هل يخطط السبسي والغنوشي لتأجيل الانتخابات التونسية

تراجع الرئيس التونسي عن الإعلان عن مبادرته السياسية، يُعد إدراكا منه لعدم جدواها الآن، وبالتالي ليس هناك أفضل من تأجيل الانتخابات القادمة.
الاثنين 2019/06/17
نحو إحياء التحالف

تونس - لم تُبدد التأكيدات الخجولة الصادرة عن حركة النهضة الإسلامية، حول تمسكها بتنظيم الانتخابات المُرتقبة في موعدها المُحدد، الهواجس والمخاوف التي بدأت تنتاب الكثير من الفاعلين السياسيين، من إمكانية تأجيل تلك الانتخابات التي تُوصف بالمفصلية، تحت عناوين مُختلفة.

وأخذت تلك الهواجس تتسارع منذ اللقاء الذي جمع بين الرئيس الباجي قائد السبسي، ورئيس حركة النهضة راشد الغنوشي في الثاني عشر من الشهر الجاري، والذي تم التطرق خلاله إلى “الاستعدادات للاستحقاقات الانتخابية المُقبلة، وسبل تدعيم المسار الديمقراطي”، بحسب تصريح للغنوشي.

زهير المغزاوي: مصلحة قائد السبسي والغنوشي تكمن في التأجيل
زهير المغزاوي: مصلحة قائد السبسي والغنوشي تكمن في التأجيل

وساهم هذا التصريح في إثارة الكثير من التساؤلات حول أبعاده، لاسيما وأنه بدا حمالا لرسائل في اتجاهات مُتعددة، لجهة التوقيت والأسلوب والمنحى، ما جعل العديد من الأوساط السياسية لا تتردد في التحذير من خفاياه التي تقول إنها تُشير بين ثناياها إلى وجود “صفقة ما” بين الشيخين لتعويم المشهد السياسي.

وترى أن تراجع الرئيس قائد السبسي عن الإعلان عن مبادرته السياسية، يُعد إدراكا منه لعدم جدواها الآن، وبالتالي ليس هناك أفضل من تأجيل الانتخابات القادمة، لتعويم هذا المشهد المُرتبك، الذي يعكسه التباين الحاد في المقاربات السياسية التي بدت في جزء منها أكثر تهورا في التعاطي مع الشأن العام على قاعدة المساومات حينا، والابتزاز حينا آخر، باعتبار أن تحصين المواقع يُبيح مُختلف أشكال التحرك.

وقال النائب البرلماني زهير المغزاوي، الذي يرأس حركة الشعب المعارضة، لـ”العرب” إن “لدى حركته مُعطيات تؤكد أنه تم خلال ذلك اللقاء تداول مسألة تأجيل الانتخابات القادمة بشقيها التشريعي والرئاسي، وسبق لها التحذير من الإقدام على هكذا خطوة من شأنها ضرب المسار الديمقراطي في البلاد”.

وفيما تغيب الدلائل القاطعة التي تؤكد وجود صفقة بهذا الشأن بين الشيخين، فإن الاستنتاجات المباشرة لا تستبعد ذلك، حيث تُجمع القراءات السياسية التي تناولت أبعاد لقاء قائد السبسي-الغنوشي، على وجود رغبة مُشتركة في تحريك المشهد الحالي، تمهيدا لتأجيل الانتخابات.

ويفترض تحريكُ المشهد الحالي تبديلَ المعادلة السياسية الحالية التي لم تعد على مقاس فائض القوة لدى حركة النهضة، كما لا تستجيب لحسابات الرئيس قائد السبسي بعد انهيار الحزب الذي أسسه في العام 2012، وبالتالي التوافق حول خيارات أخرى في سياق صفقة تأخذ بهذا الواقع المُستجد.

وعلى هذا الأساس، رأى الأمين العام لحركة الشعب في حديثه لـ”العرب” أنه “إذا كانت هناك صفقة بين الباجي قائد السبسي وراشد الغنوشي، فإن عنوانها سيكون تأجيل الانتخابات باعتبار أن حزب الرئيس قائد السبسي في مأزق حقيقي، بينما دخلت حركة النهضة في قلق داخلي بأبعاد إستراتيجية على ضوء المُتغيرات الإقليمية والدولية”. وأكد أن “مصلحة قائد السبسي والغنوشي تكمن حاليا في تأجيل الانتخابات، الذي أصبح مطروحا على طاولة منظومة الحكم الحالية التي دخلت في مأزق حقيقي، جعلها تبحث عن المسوغات التي تُمكنها من كسب المزيد من الوقت، عبر اللجوء إلى حيل من قبيل إدخال تعديلات على القانون الانتخابي لإقصاء بعض الظواهر السياسية”.

وتخشى الأوساط السياسية أن يكون التفاهم بين قائد السبسي والغنوشي قد دخل في طور جديد على ضوء سلسلة من المؤشرات المتناغمة مع بعضها البعض، ذلك أن الغنوشي لديه الكثير من الأسباب الموجبة ما يكفي للخشية، وربما الرعب على مصيره، ومصير حركته، تماما مثل قائد السبسي الذي لا يُخفي رغبته في تمديد عهدته الرئاسية، وكسب المزيد من الوقت لترميم حزبه.

وكان لافتا أنه بعد مرور يوم واحد على ذلك اللقاء، خرج الغنوشي إلى الرأي العام، مُستنفرا أوراقه التي لا تخلو من الابتزاز والمساومة، وسط مراوغات ومناورات سياسية بلغت ذروتها في تصريحه الذي اعتبر فيه أن ما يحدث في تونس الآن هو “شكل من أشكال التلاعب والتحايل على الديمقراطية”.

Thumbnail

وأكد في ذلك التصريح الذي أدلى به تحت قبة البرلمان أن حركته توافق على الاقتراحات التي قدمتها الحكومة لتنقيح قانون الانتخابات والاستفتاء، وخاصة النقاط المُتعلقة بـ”منع الجمع بين العمل السياسي ورئاسة الجمعيات والمؤسسات الإعلامية وتوظيف الجمعيات الخيرية في الانتخابات الرئاسية والتشريعية”.

ومباشرة بعد ذلك، أعلن المكتب التنفيذي لحركة النهضة رفضه القاطع لكل ما اعتبره “ضروب تحايل على الرأي العام وعموم الناخبين من خلال توظيف بعض الأطرافِ العملَ المجتمعي أو الديني أو الجمعياتي أو الإعلامي في العمل السياسي بدل الالتزام بمقتضيات الدستور وبناء المجتمعات الحديثة”.

ودعا إلى “ضرورة حماية المسار الديمقراطي وعدم السماح بأي تلاعب بالتجربة الوليدة، والتفاعل الإيجابي مع كل الاقتراحات التي تحقق هذا الغرض، واتخاذ كل التدابير القانونية لمنع التحايل على الناخبين وحماية الديمقراطية”. ورغم المفارقات العديدة التي تحملها هذه الدعوة باعتبار أن حركة النهضة معنية بها أكثر من غيرها، باعتبارها وظفت الدين والعمل الخيري، والإعلامي، في نشاطها السياسي، فإن مشروع تعديل القانوني الانتخابي يُشكل مع ذلك فصلا إضافيا من شأنه إرباك المشهد العام، وصولا إلى تأجيل الانتخابات.

وضمن هذا المشهد الذي تأخذ فيه مناورات الغنوشي سياقا يدفع إلى حافة تأجيل الانتخابات، يلتزم الرئيس قائد السبسي الصمت، لتتشكل بذلك مشاهد متباينة، تُملي فرضيات مُتعددة دون أن تخرج من دائرة “الصفقة” التي من شأنها إعادة رسم الواقع وفق حسابات ومعادلات جديدة.

4