هل يخرج اتفاق غزة للتهدئة قطر من الركن البارد في المنطقة

الدوحة تعيد سياسة التحالف مع إسرائيل لضمان دعم واشنطن، وقطر تتولى ملف التمويل قبل التسوية بموافقة مصرية وإماراتية.
الجمعة 2018/08/24
على مفترق طرق

لندن – تحاول قطر العثور على موطئ قدم في صفقة التهدئة في قطاع غزة، التي قد تعيد تشكيل المشهد السياسي في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، عبر إعادة انتهاج سياسة تقوم على محاولة توظيف علاقات تتنامى مع إسرائيل من أجل الاستحواذ على مباركة الولايات المتحدة.

وتحاول قطر إعادة تبني جني المصالح عبر التحالف مع إسرائيل مرة أخرى، لكن هذه المرة بتوجيه أميركي. والتقى وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني بوزير الدفاع الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان في قبرص قبل شهرين، بحسب تقرير إسرائيلي صدر الأربعاء، وسط محاولات لتحقيق اتفاق وقف إطلاق نار بين إسرائيل وحركة حماس في قطاع غزة.

وقال موقع “واللا” الإسرائيلي إن الطائرة التي استخدمها الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني خلال جولته الدبلوماسية الدولية في أوروبا والولايات المتحدة قامت برحلة سرية من إيطاليا إلى قبرص في 25 يونيو الماضي، بينما كان ليبرمان في الجزيرة حيث عقد محادثات مع نظيريه اليوناني والقبرصي ومع رئيس قبرص.

وفي اليوم التالي، وبحسب التقرير، غادرت الطائرة، التابعة لشركة طيران أميري الخاصة، مطار لارنكا وتوجهت إلى الولايات المتحدة عبر أيرلندا. ويقول مراقبون إن قطر تحاول إثبات فائدتها وقدرتها على صنع فارق للولايات المتحدة في ظل ظروف صعبة تمر بها على المستوى الإقليمي.

وهذه السياسة ليست جديدة في الدوحة، إذ مثلت في أواخر تسعينات القرن الماضي، محور استراتيجية التحركات الإقليمية لقطر في سعيها للحصول على رخصة أميركية توفر لها محورين هامين يضمنان بقاءها: مظلة حماية ودور إقليمي متشعب.

خداع متبادل

 

وجهت قطر بوصلتها نحو إسرائيل في مسعى لإيجاد منفذ للتخلص من الضغوط الإقليمية والأميركية التي تواجهها. وتطرق الدوحة، التي لطالما شنت أذرعها الإعلامية حملات على دول المقاطعة تتهمها بالتطبيع الخفي مع إسرائيل، باب تل أبيب من خلال عرض التوسط في مسارات التهدئة المطروحة في غزة.

لعبت قناة الجزيرة دورا محوريا في إعادة صياغة صورة إسرائيل في ذهن المشاهد العربي، إذ منحت منصّة حرة لمعلّقين وكتاب ومسؤولين في تل أبيب لترويج الرواية الإسرائيلية حول أبعاد الصراع مع الإسرائيليين، كما منحتهم فرصة ثمينة لإيصال رسائل إيجابية للدول المحورية في المنطقة، فيما عرف بـ”نداء التطبيع″.

ومنذ عام 1997 بنت قطر سياسة خارجية مزدوجة تسلك طريقين مختلفين، لكن كلاهما يصل في تل أبيب. وكانت، عبر هذين المسارين، تبحث عن ضمانة أميركية تساعد قطر في عملية إعادة تموضع عميقة قادها وزير الخارجية آنذاك الشيخ حمد بن جاسم آل ثاني. وقاد الشيخ حمد بن جاسم عملية “التحالف” مع إسرائيل وتوظيفها كجسر لتعزيز موقع الدوحة في واشنطن.

ويقول دبلوماسيون غربيون إن “قطر حاولت أن تقدم نفسها لإسرائيل كحليف استراتيجي ووحيد في المنطقة، في الوقت الذي كانت فيه مصر ودول خليجية أخرى تدعم الانتفاضة الفلسطينية التي كانت في أوجها في ذلك الوقت”.

وجعل ذلك من العلاقة بين الدوحة وتل أبيب طريقا ذا اتجاهين، إذ مثلت إسرائيل بالنسبة لقطر بوابة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، بينما وفرت قطر لإسرائيل مخرجا إعلاميا ودبلوماسيا أخرجها من العزلة الدولية التي كانت تعاني تحت وطأتها إبان الانتفاضة.

لكن عام 2003 شهد تحولا حاسما في اللهجة القطرية، إذ بدأت الدوحة تتخذ مواقف أكثر اتساقا مع “محور المقاومة”، وقاد أمير قطر آنذاك الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني عملية واسعة لتوطيد العلاقات مع سوريا. واستغل الشيخ حمد بن خليفة تنامي العلاقات الشخصية والعائلية التي كانت تجمعه بالرئيس السوري بشار الأسد وزوجته أسماء الأسد، من أجل فتح قنوات اتصال بإيران وحزب الله في لبنان.

ويقول محللون إن تغيرا جذريا حسم الموقف القطري في عام 2003، وهو نقل قاعدة الأمير سلطان الجوية الأميركية من السعودية إلى منطقة العديد في قطر. وبذلك حسمت قطر ملف “مظلة الحماية” الأميركية التي كانت تسعى إليها، منذ انقلاب القصر الذي قاده الشيخ حمد بن خليفة على والده أمير قطر الأسبق الشيخ خليفة بن حمد آل ثاني عام 1995.

وقال مسؤول إسرائيلي كبير لاحقا “إن قطر خدعتنا” عبر تبني سياسة مزدوجة وظفت إسرائيل من أجل الوصول إلى الولايات المتحدة، وفي نفس الوقت عززت علاقاتها مع سوريا من أجل الوصول لإيران و”محور المقاومة”.

وعندما قامت حركة حماس بانقلابها على السلطة الفلسطينية وإعلانها بسط سيطرتها على قطاع غزة عام 2007، مثلت قطر القناة الرئيسية التي أضفت شرعية خارجية على انقلاب حماس، ومنحت الحركة مساحة مناورة كافية للتواصل من خلالها مع العالم الخارجي.

صفقة القرن

تقف المنطقة اليوم أمام مفترق طرق بأربعة اتجاهات: أحدهم تقف عنده الولايات المتحدة، والآخر إسرائيل، والثالث مصر والإمارات وحلفاؤهما، بينما تقف قطر وحيدة في المفترق الرابع. وتبدو الولايات المتحدة متحكمة بقدر كبير من مشهد، بدأ مع الوقت يشكل ملامح معادلة جديدة تقوم على إمكانية التوصل إلى اتفاق تهدئة بين حركة حماس وإسرائيل، ينهي الحصار عن القطاع، ويعيد تأهيل البنية التحتية لغزة، كما يعيد تأهيل حماس دوليا، ويحولها من “حركة إرهابية” إلى معادل مكافئ لحركة فتح.

وتشبه التحركات المتعجلة للتوصل إلى التهدئة في غزة مسرحية يعرف كل المشاركين فيها أدوارهم بدقة، بينما يجلس الرئيس محمود عباس، ومعه السلطة الفلسطينية، في مقاعد المتفرجين.

ويقول جيورا إيلاند رئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي سابقا، إن “غزة تحولت إلى دولة بحكم الأمر الواقع، إذ أنها تشغل حيزا جغرافيا ويحكمها كيان مركزي يملك جيشا ويتبنى سياسة خارجية، لذلك فعلى الدول أن تكون برغماتية وتتفاوض مع حماس″.

مصدر أمني في القاهرة يقول إن قطر تعهدت للأميركيين بالمساعدة في خنق منظمة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين (أونروا) من أجل ممارسة ضغوط على فتح وحماس

وأضاف “الهدف الأساسي لإسرائيل هو الأمن، عبر الوصول إلى مرحلة ولو مؤقتة من الهدوء التام في القطاع، وهي مصممة على فعل أي شيء ضروري من أجل الوصول إلى هذا الهدف”.

وعلى ما يبدو فإن ملف تمويل إعادة إعمار القطاع ودفع رواتب الموظفين التابعين لحركة حماس، بالإضافة إلى تمويل خطط إنشاء مطار وميناء جديدين في غزة، أسند لقطر، في ظل إدارة أميركية لا تبدو مستعدة لتحمل تكاليف كبرى في أكثر الملفات حساسية في المنطقة.

وقال مصدر أمني في القاهرة لـ”العرب” إن “قطر تعهدت للأميركيين بالمساعدة في خنق منظمة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين (أونروا) من أجل ممارسة ضغوط على فتح وحماس على حد السواء”.

ووقف عمل هذه المنظمة الأممية من أهم عناصر رؤية الرئيس الأميركي دونالد ترامب لتهيئة الأجواء المناسبة من أجل التوصل إلى تسوية نهائية بين الإسرائيليين والفلسطينيين.

وتقوم هذه الرؤية على إجبار الفلسطينيين على القبول بمصادر تمويل إقليمية، بدلا من مصادر التمويل الأممية المتمثلة في الأونروا، حتى يمكن استخدام ورقة التمويل من أجل إجبار الفلسطينيين على تقديم تنازلات تفضي للعودة والجلوس على طاولة المفاوضة مرة أخرى.

وتمثل هذه الرؤية الأميركية المثيرة للشكوك مدخلا بالنسبة لقطر لضمان دور مستقبلي لها في أي مشاورات محتملة حول التسوية النهائية، إذ من المرجح أن تكون هي مصدر التمويل البديل في القطاع، بدعم وتوجيه أميركيين. كما سيضمن لها وضعها الجديد، باعتبارها “صندوق النقود”، الحفاظ على البعض من الدور الإقليمي الواسع الذي كانت تضطلع به قبل أن تفرض السعودية ومصر والإمارات والبحرين مقاطعة عليها في يونيو 2017. ومنذ ذلك الحين تراجع الدور القطري بشكل جذري في اليمن وسوريا وليبيا والعراق ولبنان.

وتقول مصادر في واشنطن إن هناك شبه اتفاق بين المصريين والإماراتيين على عدم تعطيل هذا الدور القطري في قطاع غزة، طالما لا يتناقض مع بنود التهدئة الأساسية التي تقدمت بها مصر وتضطلع بالوساطة حولها بين إسرائيل وحركة حماس بدعم من الأمم المتحدة.

كما تتولى قطر مهمة الضغط على حماس من أجل تسليم مواطنين إسرائيليين تحتجزهما الحركة، بالإضافة إلى رفات جنديين إسرائيليين قتلا خلال الحرب التي شنتها إسرائيل على قطاع غزة عام 2014.

مقتل أكثر من 170 فلسطينيا وجرح قرابة 18 ألفا خلال مسيرات حق العودة
مقتل أكثر من 170 فلسطينيا وجرح قرابة 18 ألفا خلال مسيرات حق العودة

ويقول جيمس دورسي الباحث في كلية راجاراتنام للدراسات الدولية، إن “أي اتفاق تهدئة بواسطة مصرية ودعم إماراتي سيؤدي حتما إلى عودة القيادي المفصول في حركة فتح محمد دحلان كوريث وحيد للسلطة بعد عباس المريض”.

وارتكب عباس خطأ فادحا عندما رفض خططا مصرية وإماراتية سابقة قضت بدفع السلطة الفلسطينية رواتب الموظفين وتولي إدارة القطاع بشكل كامل، في إطار مساع للمصالحة بين حركتي فتح وحماس. وبدلا من ذلك، فرض عباس عقوبات منها عدم تسديد فواتير الكهرباء، مما عمق من تأثير الحصار على القطاع. ويقول دورسي “لو كان عباس قد قبل هذا المقترح لكانت سلطة حماس قد تم تقويضها بشكل كبير في القطاع اليوم”.

وقال محمد العمادي السفير القطري لدى فلسطين، في سلسلة لقاءات تلفزيونية إنه “من الصعب تنفيذ أي خطط لإعادة الإعمار في غزة في ظل أي حرب في المستقبل، لذلك نحن ندعم التوصل إلى هدنة من 5 إلى 10 سنوات في القطاع″.

ويستمد هذا الدور القطري حيويته من رفض عباس وحماس أيضا أي تدخل أو وساطة من قبل واشنطن، بعدما أعلن الرئيس ترامب اعتراف الولايات المتحدة بالقدس عاصمة لإسرائيل في مايو الماضي. وأفسح ذلك الطريق أمام قطر للقيام بإحدى أهم المهام في أي اتفاق تهدئة نيابة عن واشنطن.

لكن هذا الأسبوع، فاجأ ترامب الإسرائيليين والفلسطينيين على حد السواء عندما قال على تويتر إن “على إسرائيل أن تدفع ثمنا غاليا” لقاء اعترافه بالقدس كعاصمتها، وأن الفلسطينيين “سيحصلون على شيء جيد جيدا” في المقابل “لأن هذا دورهم”. ولم يوضح ترامب ما يقصده.

وقتل أكثر من 170 فلسطينيا وجرح قرابة 18 ألفا خلال مسيرات حق العودة، التي انطلقت منذ أواخر مارس الماضي، بدعم من حماس. وقال رئيس المكتب السياسي لحركة حماس إسماعيل هنية هذا الأسبوع إنه “بفضل هؤلاء فإننا صرنا قاب قوسين أو أدنى من إنهاء الحصار” الإسرائيلي على غزة.

ويقول إيلاند “مصر كانت تصر في السابق على استعادة عباس للسيطرة على قطاع غزة، وهو ما لم تكن حماس لتقبله خصوصا مع دعوات التخلي عن سلاحها. والآن تفهم مصر أن هذا الطرح غير واقعي، وانحصرت مطالبها في أن تمنع حماس أي إمكانية لتهريب أسلحة من القطاع لمن تبقى من عناصر داعش في سيناء. الجزء الوحيد المحزن في هذا الاتفاق هو عباس الذي ترك خارج كل هذه التسويات، لكن في النهاية هذه مشكلته وحده”.

6