هل يخرج العالم من حال الرعب إلى نهضة جديدة؟

وباء كورونا المستجد يفتح المجال أمام عوالم رعب تصاحبها تكهنات بحرب بيولوجية وحروب مناخية سرية وبرامج خبيثة ضارة.
الأربعاء 2020/04/01
أمل ينبثق من روح الأزمة

في أعقاب تفشي فايروس كورونا المستجد الذي يجتاح العالم حاليا، يسلط متابعون الضوء على جملة من التحديات التي تتربص بالنظام العالمي والعولمة، ويرى هؤلاء أن حالة الرعب التي بثها الفايروس في أرجاء العالم ستكون لها تداعيات على النظام الدولي وستنتج عنها تغييرات مفصلية، بعد أن نجح الوباء في كسر حالة الثبات السياسي والمجتمعي والتقني والبيئي السائدة، كما سيكون العالم مقبلا على معارك من نوع آخر وهي حروب بيولوجية مناخية سرية وبرامج خبيثة ضارة وستكون الأكثر كلفة من أية حروب تقليدية سابقة.

باريس - أعاد فايروس كورونا المستجد إلى الذاكرة معاناة البشرية الطويلة مع الأوبئة والجوائح الجرثومية، خاصة تلك التي غيرت مجرى التاريخ. فمثلما كان للطاعون “الفضل” في انحسار دور رجال الدين والكنيسة في القرن الرابع عشر، وظهور عصر النهضة، يطرح فايروس كورونا، اليوم، أسئلة حول مصير النظام العالمي والعولمة، وإلى أي مدى سيكون لحالة الرعب الراهنة دور في إعادة رسم ملامح خارطة العالم اقتصاديا وصحيا وبيئيا واجتماعيا وسياسيا.

تتجاوز الأوبئة تداعياتها الصحية؛ فكلما اجتاح العالم وباء كبير فتح الباب أمام تغيرات مفصلية. ويحتل الطاعون أهمية كبرى في هذا التاريخ. وكانت له آثار هائلة على تطور الحضارة الحديثة. يعد هذا المرض أحد أسباب انهيار الإمبراطورية الرومانية. لكن ذكره يأتي غالبا عند الحديث عن النهضة الأوروبية في القرن الرابع عشر.

إذا ساهمت العولمة في انتقال البضائع وتدفق المعلومات ورأس المال، فقد ساعدت أيضا على انتشار أمراض معدية عن طريق الهواء، والماء والدم والاتصال المباشر، بالإضافة إلى الحشرات وحيوانات. وعلى غرار كورونا اليوم، كان للسفر و”العولمة” التجارية دور في انتشار الطاعون وانتقاله من آسيا إلى أوروبا. نشر الطاعون الموت الأسود في أوروبا. وكان لتداعياته مظهران، الأول اقتصادي صناعي حيث تسببت وفاة 50 مليون شخص تقريبا (60 في المئة من سكان أوروبا) في فقدان اليد العاملة، وبالتالي ارتفاع الأجور. وكان ذلك سببا في تسريع وتيرة التحديثات الاقتصادية والاجتماعية والتقنية.

ويتمثل المظهر الثاني في ظهور ثنائية الشرطي ورجل الدين، ضمن صراع انتهى لصالح الأول، ووضع لبنة الدولة المدنية العلمانية في أوروبا. مع انتشار الطاعون وسقوط الملايين من الضحايا، شعر الناس بعجز الكنيسة ورجال الدين عن إنقاذ أرواح البشر، وبالتالي حل الشرطي محل الكاهن.

يمكن القول إن هذا الوباء فتح الباب أمام مراجعة جذرية لمكانة الدين السياسية، بحيث كان لإنشاء الشرطة دور كبير في حماية حياة الإنسان وضمان الأمن.

وبالتالي ولدت الدولة الحديثة والعقلانية العلمية كإحدى نتائج هذا الصدام بين عالمين من جراء وقوع هذه الكارثة الصحية، حيث كشفت عن عجز السلطة الدينية والسياسية عن إنقاذ أرواح البشر، وبذلك حل الشرطي محل الكاهن.

ثم تكرر الأمر في نهاية القرن الثامن عشر عندما حلّ الطبيب محل الشرطي. بمعنى أن الإنسانية مرت خلال قرون من سلطة قائمة على الإيمان إلى سلطة قائمة على القوة والإكراه لحفظ الأمن، ثم مرّت بعد ذلك إلى سلطة قائمة حول دولة القانون. بمعنى أنه بعد أي جائحة أو وباء يحلّ، يتوقع أن يطال التغيير نظم ومعتقدات العالم الذي يظهر فيه الوباء.

القوة الفايروسية المدمرة

العالم يخوض المعركة الأشدّ
العالم يخوض المعركة الأشدّ

أول ما يطرحه التحول الوبائي هو علاقة الإنسان بأمراضه التقليدية والمحتملة، وهذه دائما في ارتباط وثيق بالتحولات الإحيائية والبيئية. ذلك أن التحولات الوبائية تنجم بالأساس عن تفاعل المحددات والأنماط الديمغرافية والاقتصادية والاجتماعية، بخاصة أن دورة التحول الوبائي تمرّ دائما بخمس مراحل رئيسية، هي: الأوبئة والمجاعات، انحسار الأوبئة، الأمراض التناكسية (أمراض مزمنة)، الأمراض المتأخرة، والأمراض المنبثقة والمستجدة، ولكلّ منها سماتها الخاصّة بها في كل مرحلة تاريخية معينة.

وبناء على ذلك، تتمحور مشكلات الأوبئة الأساسية في علاقة الإنسان بالطبيعة. والشاهد على ذلك يتضح في كون هذه المحددات تلقي بثقلها على الملامح الصحية للمناعة، كما حدث مع أمراض النوم في

أفريقيا والتي قضت على الملايين من السكان في بحيرة فيكتوريا وأوغندا وجنوب السودان وكينيا. أما بالنسبة إلى فايروس كورونا المستجد فإن سبب الرعب الحالي نوع المتغيرات الحاكمة والسريعة في عالم اليوم، والتي تكسر حالة الثبات السياسي والمجتمعي والتقني والبيئي.

وقد سيطرت نظرية المؤامرة مع ظهور هذا الفايروس، أكثر من غيره. وفي مجال الأدب، تكفي الإشارة إلى رواية الخيال العلمي “عيون الظلام” (1981) للكاتب الأميركي دين كونتز، حيث ينتشر سلاح بيولوجي (ووهان 400) قاتل، تمت صناعته في مختبر سري صيني للأسلحة البيولوجية والكيمياوية. في أول طبعة للرواية، كان المختبر سوفييتيّا “غوركي 400”، لكن كونتز غيَّر الاسم ليصبح صينيا في طبعة 2008 و2020.

وفي رواية كونتز، نجد أن “ووهان 400” يقتل الناس عن طريق مهاجمة الدماغ، حيث نقرأ: “ينتقل الفايروس إلى جذع الدماغ، وهناك يبدأ في إفراز مادة سامة تأكل حرفيا أنسجة الدماغ مثل حمض البطارية الذي يُذوّب القماش القطني”.

وغذى نظرية المؤامرة اتهام السناتور الجمهوري توم كوتون الصين (في جلسة استماع للجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ في 30 يناير) بخداع العالم وإخفاء سر الوباء. بالمقابل، اتهم البعض الولايات المتحدة بتطوير الفايروس في إطار الحرب التجارية بين واشنطن وبكين، وبهدف إضعاف ثاني أكبر اقتصاد في العالم.

ثم قامت وسائل إعلام روسية باتهام الاستخبارات الأميركية وكارتل الأدوية بالوقوف وراء الفايروس لغاية تجارية. بالإضافة إلى الأخبار المزيفة التي روجت لها بعض الفضائيات العربية باعتبار كورونا المستجد فايروسا ولد في أقبية المختبرات السرية، وهو ما يخلط بين أنواع فايروسات كورونا التي تتم دراستها ودراسة أنواع جراثيمها وتحولاتها الممكنة.

حرب بيولوجية

العالم أمام تغيّرات مفصلية
العالم أمام تغيّرات مفصلية

على هذا المستوى، فتح وباء كورونا المستجد المجال لعوالم رعب جديدة، تصاحبها تكهنات بحرب بيولوجية وحروب مناخية سرية وبرامج خبيثة ضارة. ونتيجة المعركة هذه المرة ستكون أكثر كلفة من أيّة حروب تقليدية، فهي تستعمل البرمجيات الخبيثة بدلا من الرصاص والفايروسات البيولوجية والتقنية بدلا من القنابل.

ولا تنتج الحرب السيبرانية صورا درامية مثلما تفعل انفجارات القنابل، لكن قائمة ضحاياها ضخمة. وبالتالي، يصعب اليوم تقدير كل التطورات المحتملة في ظل انقلابات بيئية واجتماعية وبيولوجية وتكنولوجية قد تساعد على تطور فايروسات أو التقائها وتحولها من جديد مع أمراض أخرى خطيرة موجودة أصلا بيننا، ما يعمّق أثر المصادر غير التقليدية في تهديد السلم والأمن العالميين في وقت يشهد فيه العالم صعود الشعبوية وعولمة منفلتة العقال وضعفا في النمو واختزالا وانتقائية في معالجة الأزمات الدولية. فهل يستطيع النظام العالمي الصمود في وجه عالم الفايروسات الجديد ويشهد نهضة جديدة من رحم التراجيديا التي يعيشها اليوم؟

12