هل يحقق ماكرون حلم إسلام فرنسا بتعديل قانون العلمانية

طموح الرئيس إيمانويل ماكرون يصطدم بمواقف رافضة لمساعيه بإرساء نموذج فرنسي لإسلام صحي ينبذ مناهج التطرف والعنف.
الأربعاء 2018/11/21
فشل الاندماج فاضطرت فرنسا لإعادة قراءة علمانيتها

العلمانية التي ترتكز عليها مبادئ الجمهورية الفرنسية لا تسمح باستعمال أموال الدولة لدفع نفقات أماكن العبادة، وهو ما تعتبره الرئاسة الفرنسية ثغرة تمكنت من خلالها التيارات الإسلامية المتشددة من بسط نفوذها على المسلمين الفرنسيين، مما دفع السلطة التنفيذية للتفكير في مشروع تعديلات على قانون العام 1905 الذي ينص على فصل الكنيسة عن الدولة وأرسى أسس العلمانية في البلاد.

باريس- تعديل قانون العام 1905 في فرنسا والذي يتعلق بفصل الكنيسة عن الدولة وهو نفس التشريع الذي ارتكزت عليه فرنسا منذ حوالي قرن من الزمن في تجذير قيم العلمانية داخل المجتمع. الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون جعل من إدخال البعض من التعديلات على هذا القانون، والتي ضمّنها في مشروع قانون جديد من المتوقع أن يعرض على البرلمان بداية العام القادم، ليخطو بذلك خطوة أخرى على طريق إعادة هيكلة الإسلام في فرنسا وهي الاستراتيجية التي أعلنها منذ أكثر من عام.

لكن طموح الرئيس ماكرون يصطدم بمواقف رافضة لمساعيه وخططه أو مشككة في قدرته على تحقيق هدفه بإرساء نموذج فرنسي لإسلام صحي ينبذ مناهج التطرف والعنف وتوظيف الدين لتحقيق الغايات السياسية. منذ وصول ماكرون إلى قصر الإليزيه أعلن رغبته في إعادة هيكلة إسلام فرنسا ليمنع الأصولية، هذا الطموح بدأ في السعي لتحقيقه بإطلاق مبادرات للوصول إلى هدفه.

الجلسات الإقليمية لإسلام فرنسا التي انتظمت في شهر سبتمبر الماضي ناقشت سبل تنظيم وتمويل الجمعيات والمنشآت الإسلامية في فرنسا، وهي واحدة من مبادرات كثيرة أرستها الحكومة بهدف هيكلة الدين الإسلامي في البلاد من أجل التصدي للأفكار المتشددة ولصعود النزعة الجهادية. الرئاسة الفرنسية تؤكد أن تعديل قانون 1905 يستهدف التصدي لصعود تيارات الإسلام المتشدد والوقوف في وجه مساعيها لنشر الأفكار الأصولية، ولإنجاح هذا الهدف سيتم تطويع التشريعات والإجراءات الإدارية من أجل أن يتحمل القائمون على المساجد مسؤوليتهم في مواجهة التطرف والتأثير الأجنبي.

كريستوف كاستنير وزير الداخلية الفرنسي قال إنه “من الضروري أيضا، مع المسلمين الفرنسيين، مع المجتمع، مع الدولة، قيادة هذا النضال الأساسي لبناء الإسلام الذي له مكانه في فرنسا. إسلام خال من التدخل الأجنبي ويكون قادرا على التصدي لانتشار الأفكار الراديكالية، خاصة بين الشباب”. الإحصائيات الرسمية في فرنسا تشير إلى وجود أربعة آلاف جمعية دينية تخضع لقانوني العامين 1901 (يتعلق بالجمعيات) و1905، الأول يوفر لها إمكانية تجنب التزامات الشفافية فيما يمنحها الثاني مزايا ضريبية.

لهذه الأسباب ترى الرئاسة الفرنسية أن التعديلات التي تنوي إدخالها على قانون العلمانية سيجعل نشاط الهيئات الإسلامية أكثر شفافية. الهدف أيضا من مشروع التعديل هو الحد من التأثير الأجنبي على المساجد داخل فرنسا، حيث يفرض مشروع القانون الجديد أن يتم التصريح بكل هدايا تفوق قيمتها 10 آلاف يورو ويتم تقديمها من قبل دولة أجنبية أو شركة أو شخص أجنبي.

قانون 1905 لا يسمح بأن تستفيد أماكن العبادة من مساعدات الدولة
قانون 1905 لا يسمح بأن تستفيد أماكن العبادة من مساعدات الدولة

قانون 1905 لا يسمح بأن تستفيد أماكن العبادة من مساعدات الدولة، وهو ما يعتبره الرئيس الفرنسي ثغرة تستفيد منها تيارات إسلامية لبسط نفوذها داخل المجتمعات، فحال فرنسا لا يختلف عن بلدان أخرى تضررت من هذا الأمر، ففي فترة ما نجح تنظيم الإخوان المسلمين في التغلغل داخل مجتمعات عربية معتمدا على نفوذه المالي مدعوما في ذلك من دول كتركيا وقطر. وبموجب مشروع التعديل سيصبح للجمعيات الدينية في فرنسا الحق في الحصول على مساعدات الدولة للقيام بأعمال الترميم والصيانة، مما سيكون واحدا من إجراءات كثيرة غايتها لجم النفوذ المالي للجماعات الدينية.

التهديدات التي تشكلها جماعات تتبنى الفكر الجهادي على فرنسا كغيرها من بلدان كثيرة في العالم دفعت السلطات للتفكير في أسلوب جديد لكيفية تسيير المنشآت الدينية، هذا الأمر مرتبط بالنفوذ المالي الذي يمنح صاحبه غطاء مشروعية معينة لنشر أفكاره وتنفيذ استراتيجياته. الحسابات السياسية كثيرا ما توظف من قبل الممولين للجمعيات أو المؤسسات الدينية، وهو الأمر الذي تم أخذه في الاعتبار عند إعداد مشروع التعديلات التي تراها السلطة التنفيذية في فرنسا ضرورية من أجل تعزيز القانون المتعلق بفصل الكنيسة عن الدولة. المبادرة الجديدة تنص على تجريم توظيف الحسابات السياسية داخل المؤسسات الدينية، إذ تشدد العقوبات المفروضة على أئمة المساجد الذين يخالفون القانون.

الدعاة المتطرفون بدورهم مشمولون بمشروع التعديلات الجديدة، إذ تعتزم السلطات تكثيف الجهود للتصدي لنشاطهم، بتشديد العقوبات ضد الأعمال التي تتسبب في عرقلة العبادة أو التحريض على خرق القانون أو الاستيلاء على أماكن العبادة.

هذه الأهداف لم تمنع الكثيرين من إبداء مخاوفهم بشأن التعديلات التي تعتزم الرئاسة الفرنسية إدخالها على أحد أبرز النصوص التشريعية التي ترسي أسس الجمهورية الفرنسية، فهؤلاء يعتقدون أن تعديل هذا النص يمكن أن يفهم على أن ما يمثل مشكلة في بلدهم هي العلمانية وليس الإسلام المتشدد. “لن تتم إعادة كتبة قانون 1905” هكذا رد وزير العدل نيكولا بيلوبات على المتخوفين من مبادرة الرئاسة، مشددا على أن التغييرات المقدر إجراؤها لن تؤثر على مبادئ حرية العبادة وحياد الدولة لكنها تستهدف بالأساس تنظيما أفضل لتمويل الإسلام في فرنسا.

مبادرة تنص على تجريم التوظيف السياسي داخل المؤسسات الدينية، وتعاقب أئمة المساجد الذين يخالفون القانون

الداعمون لمشروع تعديل قانون 1905 يرتكزن في حججهم على أن هذا النص ليس “مقدسا” كما أنه ليس من المواضيع المسكوت عنها أو المحظورة، فقد تم تعديله في مناسبات سابقة يقدر عددها بـ17.

عضو مجلس الشيوخ برونو ريتايو وهو من بين الرافضين لتعديل قانون 1905 يقول إن الرئيس الفرنسي يمتلك “سياسة خلط” الأمور، ويرى أن مشروع التعديل في حال صادق عليه البرلمان فإنه عندها “ستتدخل الجمهورية في تنظيم وإدارة الطائفة المسلمة”، وهو ما ينتقده باعتباره أمرا غير مقبول في بلد كفرنسا يرتكز على أساس فصل الدين عن الدولة.

مقاربة ريتايو المعارضة لفكرة تعديل قانون فصل الكنيسة عن الدولة تصف طموح الرئيس الفرنسي بـ”وهم مشروع إسلام فرنسا”، فعضو مجلس الشيوخ يقول بأنه كانت هناك محاولات سابقة لإعادة هيكلة الإسلام في فرنسا لكنها لم تجد نفعا فتم تنفيذ هجمات إرهابية وفشلت الهيئات الدينية ومنها المجلس الفرنسي للإسلام في التصدي للإسلاموية في فرنسا. هذا الاعتقاد يؤكد أن هيكلة الإسلام في فرنسا لن تكون مهمة سهلة بالنظر إلى ما يميز المشهد من تعقيدات اجتماعية وعقائدية.

13