هل يحفز النفط العراقي على تحرك دولي

السبت 2014/07/05

بسرعة شديدة، طالت آثار الصراع المتصاعد في العراق سوق النفط العالمي، فانخفض إنتاج العراق من النفط وارتفعت معه الأسعار، مما دفع البعض إلى الاعتقاد بأن التحرك الدولي لإيقاف التدهور الحالي، والحد من آثاره قد بات وشيكا. فإذا كان النفط العراقي يشكل أحد أسباب الغزو الأميركي للعراق، وهو بالفعل كذلك، فهل يكون سبباً لتدخل أميركي- غربي جديد في بلد ملتهب يضم ثاني أكبر احتياطي نفطي في العالم؟

ربما لم يكن استحواذ الولايات المتحدة لذاتها على النفط العراقي هو السبب الرئيسي لغزو العراق، لكنها أرادت أن تحكم سيطرتها على هذا البلد المحوري والغني بالنفط والواعد بتطوير ثرواته، مما يعطيها سطوة أكبر على الساحة الدولية. إذ تعتمد الدول الأوروبية واليابان، فضلا عن المنافس الصاعد والواعد أي الصين، على دول الخليج العربي في تأمين حاجاتها النفطية. هكذا سيتحول تحكم أميركا في مستويات الإنتاج العالمي من النفط وبالتالي بأسعار النفط إلى سلاح فتاك في زمن تراجعت فيه أهمية الأسلحة التقليدية.

هكذا، فمن المحتم أن تقلق التطورات الأخيرة في العراق كلا من الولايات المتحدة وأوروبا واليابان، بالإضافة إلى الصين والهند اللتين تحتاجان إلى كميات هائلة من النفط، وبأسعار معتدلة لمواصل النمو الانفجاري الذي جرى تحقيقه في العقدين الماضيين.

وتزداد أهمية العراق بسبب التعويل الكبير على إنتاجه المتصاعد من قبل سوق النفط العالمي. فلم يمض الكثير على إعلان الوكالة الدولية للطاقة نهاية العام 2013 العراق كأحد أهم مصادر نمو العرض النفطي، حيث قدرت حينها أنه سيصل إلى إنتاج 11 مليون برميل يوميا في العام 2040. وغاب عن الوكالة الدولية أن ذلك السيناريو المفرط بالتفاؤل يتطلب عراقا آخر غير العراق الحالي الذي ينطوي على انفجارات اجتماعية سياسية، قد ترشحه ليكون أحد أهم مصادر نمو الفوضى والحرب بدلا من نمو العرض النفطي!

لكن تفاؤل الوكالة الدولية انطلق من التسارع الكبير في ارتفاع الإنتاج العراقي من النفط خلال العقد الماضي. ففيما أنتج العراق نحو 1.3 مليون برميل من النفط منتصف العقد الماضي بعد الغزو الأميركي، قفز الإنتاج في العام 2013 إلى أكثر من ثلاثة ملايين برميل يوميا، وهو ما يشكل نحو 3.5 في المئة من الإنتاج اليومي العالمي. هي مساهمة متواضعة نسبيا لكنها عظيمة الأثر في رفع أسعار النفط في حال تعرضت للانقطاع أو الانخفاض.

وبالفعل فقد ظهرت آثار الأزمة العراقية بسرعة، إذ ارتفعت أسعار النفط لأعلى مستوى لها في غضون عشرة أشهر. الأسوأ أن العراق ليس الكابوس الوحيد الذي يقض مضجع سوق النفط العالمي ومنظمة أوبك. إذ تعصف الأزمات السياسية والأمنية بالعديد من البلدان، ففي ليبيا ومع انفلات الوضع الأمني وتوسع الاشتباكات بين الدولة والمليشيات الرافضة لسلطتها، انخفض الإنتاج النفطي إلى مستويات مفزعة، فباتت ليبيا تضخ ما لا يزيد عن عشرة في المئة فقط مما اعتادت إنتاجه.

كما انخفض الإنتاج في كل من نيجيريا وفنزويلا لتداعيات سياسية. أما إيران فهي تواصل مفأوضات شاقة مع الغرب حول ملفها النووي.

وفيما تبقى احتمالات فشل المفأوضات قائمة، وربما أكبر من احتمالات نجاحها، يخيم شبح عودة العقوبات الاقتصادية الأوروبية والأميركية على صناعة الطاقة في إيران، مما قد يتسبب في خروج النفط الإيراني من دائرة التداول الغربي، وزيادة متاعب سوق النفط العالمي.

الصين بدت كمن يتحسب للأسوأ، فهي تعمل خلال الأشهر الماضية على تنويع مصادر الطاقة وتخزين كميات كبيرة من النفط تحسبا لنقصٍ متوقع في العرض النفطي في الأشهر القادمة. أما الولايات المتحدة الأميركية التي تكبدت مئات مليارات الدولارات في غزو العراق فتجد نفسها في موقف حرج وهي تفقد السيطرة على الحكومة العراقية التي نصبتها في السلطة من جهة، وعلى الإنتاج النفطي من جهة أخرى.

فالجزء الأكبر من الإنتاج النفطي يقع في جنوب العراق بعيدا عن المعارك، لكنه يخضع لسيطرة حكومة المالكي التي تتدهور علاقاتها بأميركا بوتيرة سريعة وتندفع إلى مزيد من التعاون مع إيران وروسيا. كما سيطر المسلحون المنتفضون ضد حكومة المالكي على آبار النفط في شمال البلاد.

هكذا ستعمل أميركا على المدى القصير على زيادة إنتاجها من النفط، خصوصا مع طفرة النفط الصخري التي شهدتها في السنوات الأخيرة، والتي من المتوقع أن تدفعها قريباً إلى تصدر قائمة الدول المنتجة للنفط في العالم. لكن، من غير المتوقع أن تسمح أميركا بانقطاع أو تراجع إنتاج النفط العراقي لوقت طويل، فهي لا تزال مهتمة بنفط الوطن العربي حتى لو تطور إنتاجها النفطي ليسد كامل حاجتها الاستهلاكية.

إذ أن تكلفة إنتاج النفط الصخري مرتفعة جدا، وقد تصل إلى 70 دولارا للبرميل الواحد، في مقابل تكلفة هزيلة تتراوح بين 3 و6 دولارات لإنتاج برميل النفط في دول الخليج العربي.


كاتب فلسطيني- سوري

8