الدول العربية النافذة لحمايتها ودعمها، وكذلك إلى أميركا الجديدة بزعامة الرئيس دونالد ترامب وهناك مؤشرات تدعم هذا السيناريو الخطير، وبذلك يدخل العراق مجددا في نفق أكثر ظلاما مما هو عليه اليوم. واقع الحال يقول إن لا الأميركان سيحمون السنة، ولا إيران ستدعم الشيعة. ودعم الأميركان لقوى الاعتدال الحقيقية هي شعارات كاذبة، فتاريخهم السياسي يشير إلى دعمهم للتطرف والتخندق الطائفي المحلي، بل هم الذين أججوا وقادوا الحروب في مناطق عدة من العالم، واليوم يقودون ويدعمون الحروب الأهلية في سوريا وليبيا واليمن، وكرّسوا دعائم الطائفية السياسية في العراق.

ومن يتوقّع حصول تحوّلات إقليمية ودولية لتبنّي قوى الاعتدال داخل العراق ورعايتها عليه أن يكون أكثر واقعية، فجميع المؤشرات تقول بأنّ الاستقطاب الطائفي إقليميا ودوليا سيظل الورقة الرابحة لتلك الجهات الخارجية لسنوات مقبلة. والقوى الليبرالية ذات الإمكانيات المحدودة هي الأضعف في قوى الصراع الجديد، ولن يكون الاعتدال والوسطية كعنوان حزبي قادرا لوحده على المواجهة، بل لا بد من تضافر جميع الجهود التي تفرز بين الفاشلين والفاسدين والطائفيين وبين النزيهين والصادقين.

كاتب عراقي

8