هل يتغير سلوك إيران بعد تسوية ملفها النووي

السبت 2014/11/01

عاما بعد آخر، ومع تصاعد ألسنة النيران في الدول المجاورة لها، تظهر أدوار جديدة لإيران في منطقة الشرق الأوسط. ذلك أن النظام الإيراني، الذي يُدار عبر طغمة مالية- سياسية تسلطية، وأيديولوجيا دينية طائفية، ينتعش مع تفاقم أزمات دول الجوار. فكل أزمة هي بمثابة ورقة ضغط في يد إيران.

ربما يفسر هذا التنامي في الدور الإقليمي لإيران السياسة الأميركية اللينة تجاهها، رغم أنها توشك على التحول إلى دولة نووية. لكن أميركا تبدو شديدة الإصرار في اختيارها المسار السياسي التفاوضي في المواجهة مع إيران. حيث يمكن الاستفادة من ثقلها الإقليمي من أجل ترتيب “شرق أوسط جديد” تتغير فيه الهيكلية السياسية للدول القائمة، وخصوصا في سوريا والعراق وأفغانستان وربما لبنان، وذلك بالتزامن مع تسوية الملف النووي عن طريق المفاوضات.

وليس ذلك بجديد، إذ أن المهادنة الأميركية للدولة “المارقة” وجدت جذورها في حاجة أميركا إلى دور تلعبه إيران في دول عديدة. فبعد الغزو الأميركي لأفغانستان والإطاحة بحكم طالبان، كان من الهام جدا بالنسبة إلى أميركا أن تمتنع إيران عن لعب دور تخريبي للعملية السياسية الأميركية في أفغانستان.

ولاحقا باتت أميركا في حاجة إلى تعاون إيران في تثبيت الاستقرار، وخصوصا في ظل اندلاع صراعات داخلية بين أطراف العملية السياسية الأفغانية في أعقاب الانتخابات الرئاسية الأخيرة. أما اليوم فربما تبدأ ملامح دور إيراني أكبر في أفغانستان بالبروز في وقت أزيلت فيه الأعلام الأميركية والبريطانية عن المقر الإقليمي للقوات الدولية في أفغانستان، استعدادا لانسحاب كافة القوات من البلاد بعد 13 عاما من الإطاحة بحركة طالبان، دون التخلص منها تماما.

الدور المستقبلي الأهم لإيران ضمن الخطة الأميركية ربما يرتبط بالحرب على تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”. ويعود ذلك إلى تأثير طهران الاستثنائي على نظامي الحكم في الدولتين اللتين تشكلان ساحتي الصراع مع داعش، أي سوريا والعراق.

تعترف كل من أميركا وإيران أن اتصالات غير مباشرة وأخرى مباشرة قد جرت بينهما لتنسيق المعركة ضد داعش في العراق. ويبقى الجانب غير المعلن هو الأهم، إلى أي مدى وصل التعاون الأميركي- الإيراني في ما يخص الحرب على داعش وترتيب الوضع السياسي والأمني في العراق؟ وخصوصا مع تطورات الملف النووي الذي يجب أن يؤدي إلى اتفاق شامل قبل نهاية العام الحالي ضمن المنظور الأميركي، وإلا ستكون أميركا في مأزق حقيقي.

يبدو أن الأمور قد تتسارع بعد إتمام الاتفاق النووي ورفع العقوبات الاقتصادية عن إيران. إذ تزيل أميركا بذلك العقبة الرئيسية التي كانت تعترض تعاونها بصورة علنية وواسعة مع طهران. فمن دون اتفاق حول الملف النووي كان يتوجب زيادة الضغوط على إيران، مما يعني استبعادها من كل التحالفات الدولية التي تشكلت والمزمع تشكيلها في المنطقة. كما استدعى ذلك استبعادها من مؤتمر جنيف الخاص بحل الصراع في سوريا.

أما في حال حصول الاتفاق فإن مؤتمرا سياسيا لحل الصراع في سوريا بعنوان “جنيف3” لن يعقد دون حضور إيران، وربما تكون أميركا أول من يصر على حضورها. خصوصا مع معرفة أن إيران التي استبعدت من المؤتمر الماضي، بدت حاضرة بقوة في تصرفات وخطاب الوفد السوري الذي استمد تعنّته وثقته المفرطة منها، وأفشل المؤتمر في نهاية المطاف بالتنسيق التام معها.

ربما تراهن الولايات المتحدة على أن الاتفاق النووي، إلى جانب بداية كسر القطيعة بين المملكة العربية السعودية وإيران سوف يشكل الانطلاقة الفعلية لاستراتيجية الحرب على داعش. تلك الاستراتيجية التي تحتاج إلى جانب القوة العسكرية، تسوية سياسية شاملة في كل المنطقة، وخصوصا في سوريا، التي باتت خزان الأزمات في المنطقة.

ولكن، هل ستسير طهران في خطة أميركا للتسوية بعد إتمام الصفقة النووية؟ من المنتظر أن يكون ذلك أحد شروط إتمام تلك الصفقة ورفع العقوبات الاقتصادية عن طهران. ففي حال عدم تضمين الاتفاق النووي شروطا سياسية لدور إيراني “بنّاء” في تسوية الصراعات في المنطقة، فمن المرجّح أن تواصل إيران، وقد باتت في وضع أفضل، دعمها لنظام الأسد وعرقلة التسوية.

لكن، وحتى مع اتفاق نووي مشروط، فلا ضمانات تتعلق بسلوك إيران المستقبلي. ربما يكون الضمان الوحيد هو زيادة الضغوط التي تتعرض لها وتدفعها إلى المساهمة في عمليات التسوية في المنطقة. وإحدى تلك الضغوط خروج المعارضة السورية السياسية والمسلحة من مرحلة التفكك والتشرذم، والانطلاق نحو مرحلة جديدة، تتأسس فيها مراكز للقيادة العسكرية المركزية، ونماذج حكم محلي في المناطق المحررة. يبدو ذلك أحد أهم محركات التسوية للصراعات المحتدمة في سوريا والعراق ولبنان، والقضاء على تنظيم الدولة الإسلامية.


كاتب فلسطيني سوري

9