هل يخدم النقل التلفزيوني المباشر البرلمان؟

البلدان التي تبث المداولات في قنوات غير متخصصة بلغ المحيط الإعلامي فيها درجة من النضج تمكنه من إعادة بناء المداولات في سياق إخباري وتحليلي في وحدات تلفزيونية متعددة.
الأربعاء 2018/12/19
في التخلي عن نقل المداولات مباشرة فوائد كثيرة

بينما كان أحد النواب يتحدث متحمسا عن أن الفساد ينخر البلاد، كان مخرج التلفزيون الذي ينقل المداولات مباشرة من مجلس الشعب يركز على وجه النائب مرجان أحمد مرجان مبتسما وهو يعدل ربطة عنقه. كان النائب مرجان متغيبا عن المداولات فأخبره مساعده حسن بأن التلفزيون بصدد نقلها مباشرة.

هو مشهد كوميدي من فيلم عادل إمام “مرجان أحمد مرجان” يلخص بشكل كاريكاتيري، قريب من الواقع، ما يترتب على نقل المداولات البرلمانية مباشرة. لقد كتبت جريدة اليوم السابع عن ذلك أنه “واحد من أجمل المشاهد التي تحمل سخرية من عضو مجلس شعب” لما يستطرد الممثل في الحديث عن القطارات والمياه الملوثة والخبز والدجاج…

وبصرف النظر عن الجانب الكوميدي الكاريكاتيري فإن الفيلم يثير في تلك اللقطة قضية جوهرية، محل جدل، هي أثر النقل التلفزيوني المباشر في أداء النواب والمؤسسة النيابية عامة. وكما أن هناك اتفاقا حول مزايا النقل المباشر فإنّ مساوئه كثيرة. ويحاجج أنصار النقل المباشر في تونس خصومهم بوجود قناة مخصصة له في فرنسا هي “القناة البرلمانية”.

ويختلف الأمر في تونس عمّا هو عليه في فرنسا وفي غيرها لأن التلفزيون التونسي ينقل المداولات مباشرة دون أدنى معالجة إعلامية في حين أن القناة الفرنسية متخصصة في الشؤون البرلمانية، فهي لا تكتفي بنقل المداولات مباشرة بل تبث ثلاثة وعشرين برنامجا مختلفا شكلا ومضمونا لمواكبة النقل المباشر، وهنا الفرق كله.

للقناة الفرنسية مجلس إدارة فيه عضو عن كل كتلة مهما كان عدد نوابها وهي قناة تخضع للمعايير المطبقة على المرفق العام

ولا أحد من المشاهدين التونسيين أو غيرهم يلازم مكانه لمشاهدة المداولات ساعات دون انقطاع، وإن فعل فقد تفوته خبايا بعض المداخلات ورهاناتها في حين أن القناة الفرنسية ببرامجها المتعددة تفكك ما يقال وتعيد بناءه وتضعه في سياقه وتبرز ما خفي عن المشاهد. وتكون بعض البرامج مباشرة أثناء فترات راحة النواب فيعود المشاهد للمتابعة وفي ذهنه خلفيات تمكنه من فهم ما يلي من مداولات.

وحتى في البلدان التي تبث المداولات في قنوات غير متخصصة فإن المحيط الإعلامي فيها بلغ درجة من النضج تمكنه من إعادة بناء المداولات في سياق إخباري وتحليلي في وحدات تلفزيونية متعددة ومتنوعة تمكن المواطن من إدراك المداولات الخام إدراكا أوضح. إن مشاهدة النواب يخطبون مباشرة لم يكن أبدا ضمانا لخطاب واضح بل هو إلى الخطاب المجزأ والمبتور أقرب.

وقد أثبتت التجربة أن في التخلي عن نقل المداولات مباشرة فوائد كثيرة. قرر البرلمان السويسري عام 2013 التخلي عن النقل التلفزيوني للاكتفاء بالبث على موقعه على الإنترنت لدواع مالية. وفي شهر يناير 2014 نشرت يومية “تريبيون دو جنيف” مقالا بينت فيه أن المداولات أصبحت أقصر وأنجع وأقل تشنجا.

واضح أن النواب كانوا يخاطبون ناخبيهم قبل زملائهم في المجلس، كما لاحظ المقال أن التوافق أصبح أيسر بين الكتل مما يدل على أن النواب يرون في التنازل خيانة وفي التشدد بطولة فيتبدل تقديرهم للخيانة والبطولة بغياب الكاميرا أو بانتقال البث من شاشة التلفزيون إلى شاشة الكمبيوتر كما قلّ عدد المداخلات وأصبحت أقصر.

إن لحضور الكاميرا في المجلس أثرا في أداء المكلفين بالتصوير يبلغ حدّ تدخل النواب في ما يُبث ويذكر عدد من التونسيين يوم طلبت نائبة في المجلس التأسيسي علنا من الرئيس أن “يتدخل لإصلاح الإخراج” بعد أن اقتحمت الغرفة الفنية في حافلة النقل التلفزيوني طالبة من المخرج ألّا يكون على حزبها. والأمثلة كثيرة في السنوات البرلمانية المنقضية.

كان النقاش يومئذ حادا وكان مقرر الدستور يتلو تعديلا لم يرق لنواب المعارضة فوقفوا مرددين النشيد الوطني فانتقل المخرج من المقرر إلى لقطة واسعة. أليس تدخل النائبة في ذلك فرضا لرؤية سياسية على عمل إعلامي؟ وما كان إبقاء المخرج على اللقطة الضيقة ليرضي المعارضة. ويروي عدد من المصورين في المجلس سعي بعض النواب، كل بطريقته، لاستمالتهم في اتجاه أو في آخر.

إن لحضور الكاميرا في المجلس أثرا في أداء المكلفين بالتصوير يبلغ حدّ تدخل النواب في ما يُبث ويذكر عدد من التونسيين يوم طلبت نائبة في المجلس التأسيسي علنا من الرئيس أن "يتدخل لإصلاح الإخراج"

وتبرز تلك الأمثلة أن هناك مشكلا عميقا في التنظيم. يعاني مصورو التلفزيون التونسي من تدخل النواب في عملهم فينعكس ذلك على أداء المخرج الذي قد يطلب لقطة بعينها فيرفض المصور نزولا عند رغبة نائب أو كتلة. فهو أعزل في محيط ضاغط وقد يكون منزوع السلاح بقرار أو متحكما فيه عن بعد.

مثل ذلك قد لا يحدث في القناة الفرنسية لأن هيكلتها تضمن هامشا من الحرية. فالمكلفون بالنقل وببقية البرامج الأخرى صحافيون، ومعهم تقنيون بالضرورة، في حين أن المكلفين به في التلفزيون التونسي تقنيون والنواب لا يخشون ردة فعل التقنيين كما قد يخشون ردة فعل الصحافيين.

وللقناة الفرنسية مجلس إدارة فيه عضو عن كل كتلة مهما كان عدد نوابها وهي قناة تخضع للمعايير المطبقة على المرفق العام. ولا يعني هذا غياب تدخل السياسيين أو انصياع بعض الصحافيين لرغبات الطبقة الحاكمة هناك، إنما يمثل أدنى الضمانات حتى لا يصبح النقل المباشر أداة يتلاعب بها النواب.

كان التونسيون يوم 10 ديسمبر شهود عيان على التلاعب الذي امتد إلى ما وراء الأسوار عند مناقشة فصل مثير للجدل حول الضرائب. أصابت النواب يومئذ حمى الهواتف الجوالة وهم يتخاطبون مع أحزابهم ومع مجموعات ضغط ذكرها نواب آخرون دون أن يسموها وهي مجموعات ما كان لها أن تعلم بيسر مجريات المداولات وبالتفصيل لولا النقل المباشر.

لقد كانت المداولات يومها أشبه بحملة انتخابية مبكرة يغمز فيها البعض لأصحاب المال، وآخرون للمفقرين من الشعب، وكان النقل المباشر لمداخلات النواب حملات إعلانية لا يتمتع بها خصومهم من المرشحين من خارج المجلس، وهي خدمة يلقى فيها النواب التوجيه أو المساعدة عن بعد، كما كان حسن بجواله يساعد مرجان أحمد مرجان على تعديل ربطة عنقه.

18