هل يحق لحركة النهضة الإخوانية أن تتظاهر ضد الإرهاب

الثلاثاء 2014/07/22

الجواب: نعم. فتونس وإن تعثّرت فيها الديمقراطيّة بسبب تهاون الترويكا في التصدي للإرهاب التكفيري بل مجاملتها له، فإن لها مكاسب شعبية فرضتها الجماهير المتحفزة للدفاع عن مكاسبها الحداثيّة والمدنية. ولذلك دأبت هذه الجماهير على ألفة الشوارع والساحات في المناسبات الاحتفاليّة والاحتجاجية. وصارت المظاهرات والمسيرات أسلوبا مدنيا سلميا تدعو إليه وتنظمه منظمات المجتمع المدني والأحزاب السياسية لاسيما التقدمية منها.

حركة النهضة الإخوانية التونسية فاجأت المجتمع التونسي بجملة من التحركات في الشوارع للتعبير عن رفض الإرهاب، ومساندة القوات العسكرية والأمنية التونسية التي تتكبد خسائر كبيرة في صفوفها، كان آخرها سقوط 15 شهيدا عسكريا عقب هجوم إرهابي مباغت في جبل التلة بسلسلة جبال الشعانبي يوم 16 يوليو الماضي. لها الحق في ذلك طبعا، كما أثبتنا أعلاه. ولكن علينا أن نفكك ونحلل لنفهم خلفيات هذه التحركات وأبعادها.

وتتمثل هذه التحرّكات النهضوية في تنظيم مسيرة بعد يومين من العملية الإرهابية انطلقت من جامع الفتح بتونس عقب صلاة الجمعة شاركت فيها وجوه نهضوية عديدة من بينها القيادي في النهضة الصادق شورو، الذي كان مقربا من تيار أنصار الشريعة المصنف إرهابيا، ونور الدين الخادمي وزير الشؤون الدينية السابق في حكومتي الترويكا وإمام الجمعة بجامع الفتح. والتحرك النهضوي الثاني المندد بالإرهاب كان في مسيرة الوحدة الوطنيّة التي دعا إليها الاتحاد العام التونسي للشغل يوم 19 يوليو 2014 بنفس المناسبة. وهي المرة الأولى التي تشارك فيها حركة النهضة المجتمع المدني التونسي والأحزاب السياسيّة من غير جنسها نشاطا في الشارع، فأنشطتها كانت محصورة في الجوامع أو في الاجتماعات العامة بين أنصارها.

حول هذين التحركين النهضويين أصوغ هذه الملاحظات. بالنسبة إلى مسيرة جامع الفتح، نذكر بأن هذا الجامع الذي انطلقت منه مسيرة النهضة الاحتجاجية يقع تحت سيطرة النهضة ويؤمه نهضوي وكان من أوائل المساجد التي أفلتت من قبضة الدولة. ومن المفارقات حوله أن الوزير نفسه يؤمه، ولكنّه خارج عن سلطة الوزارة والدولة! وهو الجامع الذي اختار زعيم تيار أنصار الشريعة أبو عياض أن ينشط فيه ويلتقي بأنصاره ويقدم الخطب. وهو الجامع الذي حوصر فيه أبو عياض ثم سُمح له بالمغادرة، دون أن يتم إلقاء القبض عليه بأمر مفاجئ من وزير الداخلية النهضوي علي العريض.

فجامع الفتح هو مقر للمتشددين إلى حد الآن. وحوله تنتصب موائد الكتب التي تشكل الرافد الخلفي لأيديولوجيا التشدد والإرهاب مثل كتب ابن تيمية وابن القيّم وكتب عذاب القبر ودعاء الصالحين. وهذا الجامع عند التونسيين مجمع ألغاز وموطن أسرار في دور النهضة في احتضان التيّارات المتشدّدة وتوظيفها لخدمتها في الفترة السابقة لانتخابات 23 تشرين الأول 2011 واللاحقة لتشكيل حكومة الترويكا الأولى في كانون الأوّل 2011. كما أن جل مسيرات حزب التحرير التكفيري المتشدد تخرج من هذا الجامع. ش

بالنسبة إلى مشاركة النهضة في المسيرة الوطنية التي دعا إليها الاتحاد العام التونسي للشغل فقد كانت عبر القياديين فتحي العيادي (رئيس مجلس شورى الحركة) وعبد الكريم الهاروني (عضو المكتب التنفيذي للنهضة). ولهذه المشاركة في رأيي تفسيران. الأول متعلق بصاحب المبادرة الاتحاد العام التونسي للشغل الذي قاد بنجاح الحوار الوطني السياسي وآل إلى تغيير حكومة الترويكا بحكومة كفاءات مستقلة بعد ماراثون طويل من المفاوضات والمشاورات وتعنّت من حركة النهضة وعرقلة من حزب المؤتمر حزب الرئيس المؤقت.

فالاتحاد يرى أن عليه الاستمرار في أداء دوره الوطني. وهو ما يبرر دعوته إلى الوحدة الوطنية اليوم أمام تنامي الإرهاب وتعاظم خطره على تونس. ولذلك دعا الجميع إلى مسيرته الوطنية بمن فيهم حركة النهضة.

التفسير الثاني متعلق بحركة النهضة، فيبدو أن مؤسساتها قدرت أنه قد ضاق هامش المداورة في إخفاء الموقف الحقيقي من التشدّد الأصولي الذي قاد إلى الإرهاب. وتعرف النهضة أنّها ساندت موجة التشدّد ودافعت عن المتشدّدين وتبنّتهم طيلة سنة 2011 وبعيد تشكّل حكومة الترويكا الأولى إلى حين أحداث السفارة الأميركيّة في أيلول 2012. لعلّها أساءت التقدير. ولعلّها فكّرت ببراغماتية في استثمارهم انتخابيّا وسياسيّا عبر هرسلة الساحة السياسيّة المليئة في نظرها بالمنافسين والخصوم العلمانيّين واليساريّين. ولكنّها، ومهما اختلفت القراءات والتأويلات لأسباب دعم النهضة للتشدّد والأصوليّة رغم خطرهما البيّن، فإنّها رفضت الاعتذار والنقد الذاتي ودأبت على أسلوب الهروب إلى الأمام والركون إلى التبرير ثمّ الالتجاء، اليوم، إلى جبّة الاتحاد العام التونسي للشغل المتّسعة للجميع.

لقد تسببت غزارة الدماء التونسية الزكية التي سفكها الإرهاب التكفيري للتونسيين في التألم والحداد والغضب العارم. حركة النهضة تراقب طبعا نبض الشارع التونسي. ومراقبتها دفعتها إلى أن تتيقن بأن طريق المواربة والخطاب المزدوج واللعب على الحبلين لم تعد سالكة. فالتونسيون لا يمكن أن ينتخبوا من يدعم التشدد أو يجامله كما كانت تفعل حركة النهضة. ولهذه الأسباب الانتخابية أساسا، وجدت نفسها مجبرة على تغيير أسلوبها واختارت الوضوح في الموقف بديلا عما دأبت عليه من ازدواج. وكانت مبادرة الوحدة الوطنية التي أطلقها الاتحاد العام التونسي للشغل الفرصة التي تنتظرها النهضة لتظهر للتونسيين بأنها تتألم لألمهم وتعادي عدوهم.

وكانت تحركات النهضة في الشارع مسنودة ومؤطرة بكلمة متلفزة ألقاها راشد الغنوشي رئيس الحركة عبرة قناة فضائيّة خاصّة. وقد تحدّث الغنوشي كإمام وليس كرئيس حزب. ومع ذلك، فإن تقييم كلمته إيجابي عموما، إذا قرأناه في اتّجاه الإدانة الواضحة للتشدّد والتكفير وجرائمه.

ولكنّ الغريب أنّ الغنوشي حرص على تكرار أنّ تونس إسلامية، وأنّ الجنود الشهداء كانوا مؤمنين ويؤدون واجب التقرّب إلى الله، وكأنّه يدين قتلهم لهذا فقط وليس لأنّهم مواطنون نذروا حياتهم لفداء الوطن بدمائهم. فهذا الكلام يخفي أكثر ممّا يظهر، إذ أنّ تونس متعدّدة متنوّعة بإقرار الغنوشي نفسه في كلمته. كما أنّ الجنود المغدورين لو لم يكونوا كما وصفهم الغنوشي هل يستحل قتلهم؟ وعلى كلّ حال في هذه الكلمة استمرار لنهج اللعب بورقة الدين في اللعبة السياسيّة، صحيح أنّ الموقف تغيّر، في الظاهر على الأقلّ، ولكنّ الأسلوب نفسه. وقد سمّى الغنوشي الإرهابيين مجرمين خوارج. وقال إن تونس في حالة حرب ضدهم. ودعا إلى الوحدة الوطنيّة وتأجيل الخلافات السياسية.

والسؤال هو: هل هو إيمان حقيقي بالوحدة الوطنية، أم تكتيك سياسي يميل مع طبيعة المرحلة؟ فلما كانت النهضة في حكومة الترويكا لم نسمع لها أي دعوة للوحدة الوطنية، وإنما كان شعارها هو الشرعية التي تعني الاستفراد بالحكم تمهيدا لتحقيق حلم الخلافة. وكان منهجها هو التعنت وإقصاء كل الخصوم. وكان تعاطيها مع الدولة وأجهزتها تعاطي الفائز بغنيمة يعبّ منها ما حملت راحتاه. وما يدعم التشكيك في صدق موقف النهضة من التشدد هو استمرار تعطيل سن قانون الإرهاب من قبل المجلس التأسيسي الذي تسيطر عليه أغلبيّة نهضويّة.


كاتب وباحث سياسي من تونس

8