هل يختفي سور الأزبكية بعد 100 عام مع الكتب والقراء

وسط زحام أحد أكبر الميادين، وسط القاهرة، تتجمع العشرات من “الأكشاك” المتراصة بجوار بعضها تحوي الآلاف من المجلدات والكتب، تحت سور يعد من أشهر الأسوار العربية ألا وهو سور الأزبكية العريق، الذي يتجمع فيه الناس حول الكتب المعروضة يقلّبون ما تحويه من عناوين، كل منهم يبحث عن ضالته، بعضهم يجدها ويقتني كتابه، والبعض الآخر تجبره الظروف الاقتصادية الصعبة التي تمر بها مصر حاليا على الاكتفاء بالمطالعة وتصفح الكتب.
الأربعاء 2017/01/18
تراجع مبيعات أكشاك الكتب

يجد زوار “سور الأزبكية” بميدان العتبة، أحد أشهر الأماكن لبيع الكتب القديمة والحديثة أيضا، كتبا تلبي حاجيات كل المراحل العمرية، حيث يلجأ إليه الباحثون عن أمهات الكتب، والراغبون في اقتناء الكتب النادرة، فقد ظل قبلة لكل من يريد كتابا ثمينا بسعر زهيد.

يضم السور بين جنباته روايات ومجلات قديمة وبعض الإصدارات الحديثة، بالإضافة إلى كتب مترجمة وغيرها باللغات الأجنبية، ربما لا يكون من السهل العثور عليها بالمكتبات الكبرى، فضلا عن انخفاض أسعارها، والتي يبدأ سعر بعضها من جنيه واحد ( مع العلم أن الدولار يساوي نحو 18 جنيها).

100 عام مع الكتب

تعود بدايات تشكل هذا المكان الفريد من نوعه إلى أوائل القرن العشرين، عندما كان الباعة الجائلون يمرون على المقاهي لبيع الكتب لروادها، ثم يستريحون في فترة القيلولة، عند سور حديقة الأزبكية بالعتبة، وأثناء راحتهم كان المارة يتصفحون الكتب على السور ويقوم بعضهم بشرائها، حتى تحول هؤلاء الباعة من التجول بالكتب إلى عرضها أمام سور الحديقة الذي ازدحم بالزبائن، ليخط مسيرة ناهزت القرن من الزمن مع الكتب والقراء.

لكن مؤخرا انعكست الأزمة الاقتصادية، التي تمر بها مصر حاليا، على “سور الأزبكية”، فبدأت بعض مكتباته تغيّر نوعية الكتب، استجابة لحركة البيع، كما فعل أحمد الكومي، الشاب العشريني، الذي يقول إن بيع الكتب الثقافية تراجع، واضطر إلي جمع الكتب المدرسية القديمة الخاصة بطلبة المدارس لبيعها بأقل من أسعار الكتب الجديدة، وهي “الأكثر رواجا” كما يقول، فيما قام آخر باستبدال كتبه القديمة بلعب الأطفال، وكتب التلوين وكتب الحكايات الملونة، وآخر فضل تجارة الملابس النسائية مرجعا ذلك إلى أن “الناس تريد ملبسا ومأكلا، ولا تملك نقودا للقراءة”.

ورغم كل تلك التغيرات، لا تزال مكتبات السور تعج بالآلاف من الكتب القيمة القديمة والحديثة والمراجع العلمية، بل إن بعضها يتخصص في مجالات بعينها، فمنها ما يهتم بالشأن القانوني الذي برر مالك إحداها بعشقه للقانون وعلاقاته الوثيقة بعدد كبير من المحامين والقضاة والمستشارين وطلبة كليات الحقوق الذين يترددون عليه لشراء الكتب لرخص أسعارها مقارنة بغيرها.

وهناك من المكتبات المتخصصة في الأدب والثقافة وأخرى في الكتب الدينية، وبعضها اختار بيع الروايات الأجنبية، وهذا النوع من الكتب يقبل عليه الدارسون في الكليات العلمية أو طلاب أقسام اللغات.

سور الأزبكية أحد أهم الوجهات الثقافية يعاني من تغير الظروف المعيشية وعزوف المواطنين عن اقتناء الكتب

أما عن مصادر الكتب في سور الأزبكية، يقول مالك مكتبة “الحسن”، حسن طه، ويعرف بلقب “كبير السور” أو “كبير الوراقين” بين الباعة، “إن هناك مزادات للكتب وهي المصدر الأهم لنا”.

ويضيف “كان آخرها مزاد ‘دار الهلال‘، وهي إحدى أكبر دور النشر الحكومية ولها العديد من الإصدارات وأنتجت المئات من الكتب على مدار عقود كثيرة، وكان هذا المزاد الذي تم أواخر العام الماضي، من أهم وأكبر المزادات التي غذت سور الأزبكية”.

ومن المصادر الأخرى للكتب، يضيف الرجل الستيني “نأتي بالكتب أيضا من المطابع التي يملكها أصحاب المكتبات أنفسهم، وتلك المطابع تقوم بعملية غير شرعية، حيث تشتري نسخة أصلية من أحد الكتب الحديثة أو القديمة وتقوم بطبع المئات من النسخ المزورة وغير الأصلية، وتقوم ببيعها في السور، بنصف ثمنها أو أقل”. ويقر طه بأن “هذا غير قانوني، ويكبد الكاتب ودار النشر الأصلية خسائر كبيرة”.

ويشير إلى أن الكثير من تلك الدور والكُتاب حاولوا العمل على وقف عمليات البيع غير الشرعية، وتحركت أجهزة الأمن عدة مرات وداهمت المكتبات وضبطت النسخ وألقت القبض على أصحابها وحررت محاضر في ذلك الشأن، ولكن القوانين دائما في تلك الأمور “مطاطة وتعجز عن السيطرة على هذه القضية”، كما يقول شيخ الوراقين.

مصدر آخر للكتب، والكلام لا يزال على لسان طه، هو مكتبات المشاهير، الذين رحلوا عن الدنيا وتركوا مكتبات كبيرة وقيمة، فيما يكون ورثتهم لا يهتمون بالثقافة كآبائهم، أو لديهم مصادر أخرى لثقافتهم وأصبحت تلك المكتبات الكبيرة عبئا عليهم. ويتابع طه “أيضا المكتبات الكبيرة، ذات الأسعار المرتفعة، التي تكون لديها كتب بها عيوب في الطباعة أو التجليد أو بعض الأوراق الممزقة، تمنح تجار السور تلك الكتب ويقومون بإصلاحها أو بيعها على حالتها بأسعار أقل”.

أزمة السور

وحول أهم مطالب باعة الكتب في سور الأزبكية، يقول حسن طه “هناك فوضى في المكان، وهذا لا يليق بأقدم سور ثقافي بمصر”، في إشارة منه إلى الباعة الجائلين والزحام. إذ يطالب هيئة التنسيق الحضاري بوضع تخطيط حضاري وتصميم معماري يناسبان المكانة الثقافية للسور، ويضيفان إليه قيمة جمالية بخلاف وضعه الحالي الذي تشوبه الفوضى.

وناشد طه هيئة الكتاب الحكومية بتخفيض إيجار الأماكن المخصصة لهم، في معرض الكتاب السنوي والمعارض الأخرى، والتي تتعدى قيمة الإيجار فيها الـ5 آلاف جنيه (330 دولارا)، وهو ما يفوق قدرة بعضهم، بالإضافة إلى مطالبته بزيادة أيام معرض الكتاب وزيادة عدد الفعاليات الثقافية التي تلتئم على هامشه.

ومن جانبه، يقول زين عبدالهادي، الرئيس الأسبق لدار الكتب والوثائق المصرية، إنه لا بد من نقل سور الأزبكية من المكان الحالي بالعتبة، ويشير إلى أن المكان الأفضل للسور، نقله إلى جوار المتحف المصري قرب ميدان التحرير (وسط العاصمة) فهو “مكان مناسب وسيجعل السور يعود إلى سابق عهده”، كما يقول.

أما هيثم الحاج، رئيس الهيئة المصرية العامة للكتاب فيقول بدوره إن “كل ما تملكه الهيئة هو توفير مساحة كبيرة لمكتبات سور الأزبكية في معرض الكتاب السنوي، المقام بأرض المعارض (شرقي القاهرة)،

بالإضافة إلى توفير أماكن للسور في كل المعارض التي تقام على مدار العام في باقي المحافظات”.

ويلفت الحاج إلى أن الهيئة تتعاون مع كل أصحاب المكتبات الموجودة في سور الأزبكية، ولكن هذا التعاون مشروط بعدم بيع هذه المكتبات نسخا مزورة للكتب.

ويوضح في جانب آخر أن قلة مبيعات الكتب هي أزمة عامة في مصر نتيجة الأوضاع الاقتصادية وليست خاصة بالكتب فقط، بل إن سور الأزبكية لم يتأثر بارتفاع أسعار الورق أو ارتفاع تكلفة الطباعة، كما هو حال كافة المكتبات، لأن مكتبيي السور يتعاملون ويبيعون الكتب القديمة والمستعملة.

15