هل يخلص نظام "بوكليت" التعليم المصري من الغش في الامتحانات

دفعت تسريبات امتحانات الثانوية العامة في مصر على مدار السنوات الخمس الأخيرة، الحكومة إلى تغيير نظام الامتحانات من حيث الشكل والمضمون، للحيلولة دون إمكانية تصويره ونشره على مواقع التواصل الاجتماعي أو سهولة الغش داخل لجان الامتحان، وأسندت مهمة التغيير لإحدى الجهات الأمنية السيادية لتكون مسؤولة عنه حتى وصوله إلى أيدي الطلاب.
الثلاثاء 2017/01/17
لا مجال للغش

القاهرة - يقوم النظام الجديد، الذي اتخذته الجهات الرسمية المسؤولة على نظام سير الامتحانات في مصر، على دمج ورقتي الأسئلة والإجابة في كراسة واحدة، مع تحديد مكان للإجابة لا يجب الخروج عنه، على أن يكون كل سؤال مرفق في الأسفل بمكان مخصص للإجابة، مع إجبار الطالب على حل كل الأسئلة التي سوف تتراوح بين 50 و60 سؤالا، موزعة على 30 ورقة، ما يصّعب على الطلاب إمكانية تصوير هذا العدد من الصفحات وتسريبها مثلما كان يحصل في الماضي.

وزادت وزارة التربية والتعليم على ذلك، بأن حددت بشكل غير مباشر، من دقيقتين إلى ثلاث دقائق للإجابة على كل سؤال، حتى لا تكون أمام الطالب فرصة للتصوير والتسريب وانتظار الإجابات، على أن تكون 40 بالمئة من الأسئلة تعتمد على الفهم و60 بالمئة على التذكر والحفظ، وسوف تكون عبارة عن اختيار من متعدد وأسئلة صغيرة عبارة عن “برهن، أعط تفسيرات”.

وتعول الحكومة على النظام الجديد، الذي أطلق عليه اسم “بوكليت”، ويعني ضم الأسئلة للإجابة، كونه سوف يقضي على فوضى تسريب الامتحانات التي فشلت كل الحكومات السابقة في التصدي لها، لكن المشكلة الوحيدة التي تواجهها الحكومة حاليا، الرفض الشديد من جانب الطلاب وأولياء الأمور لتفعيل هذا النظام خلال الامتحانات المقبلة المقررة في 4 يونيو المقبل، بذريعة أنهم لم يعتادوا على ذلك من قبل.

النظام الجديد يقوم على دمج ورقتي الأسئلة والإجابة في كراسة واحدة مع إجبار الطالب على حل كل الأسئلة

وأمام الرفض المجتمعي، اضطرت وزارة التربية والتعليم إلى نشر نماذج تجريبية لتدريب الطلاب على “بوكليت”، وقالت إن الفترة المتبقية على الامتحانات كفيلة بأن يعتاد الجميع على طريقة الأسئلة الجديدة، وأنه لا تراجع عن تطبيقه، واتهمت الرافضين له بأنهم “أصحاب مصالح، وكانت لديهم نية الغش وتسريب الامتحانات”.

وقال مصدر مسؤول بوزارة التعليم لـ“العرب”، إنه مع النظام الجديد لن يتمكن أي طالب من الحصول على الدرجات النهائية في جميع المواد، كما يحول دون حصول عدد كبير من الطلاب على مجاميع مرتفعة بما يخفض نسبة الالتحاق بكليات القمة (الطب، الصيدلة، الهندسة، العلوم السياسية، والإعلام) وهذا أحد أهداف الحكومة، بحيث يقتصر الالتحاق بهذه الكليات على المتميزين فقط.

وأضاف المصدر أنه لأول مرة سوف تكون داخل اللجنة الواحدة أربعة نماذج للامتحان، متطابقة في الأسئلة لكنها مختلفة في ترتيبها، بمعنى أنه قد يكون هناك طالب لديه السؤال الأول عن “خارطة مصر”، وقد يكون نفس السؤال رقم 40 عند طالب آخر، ما يحول دون الغش، متوقعا ألا تشهد امتحانات العام الجاري أي تسريبات، فلا يمكن للطالب تصوير 30 ورقة امتحان، لأنه سوف يرسب لضياعه الوقت وسيضبط متلبسا، ما يجعله يرسب في كل الامتحانات ويُحاكم جنائيا وفق القانون الخاص بالامتحانات.

وخلال العام الماضي، تسربت جميع الامتحانات، إما قبل موعدها وإما أثناء أدائها، ما تسبب في تأجيل بعضها وإعادته في سابقة خطيرة هزت الحكومة وتسببت في مظاهرات حاشدة وصدامات بين أجهزة الأمن والطلاب، الأمر الذي دفع الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي للتدخل ومطالبة الحكومة والأجهزة السيادية بوضع نظام جديد للامتحانات يمنع تكرار ما حدث.

وما يعزز إمكانية عدم تسريب امتحانات العام الجاري، أن وضع الأسئلة وطباعتها وتوصيلها لمقار اللجان، ستكون مهمة جهات أمنية، حيث تسرّبت الامتحانات العام الماضي من مطابع وزارة التعليم، وكانت تمر على 15 جهة إدارية ما يمكن من الاطلاع عليها، أما الجديد فإنه ستخرج من المطبعة الأمنية إلى الطالب مباشرة، حتى أن واضعي الأسئلة لن يخرجوا من المطبعة إلا مع تسليم الامتحان للطالب، ووقعوا بالموافقة على ذلك كتابيا، لتبرئة ذمتهم من أي محاولة لخروج الامتحان قبل موعده.

اقتصار الأسئلة على الاختيار من متعدد والتفسير فقط يقتل الفكر والإبداع، لأن المعيار ليس بكم الأسئلة

لكن محب الرافعي، وزير التربية والتعليم السابق، قال لـ“العرب”، رغم المزايا التي تسوقها الوزارة حول النظام الجديد، فإنه يبدي العديد من التحفظات بشأنه، في مقدمتها التفعيل قبل التجريب لتفادي السلبيات، مؤكدا أن اقتصار الأسئلة على الاختيار من متعدد والتفسير فقط، يقتل الفكر والإبداع، لأن المعيار ليس بكم الأسئلة ووصلها إلى 60 جزئية، ولكن بمحتواها وكيف سيتعامل الطالب بطريقة احترافية معها تقيس مستويات تمكنه الفكري.

وقال الرافعي لـ“العرب” “نعم هذا النظام الجديد سوف يحد من الغش والتسريب، لكنه لن يمنع ذلك بشكل نهائي واحتمالات تصويره داخل اللجان مازالت قائمة، كما أنه من الناحية التربوية خطأ، حيث يقضي على المهارات، والمشكلة الأكبر أن الطالب حينما يبدع في الإجابة سوف يصطدم بتحديد مساحة صغيرة للكتابة لا يجب أن يتخطاها، ما يفسد أهمية الامتحان ويقلل من نتائجه”.

وقال رضا حجازي، رئيس امتحانات الثانوية العامة بوزارة التعليم لـ“العرب”، إن الحكومة كانت تبحث عن إجراء استثنائي لمنع الغش والتسريب هذا العام، رافضا فكرة اتهام نظام “بوكليت” بأنه يقتل الفكر والإبداع، بدليل وجود أسئلة “مقالية” حتى وإن كانت الإجابة عليها في مكان محدد دون استطراد، قائلا “إن واضعي الامتحان هم من يحددوا مدى حاجة السؤال لمساحة أكبر أم أقل، لأن جميعها ستكون مباشرة وتحتاج لإجابة مباشرة”.

وأكد أن تصوير أسئلة الامتحان وتسريبها “أمر مستحيل”، فالطالب سوف يخشى المراقب، والعقوبة القاسية التي قد تقضي على مستقبله، وهي الحبس والرسوب، كما أن المراقب نفسه سيتعرض للأذى في حال عدم القيام بواجباته داخل اللجنة وضبط من يحمل الهاتف المحمول.

غير أن كل هذه الإجراءات، لم تمنع صفحات الغش والتسريب على مواقع التواصل الاجتماعي من تهديد الوزارة بتكرار ما حدث خلال العام الماضي، حيث نشرت بيانات متعددة تؤكد أن لديها آلية جديدة للتسريب لن تفصح عنها، وهو ما رد عليه مسؤولون في الوزارة بالقول إن ذلك “لن يحدث، ويأتي في إطار حرب نفسية لهدم المعنويات فقط”.

17