هل يخرج التكوين المسرحي من الأكاديميات إلى الورشات

مهرجان كلباء للمسرحيات القصيرة يناقش واقع التعليم المسرحي الجديد لتخليص المسرح من عزلته.
الاثنين 2019/09/30
المسرح الخليجي بدأ من البحرين في العام 1925

الشارقة – في إطار البحث الجاد حول سبل تطوير تعلم المسرح بعيدا عن المؤسسات الأكاديمية، أقام مهرجان كلباء للمسرحيات القصيرة ملتقى فكريا بعنوان “تعليم المسرح، الموهبة والتدريب والتطوير” بهدف تسليط الضوء على واقع الورش المسرحية التي باتت تلقى رواجا لدى هواة ومحبي تعلم المسرح، لمعرفة أهمية تلك الورش، تقاليدها ومعاييرها، لاسيما ما يتصل منها بعناصر الموهبة، وأساليب التدريب واستراتيجيات التطوير.

 وشارك في الملتقى كل من الأساتذة إبراهيم سالم من الإمارات وعبدالناصر خلاف من الجزائر ومن المغرب محمد الحر، أما من دولة الكويت الرائدة في فن المسرح خليجيا فشارك كل من الأساتذة عبير الجندي وخليفة الهاجري وعبدالله العابر، ومن الأردن شارك الأستاذ حكيم حرب.

من أهم المداخلات ما قدمه الدكتور خليفة الهاجري، وهو سينوغرافي كويتي، حول نشأة وتطور فن المسرح في دول الخليج، والذي بدأ مداخلته بملاحظة هامة جدا، وهي أننا لا يمكن أن نناقش قضية متعلقة بتعلم المسرح في أي دولة خليجية ما لم نتطرق إلى مسحة تاريخية نشرح فيها طريقة دخول المسرح إلى منطقة الخليج، ففن المسرح كما يشير الهاجري، كان قد بدأ من البحرين في العام 1925 عبر المسرح المدرسي وكان الهدف منه تربويا بحتا، ثم انتقلت تلك التجربة في العام 1938 إلى دولة الكويت التي باركت التجربة، ثم بُدئ بإيفاد الطلبة من الكويت إلى مصر في العام 1946، وفي العام 1950 انتقلت التجربة إلى دولة الإمارات التي بدأت أيضا بإيفاد طلبة لدراسة المسرح أمثال إبراهيم بوخريف وحسن رجب وحبيب غلوم وغيرهم.

وأكد الهاجري على أن الطلبة الكويتيين الذين تم إيفادهم إلى مصر لدراسة المسرح أمثال حمد رجيب الذي كانت تربطه علاقات طيبة مع مسرحيين مصريين أمثال زكي طليمات استطاع لاحقاً وعبر تلك العلاقة ان يحضره للكويت كمدرس، بحيث تم نقل التجربة إلى الكويت، وبدأ بإنشاء فرق مسرحية تكتب نصوصها بشكل مرتجل على خشبة المسرح.

وتابع “لكن التجربة لم تكتمل حقيقة حتى بعد استقدام المعلمين والمدرسين لأن هؤلاء المعلمين نقلوا فقط خبرات تنظيرية، فالهدف من المسرح حينها كان فقط تربوياً تعليمياً ولم يتطرق إلى جوانب أخرى ذات أهمية بالنسبة إلى العرض المسرحي كالديكور والأزياء وغيرها، إلى أن بدأت تظهر في العام 1972 الأندية المسرحية التي كانت لها فرق وخبرات، وبدأت لاحقاً الورش تصبح تابعة لمؤسسات تعليمية ممنهجة وتستمر مدة التكوين فيها لأربع سنوات، لكن هذه الورش التي تبنتها مؤسسات تعليمية جاءت على حساب الهواة ومحبي المسرح”.

فعاليات ثقافية متنوعة
فعاليات ثقافية متنوعة

أما المداخلة الثانية الجديرة بالتوقف عندها فهي للمخرج الأردني حكيم حرب، وهو ممثل وكاتب أيضا، قام مؤخرا بتأسيس المختبر المسرحي الجوال، الذي تضمن أيضا مسرح السجون ومسرح المقهى، يشير حكيم حرب إلى أنه في العام 2014 انتبه إلى أن المسرح في عزلة كبيرة عن الجمهور، وأنه بات مُختصراً ومنحصراً في المهرجانات أو في جمهور النخبة، فلمعت لديه فكرة المختبر المسرحي الجوال التي تبنتها وزارة الثقافة في الأردن ووظفتها.

 وتابع حرب قائلا “لأن المسرح والجمهور متمركزان في العاصمة عمان، قررت الخروج إلى المناطق الأقل حظاً والتي لم يزرها المسرح بعد، دربت ما يقارب خمسة إلى ستة آلاف طالب في ورش كانت تستمر ما بين شهر إلى ثلاثة شهور في كل محافظات الأردن، إلى درجة أننا مع نهاية كل تدريب كان يصلنا عدد كبير من الأطفال والشباب المتعطشين لفن المسرح، فشعرت بأنني وجدت ضالتي المنشودة في تلك المناطق، من حيث متعة اكتشاف البراءة الجميلة والمواهب، وكانت سعادتي تبلغ منتهاها حين يقرر أي من هؤلاء المتدربين متابعة دراسة المسرح سواء في جامعة اليرموك أو غيرها، أو يأتي إلى عمان للمشاركة في أعمال احترافية”.

هذه التجربة كان لها أكثر من مستوى كما قال حرب، من أهمها أنها كانت تعتبر علاجية، فلقد استخدم الفن المسرحي لمعالجة التشوهات النفسية لدى هؤلاء الشباب، وخاصة أن بعض المناطق التي أقيم فيها المختبر كان شبابها معرضين للميل إلى العنف والمخدرات سواء في المدرسة أو في الجامعة أو في غيرهما، فأصبحت تلك الورش مساعداً لهؤلاء الشباب على منعهم من الوقوع ضحية لتلك الممارسات أو حتى الأفكار المسمومة المتداولة هناك.

ثم تحول حكيم حرب إلى السجون، وقدم ورشاً في سجن النساء وسجن الرجال لمدة ستة شهور منفصلة، وكانت تلك التمارين جسدية وذهنية ووجدانية، قدمها اعتماداً على ما يطلق عليه السايكودراما، وهي تجربة أكثر ثراء بالنسبة إليه على المستوى الإنساني لأنها تركت انطباعا كبيراً، كما يقول. فإدارة السجون على سبيل المثال كانت تؤكد على فشل تلك التجربة مع السجناء على اعتبارهم أصحاب أمزجة غريبة، ولكن تفاجأ الجميع حين تحولت تلك التمارين المسرحية إلى نافذة حقيقية للحياة، إلى درجة أن نزلاء السجن كانوا يتواصلون معه حال خروجهم من السجن لمتابعة التمارين.

يضيف حرب “تلك التمارين كانت أشبه برحلة كاملة في سراديب البشرية للوصول إلى النقاط المظلمة وتعزيز الثقة بالنقاط المضيئة خاصة عندما كانت تتحول جرائهم إلى سكتشات مسرحية، فتحدث لديهم عملية التطهير، تأمّل الجريمة ومراجعة الذات، وكأنها حالة من خلق صحوة الضمير”، مؤكدا على أن التجربة تحولت اليوم إلى مراكز لتدريب الفنون الثابتة، وهذا أمر هام جداً لأن التدريب وحده لا يكفي واكتشاف المواهب أيضا لا يكفي إذا لم تتحقق شروط الاستدامة والاستمرارية، بل إن غياب الاستدامة سيشكل ضررا على هؤلاء المتدربين أو الطلبة الذين يتعلقون بحب وشغف المسرح.

14