هل يجتمع العرب لحرب داعش

الثلاثاء 2015/02/17

بعد بث تنظيم داعش فيديو ذبح 21 مصريا في ليبيا تنادى المصريون والليبيون الوطنيون، وعرب آخرون، إلى اجتماع عربي شامل لمحاربة الإرهاب الذي أغرق الدول العربية في الدم وأصبح يذبح أبناءهم الأبرياء على مرأى منهم غير آبه بردود أفعالهم. والحقيقة أن هذا التنادي ليس جديدا، فقد بدأ منذ وطأ الأميركان أرض العراق في غزوة الباطل عام 2003، التي أسقطت النظام هناك وفتحت هذا البلد على مصاريعه للإرهابيين الذين عاثوا فيه فسادا وتقتيلا.

بقي العراق منذ ذلك الحين خارج الاعتبار العربي، إذ ترك للأيادي الأميركية والإيرانية التي تستبيح أراضيه وشعبه وتلعب بساحته ما وسعها هذا اللعب. بينما العرب، القريبون منه والبعيدون، يقدمون رجلا ويؤخرون عشرا في إعادته حرا وآمنا إلى حضنه العربي.

الساحة السورية وما حدث ويحدث فيها الآن دخلت على خط اللامبالاة العربي بعد أن شهدت هذه الساحة لما يقرب من أربع سنـوات أبشع ممارسات الجماعات الإرهابية، بينما بقي العرب يتفرجون أو ينفخون، على الأقل بعضهم، في كير هذا الإرهاب الذي اتشح بسواد الطائفية وتمدد ليقتل آلاف السوريين ويهجر الملايين منهم من مناطقهم وبيوتهم، فضلا عن تهديده للدول المجاورة التي يضعها الإرهابيون على قوائم “الفتح” القادم لتسقط هي الأخرى في الفوضى وبرك الدم.

وفي اليمن استعرَ أُوار الإرهاب قبل ما يسمى الربيع العربي على يد عناصر منظمة القاعدة وغيرها من الجماعات المسلحة. واكتفى العـرب، أيضـا، بالفرجة الساذجة على الشوارع اليمنية التي تغرق، شيئا فشيئا، في حربها الأهلية، إلى أن أصبح اليمن الآن دولة فاشلة غير قادرة على حماية مواطنيها أو حدودها. ومن المحتمل بقوة أن تتمدد الفوضى هناك إلى دول الخليج التي يعتبرها الإرهابيون درة تاج الخلافة المزعومة.

الآن، بعد كل هذه التداعيات والتغيرات الهائلة في المشهـد الأمني العربي، تجد داعش نفسها في العراق وسوريا بشكل أساس، وتجد تفريعاتها في كل مكان، أمام ساحة خالية من الفعل المضاد والحقيقي الذي يحـد من إرهابها ويقضي على عناصرها الذين توافدوا من كل جنسيات الدنيا. كما أنها تواجه بارتخاء دولي، أميركي بالدرجة الأولى، بعد أن اتضح أن الدول الكبـرى ليست لديها رغبة جادة في مواجهة هذا الإرهاب البعيد عن أبوابها إلى الآن.

وحتى بعد حادثة صحيفة (شارلي إيبدو) في باريس التي راح ضحيتها 13 فرنسيا اكتفى الغرب بمظاهرة رئاسية شكلية لم تقدم أو تؤخر، في الوقت الذي توقع كثيرون أن تكون ردة الفعل الأوروبية أقوى في محاربة الإرهاب العالمي، نظرا لكونه قد مسَّ، بجرأة بالغة، الشعرة الأوروبية التي كانوا يظنون أنها عصية على يد الإرهابيين وأسلحتهم التي قتلت أوروبيين في وضح النهار.

إذا بعد تساقط هذه الأحجار الكبيرة والأساسية في جدار الأمن العربي، العراق وسوريا واليمن وليبيا، وبعد أن أصبح جليا أن القوى العالمية التقليدية تهز عصا لينة في مواجهة الإرهاب، ماذا ينتظر العرب ليجتمعوا ويسجّلوا إرادة حقيقية صلبة لمواجهة ما يحيط بهم جميعا من مهددات هذا الإرهاب الذي لا يوفر ولا يستثني أحدا منهم؟ وحتى لو أخذنا في الاعتبار احتمالات عجزهم كدول عن تسجيل هذه الإرادة العربية المجتمعة لمحاربة الإرهاب فإن المطلوب هو الحد الأدنى من التنسيق لهذه الحرب التي لا هوادة فيها من جانب الإرهابيين. بمقدور العرب في هذه الحرب أن يضعوا عجزهم بإزاء مسألة الحياة أو الموت لهم جميعا. وأعتقد أنهم في هذه الحالة سيكتشفون أن لديهم قوة قادرة على تحجيم الإرهاب، بل والقضاء عليه.

المؤكد أنه ليس لديهم خيار الآن إلا أن يدفعوا مجتمعين ثمن صمتهم وتراخيهم فيما سبق. وهو ثمن سيكون باهظا ماديا وعسكريا وأمنيا، لكن لا بد من مواجهة الحقيقة بعد أن طال أمد تأجيل هذه المواجهة، أو تجاهلها لحسابات داخلية وخارجية غير حصيفة وغير دقيقة.

وما دمنا نرى الآن مبادرات ثنائية أو أفعالا، بدى أنها اضطرارية، لضرب أماكن وقواعد هذه الإرهاب، كما حدث من جانب الأردن في سوريا ومن جانب مصر الأحد الماضي في ليبيا، فإن الأفق لا يزال مفتوحا أمام فعل عربي منسق وشامل في هذه الحرب المفروضة علينا جميعا.


كاتب سعودي

8