هل يتخلّص العراق من داعش فيجد نفسه في أتون حرب طائفية

الجمعة 2015/02/20
ظهور ميليشيات مسيحية يضفي على المشهد العراقي مزيدا من الضبابية

التنامي المتزايد للميليشيات المسلحة التي تقاتل في العراق تحت غطاء محاربة تنظيم “الدولة الإسلامية”، وما تتسم به تلك الجماعات من نزعات انفصالية، بدأ ينبئ بأنّ حربا على النفوذ (ستتخذ أبعادا طائفية وعرقية) بدت تلوح في الأفق، ممّا يستوجب من الدولة العراقية أن تعي منذ الآن بهذا الخطر القادم، والذي لا يقل عن الخطر الذي يمثله “داعش”، وأن تعمل على التوقي منه منذ الآن عبر إعادة هيكلة جيش وطني موحد من شأنه أن يحافظ على وحدة البلاد في المستقبل.

أفادت تقارير إعلامية بأنّ آلاف المسيحيين العراقيين شكلوا ميليشيا خاصة بهم، تحت اسم “وحدات الحماية المسيحية في سهول نينوى”. وأشارت إلى أنّ عناصر هذه الميليشيا تتدرب الآن لمحاربة تنظيم “الدولة الإسلامية” في شمال العراق، وتأمل أن تحقق ما حققته قوات البشمركة الكردية لاستعادة أراضيها من “داعش”.

وتقول التقارير إنّ “وحدات الحماية المسيحية في نينوى” (إن بي يو)، التي أسّسها حزب “الحركة الآشورية الديمقراطية” العراقي، تطوّع في صفوفها 3 آلاف من الشباب الآشوريين للتدرب على آليات القتال.

فيما نشرت صحيفة “وول ستريت” الأميركية تقريرًا مفاده أنّ مئات المسيحيين يتدربون في قاعدة سابقة للجيش الأميركي، خارج مدينة كركوك التي تبعد 250 كلم شمال غرب بغداد، ويأمل هؤلاء في تشكيل ميليشيات تُحارب وتتحدى”الدولة الإسلامية”.

وقالت الصحيفة إنّه تمت المصادقة في الكونغرس الأميركي على تقديم 1.6 مليار دولار لتدريب وإعداد المقاتلين لمحاربة “داعش”، ونصّ قرار المساعدة على أنه يمكن استخدامها لتدريب الأقليات في سهول نينوى، كي تتمكن من الدفاع عن نفسها، مشيرة إلى أنّ لمسيحيي العراق، وخاصة منهم الكاثوليك الكلدان والآشوريون، علاقات قوية مع أعضاء الكونغرس الأميركي، من خلال وجود جالية مهاجرة كبيرة تابعة لهم في الولايات المتحدة.

في ظل الاستعدادات التي تقوم بها الميليشيات الشيعية باتجاه محافظة كركوك، لا يستبعد قيام مواجهات مسلحة بينها وبين البيشمركة الكردية


دور ميليشياوي متصاعد


تصاعد دور “تنظيم الدولة الإسلامية” في العراق وما تلاه من انهيار لمؤسسة الجيش بعد تمكّن التنظيم من السيطرة على قطاع واسع من الأراضي العراقية، فتح المجال أمام ظهور تشكيلات مسلحة أخرى، تعددت أبعادها الطائفية وانتماءاتها المذهبية والعرقية، تتعلّل في مجملها بوحشية “داعش” وتنامي نفوذه لتبرّر وجودها كمكوّن من مكونات الصدّ الضرورية التي يمكن أن تحول دون تمدّده وسيطرته المطلقة على البلاد في ظل حالة الضعف والوهن التي بدت عليها قوات الجيش.

التشكيلات المسلّحة، رغم بعض الاختلافات التي تميزها عن بعضها البعض، إلاّ أنه يمكن تقسيمها إلى ثلاث مجموعات هي:


◄ أوّلا

، الميليشيات الشيعية التي تمول وتدرب من قبل الحرس الثوري الإيراني، بمباركة من الحكومة العراقية الموالية لطهران، تحت اسم ما بات يعرف بـ”الحشد الشعبي”، والتي قيل إنّها تشكلت لمؤازرة الجيش في معركته التي يخوضها ضدّ “داعش”.


◄ ثانيا

، القوات الكردية التي تخوض بدورها معارك طاحنة مع “داعش” من أجل صدّ تمدّده إلى الأراضي التي تسيطر عليها وتطمح إلى أن تقيم عليها دولتها الخاصة.


◄ ثالثا

، الميليشيات “المسيحية” التي أعلنت عن تشكلها كردّة فعل على ما لحق بالمواطنين العراقيين المسيحيين من قتل وتهجير على أيدي عناصر التنظيم الإسلامي المتشدد.

هذه الجماعات والميليشيات المسلحة، لئن تجد تبريرا لوجودها في تآكل مؤسسة الجيش العراقي التي ينخرها الفساد الذي خلفته سياسات الحكومات المتعاقبة على العراق منذ احتلاله سنة 2003 من طرف القوات الأميركية، وخاصة في فترة رئيس الحكومة السابق نوري المالكي، إلاّ أنه ينذر بخطر محدق قادم يستهدف تقسيم العراق إلى دويلات، كل منها سيكون تحت حماية إقليمية ودولية.

تنامي نفوذ الميليشيات ينبئ بخطر محدق قادم يستهدف تقسيم العراق إلى دويلات كل منها سيكون تحت حماية إقليمية ودولية

وإذا كانت الحكومة العراقية بتحالفها الحالي مع الأميركيين والدول المنخرطة في الحرب على الإرهاب، تستهدف القضاء على تنظيم “الدولة الإسلامية”، فإنه من الواضح أنّ رؤيتها لـ”العراق الموحّد” في المستقبل، لم تتبلور بعد، خاصّة في ظل نفوذ تلك الميليشيات المسلحة وإمكانية أن تطول الحرب ضدّ تنظيم الدولة الإسلامية”.

اللافت في المشهد العراقي بعد أكثر من ستة أشهر على ظهور “تنظيم الدولة الإسلامية” وسيطرته على الموصل ومناطق شاسعة من البلاد، هو أنّ مواجهة الخطر الإرهابي لا تسير وفق استراتيجية موحدة واضحة المعالم تقودها مؤسسات الدولة ويشرف على تنفيذها الجيش العراقي، كونه الهيكل الشرعي الوحيد المخول لحمل السلاح وحماية البلاد من الأخطار التي يمكن أن تحدق بها.

حيث أنّ الارتباك الذي بدا واضحا في صفوف قوات الجيش منذ بداية المواجهات مع التنظيم المتشدد، فتح المجال أمام ظهور العديد من التشكيلات المسلحة التي لا تمتلك شرعية، ولكنها على الرغم من ذلك حلّت محلّه في العديد من جبهات الصراعات، وأضحت اليوم بفعل ما تلقاه من دعم سخي على جميع الأصعدة من الأطراف التي تقف وراءها ذات قوة متنامية ونفوذ على الأرض.

ويتجلى ذلك النفوذ خاصة في المناطق التي تمكنت من تحريرها من سطوة “داعش” أو في المناطق التي لها فيها امتداد طائفي سهل لها السيطرة عليـها بتعـلة حماية أهلـها.

وإن كانت الميليشيات الشيعية المتعددة التي تنشط تحت ما بات يعرف باسم “قوات الحشد الشعبي” مكشوفة لدى المراقبين من حيث ولائها لإيران التي تدعمها بالسلاح والمقاتلين، ومن حيث سعيها لتنفيذ الأجندة الإيرانية التوسعية التي تهدف إلى السيطرة المطلقة على العراق من خلال محاولة “تشييع” ما يمكن “تشييعه” من مدن وقرى، ضمانا للولاء “الخالص” الذي ربما تعجز عمالة الحكومات وتبعيتها عن توفيره، فإنّ الميليشيات المسيحية التي ظهرت مؤخرا تحت ألوية عدّة وأسماء مختلفة شأن “دويخ نوشا”، وهو ما يعني التضحية بالنفس باللغة الآرامية القديمة التي كان يتحدثها المسيح ومازال يستخدمها المسيحيون الأشوريون الذين يعتبرون أنفسهم السكان الأصليين للعراق، ما زالت العديد من المسائل المتعلقة بظروف نشأتها ومن يقف وراءها ويقوم بتمويلها وتدريب عناصرها، وخاصة الأهداف التي ترنو إليها في مرحلة ما بعد “داعش”، غامضة.

الكونغرس وافق على تقديم 1.6 مليار دولار لتدريب وإعداد المقاتلين لمحاربة "داعش"

وعلى الرغم من أنّ هذه الميليشيات تقول إنّ ما دفعها إلى التنظّم، هو تخلّي القوات الحكومية عن عائلاتها وتركتها عرضة للمسلحين في الصيف الماضي، وهي تسعى حالياً إلى تشكيل قوة من شأنها المحافظة على المدن والقرى وإبقائها آمنة حتى بعد هزيمة “الدولة الإسلامية”، إلاّ أنّ مراقبين يذهبون إلى أبعد من ذلك، حيث يشيرون إلى أنّ عددا من السياسيين من أبناء الطائفة الآشورية يطمحون لأن تكون هذه الميليشيات بمثابة قوات دفاع عن دولة صغيرة ذات حكم ذاتي تضم الآشوريين وغيرهم من الأقليات في المستقبل، حيث أنّهم، ومعهم الإيزيديون، يريدون على الأرجح بناء مستقبلهم المستقل.


صراعات طائفية محتملة


يرى مراقبون أنّ توحّد الميليشيات المتنوعة الموجودة في العراق اليوم ضدّ عدو مشترك متمثل في تنظيم “داعش”، سببه الرئيسي هو الوحشية اللامتناهية والخطر الداهم الذي يمثله هذا التنظيم المتشدد على جميع فئات الشعب العراقي، وأنّه مع زوال هذا الخطر وهذا التهديد الشامل ستبرز صراعات من نوع آخر حول السلطة والنفوذ بين هذه الميليشيات ذاتها، في ظلّ وهن السلطة المركزية وضعف مؤسسات الدولة وتعويلها اليوم على المسلحين من أجل حمايتها، وهو ما سيسمح لهم في المستقبل بالاستقواء عليها وربما حتى الانفصال عنها خاصّة أنهم مدعومون من قوى إقليمية ودولية تدّعي حماية العراق غير أنّ غايتها الحقيقية هي السيطرة على ثرواته ومدخراته النفطية.

وهنا يكمن الخلل الذي يقوض بناء الدولة العراقية. إذ أن استشراء الفساد والاختراقات الطائفية والأمنية أدى إلى فشل مريع في تأسيس جيش وطني احترافي حقيقي لا يفرق بين المواطنين، ومع الانهيار الحتمي لهذا الجيش في أول اختبار له، كان طبيعيا أن يؤدي التدهور الأمني إلى ازدهار ثقافة الميليشيات، التي أصبحت الحل الوحيد للحصول على حد أدنى من الأمن.

وفي ظلّ الدعم أو الإقرار الحكومي لهذا الواقع الميليشياوي باعتبار أنه السبيل الوحيد لمواجهة “تنظيم الدولة الإسلامية”، لا يمكن التغافل عن خطر داهم ربما لا يقل عن التنظيمات الإرهابية، وهو أن ذلك الواقع يمهد الساحة أمام حرب مذهبية تكون هذه الميليشيات وقودها.

ويرى محللون سياسيون أكراد، على سبيل المثال، أنّ المواجهة بين قوات البيشمركة الكردية والميليشيات الشيعية المنضوية تحت مسمى “الحشد الشعبي” هي مسألة وقت.

ويؤكدون أنّ الحديث عن التحالف بين الطرفين يصلح للاستهلاك الإعلامي وليس للأمر الواقع، مؤكدين أنّ الانشغال بالحرب مع تنظيم “داعش” يؤجل المعركة بين الطرفين، وربما ستكون محافظة كركوك، التي قطعت الميليشيات الشيعية أشواطا في محاصرتها وإحاطتها بمعسكرات التدريب ومخازن الأسلحة والمعدات الثقيلة التي يتم نقلها بشكل متزايد والتي شهدت كذلك تنظيم استعراض عسكري موسع لأشد الفصائل الشيعية تطرفاً وهو المسمى بـ”عصائب أهل الحق”، أولى محطاتها.

خاصّة أن عددا من القادة الأكراد يرفض تأجيل الحديث عن أوضاع كركوك إلى مرحلة ما بعد زوال تنظيم “داعش”، ويطالب بموقف كردي موحّد من المحاولات الشيعية الرامية إلى زيادة النفوذ والتسليح في المدينة، التي كانت قاب قوسين أو أدنى من ضمها إلى الإقليم الكردي بعد الغزو الأميركي للعراق سنة 2003.

عدد من السياسيين الآشوريين يطمحون إلى إنشاء ميليشيات تكون بمثابة قوات دفاع عن دولة صغيرة ذات حكم ذاتي تضم الآشوريين

وكانت مصادر أمنية في إقليم كردستان العراق قد كشفت في وقت سابق عن حالات صدام عدة حصلت بين عشائر كردية من جهة وفصائل تتبع تشكيلات “الحشد الشعبي” الشيعية من جهة أخرى.

كما أفادت مصادر إعلامية كردية بأنّه في ظلّ الاستعدادات التي تقوم بها الميليشيات الشيعية باتجاه محافظة كركوك، لا يستبعد سكان المحافظة قيام مواجهات مسلحة بين البيشمركة الكردية وعناصر هذه الميليشيات، وهو ما يزيد من نسبة قلقهم وخوفهم على مستقبلهم.

ويرى مراقبون، أنه في خضم هذا المستقبل العراقي الغامض الذي ينبئ باحتمالية تفجر الأوضاع ثانية ما بعد زوال “الدولة الإسلامية”، بين الميليشيات التي تزداد قوتها ويتنامى نفوذها يوما بعد يوم، أضحى من الضروري أن تفكر الجهات الحكومية في مستقبل “العراق الموحّد” وحتى في مستقبلها هي ذاتها.

فالجهات الحكومية العراقية مطالبة اليوم وأكثر من أي وقت مضى بأن تكفّ عن التعويل على جماعات وميليشيات مسلحة لتحميها لأنّها في النهاية وقبل كل شيء بصدد تطبيق أجندات مموليها ومن يقفون وراءها ولا همّ لها في حماية العراقيين أو حفظ سيادة العراق بتاتا، وأن تسخر كل ما لها من طاقة وجهود من أجل إعادة هيكلة جيش وطني عراقي يمثّل كلّ العراقيين على اختلاف مللهم ونحلهم. جيش وطني موحّد من شأنه أن يضمن وحدة العراق ويحميه من الطامعين فيه.

7