هل يتحول القطاع الصحي في المغرب بعد تحريره إلى تجارة

الخميس 2014/03/06
المستثمر سيقلص النفقات على حساب جودة الخدمات الطبية المقدمة للمريض

الرباط – تسود حالة من التخوف بين الأطباء والأطر العاملة بالقطاع الصحي بالمغرب، جراء عودة “شبح” تحرير القطاع من جديد.

قدم وزير الصحة المغربي الحسين الوردي، مسودة مشروع يقضي بتغيير القانون المنظم لمهنة الطب بالمغرب، وهو المشروع الذي من شأن بعض مواده، أن تفتح الباب على مصراعيه أمام الاستثمار التجاري في الصحة.

هذا الإجراء سيجعل المريض بحسب المهنيين، خاضعا للمنطق الذي سيفرضه نظام السوق التجاري، وسيضرب عرض الحائط بالأخلاقيات التي تحث على حق المواطنين في تلقّي العلاج والحماية من المخاطر المرضية.

وردّا على قانون تحرير القطاع الصحي وفتحه أمام المستثمرين الخواص، قال الدكتور محمد الناصري البناني رئيس النقابة الوطنية لأطباء القطاع الحر، في حوار مع ” العرب” ، “هذا المشروع الذي كلف وزير الصحة بتقديمه، سبق للوزيرة السابقة ياسمينة بادو أن طرحته عام 2009، بدعوى جعل النظام الصحي ببلادنا أكثر جاذبية لاستقطاب المستثمر التجاري الوطني والأجنبي”.

ومن أهم التغييرات المقترح إدخالها على القانون المنظم للممارسة الطبية؛ هي فتح المجال أمـام الاستثمار التجاري في الصحة وإعطاء حق إنشاء وحيازة مصحات خاصة للشركات التجارية وشركات التأمين، دون أخذ حقّ المواطنين في الاستفادة من العلاج والعناية الصحية، كما توصي بذلك كل المواثيق الدولية ويشير إليه الدستور المغربي في مادته 31.

وأضاف محمد الناصري البناني قائلا “كل هذا سيؤدي إلى تفاقم أحوال المنظومة الصحية التي تتميز بإقصاء الفئات المستضعفة من الاستفادة من العلاج، وباللاّتكافؤ أمام التطبيب اجتماعيا وجغرافيا، وهم ما من شأنه أن يُكرّس التمييز في حقّ المواطنين في الصحة.

ارتفـاع تكلفـة التـداوي سيـؤدي إلى إقصاء المرضى الذين لا يملكـون تغطيـة صحية للعـلاج

كما طالبت هذه المنظمات المسؤولين ببلادنا بفتح نقاش وطني من أجل وضع تشخيص حقيقي للمنظومة الصحية بالمغرب، وبلورة ميثاق وطني للصحة”.

وردا على استفسارنا بخصوص هذه المسألة، يقول وزير الصحة حسين الوردي “من شأن هذه الخطوة أن تساهم في تعزيز وتجويد الخدمات الصحية المقدمة للمواطنين”.

تجدر الإشارة إلى أن كل الدراسات العلمية، التي أُنجزت في البلدان التي سبقت المغرب وفتحت الباب أمام الاستثمار التجاري في الصحة، أكدت فشل هذه التجربة، كما أكدت أن هذا الإجراء، الذي كُلّف وزير الصحة بتمريره، يتنافى مع جميع القيم الأساسية للممارسة الطبية.

والعديد من الدراسات العلمية اعتبرت أنّ معالجة إشكالية الصحة مثل باقي القطاعات الأخرى يُعدّ أمرا خاطئًا، لأنّ الممارسة الطبية يتحكم فيها عاملان أساسيان هما العامل الأخلاقي والطابع الإنساني.

محمد الناصري البناني: فتح المصحات الخاصة أمام المستثمرين يتنافى مع القيم الطبية

وكمثال على فشل التجربة، نذكر لبنان وهو بلد رائد في الاستثمار التجاري في قطاع الصحة نظرا لظروف الحرب الأهلية التي مر بها، حيث تبين الدراسات المنشورة أن الإنفاق الإجمالي على الصحة في لبنان هو ضعف ما تنفقه، مثلا، سريلانكا التي يعتمد نظامها على الخدمات الصحية العمومية. ومع ذلك فإن نسبة وفيات الأطفال في لبنان تتجاوز النسبة الحاصلة في سريلانكا بمرّتين ونصف، أما وفيات الأمهات عند الولادة فتتجاوز النسبة المسجّلة في لبنان ثلاثة أضعاف نظيرتها في سريلانكا.

وأشار رئيس النقابة الوطنية لأطباء القطاع الحر بالمغرب، إلى أنّ تطبيق هذا المشروع سيفتح الباب أمام الشركات التجارية لامتلاك مصحات خاصة ومؤسسات استشفائية لتقديم خدمات صحية للمرضى، ومن الطبيعي أن يسعى المستثمر التجاري إلى البحث على أكبر نسبة ربح.

ومن أجل الوصول إلى ذلك سيتم اللجوء إلى الرفع من المداخيل عبر الزيادة في أيام الاستشفاء والمغالاة في بعض الفحوصات والتحاليل حتى من دون مبرر علمي، وفي المقابل سيعمل المستثمر التجاري على تقليص النفقات حتى على حساب جودة الخدمات الطبية المقدمة للمريض. كما أن التعامل بهذا المنطق التجاري سيؤدي مباشرة إلى ارتفاع تكلفة العلاج، وبالمقابل تدهور المؤشرات الصحية كنسبة وفيات الأمهات عند الولادة أو نسبة وفيات الأطفال الرضع وغيرها.

فالانعكاس سيكون سلبيا، لا على صحة المواطنين فحسب، بل على الاقتصاد الوطني إجمالا، لأن ارتفاع تكلفة التّداوي، سيؤدي إلى إقصاء المرضى الّذين لا يملكون تغطية صحية للعلاج. كما سيدفع الصناديق المكلفة بتدبير التأمين على المرض، إذا أرادت أن تغطي فعلا تكاليف العلاج، لفرض زيادة في قيمة الاشتراكات، وهذا سيفرض بدوره أعباء إضافية على المقاولات المغربية وسيؤثر سلبا على قدرتها التنافسية.

17