هل يرث الفرد من عائلته جينات الجريمة

عائلة اشتهرت بتجارة المخدرات، وأخرى تخصصت في أعمال البلطجة والسرقة بالإكراه، ووصلت هذه الظاهرة إلى حد البحث في احتمالات انتقال الجريمة من جيل الآباء إلى الأبناء.
الثلاثاء 2018/06/19
الجريمة تتسلل من جيل إلى جيل

هل يرث الفرد الجينات الإجرامية عن والديه كما يرث خصائص أخرى؟ وهل ينجب المجرم مجرما؟ سؤال يطرحه ظهور العديد من العائلات وراء القضبان، بعد أن تمت إدانة جميع أفرادها، والأخطر هو تخصص أفراد هذه العائلات في أنواع محددة من الجريمة.

وتقول الدكتورة عزة كريم -أستاذة علم الاجتماع في مصر- “أجمعت كل الدراسات على أن الضمير الخلقي السيء الذي يصنع الصورة الإجرامية للوالدين، أو من يقوم مقامهما في تنشئة الطفل هو الذي يسهم كثيراً بصورة سلبية في تكوين علاقة هذا الطفل بمجتمعه، ويمتص كل ما لديه من قيم وأساليب سلوكية فطرية، فيتحول الأبناء إلى صورة شبيهة بآبائهم وأمهاتهم، ويصبح استعدادهم لتوارث سلوك الآباء كبيرا للغاية”.

وأضافت أن السلوك المنحرف يكون مجرد تحقيق لقيم أسرية منحرفة، وعندما يكبر الطفل يجد مبرراً ذاتيا لما ارتكبه من جرائم في حق المجتمع، ويتولد لديه اعتقاد داخلي أنه ليس مسؤولاً عن الجرائم التي يرتكبها، وأن المسؤولية تقع على عاتق الأسرة التي نشأ فيها، فيتمادى في طريق الجريمة دون أي ضوابط رقابية خارجية أو داخلية.

وأشارت كريم إلى أن نسبة انتقال الجريمة من الآباء إلى الأبناء أكبر بكثير من نسبة الجرائم الأخرى، ويرجع ذلك إلى أسباب كثيرة، تتعلق بالتنشئة وطبيعة نوعيات معينة من الجرائم؛ فتجار المخدرات على سبيل المثال يفضلون أن يتعاونوا مع أقاربهم وأبنائهم، لأنهم يتمتعون بثقتهم أكثر من أي أشخاص آخرين لا تربطهم بهم صلة قرابة، والفتاة التي تنشأ لأم منحرفة أخلاقياً تختلط الأمور عليها وتصبح أكثر عرضة للانحراف، لأنها في كل سلوكياتها تحرص على تقليد أمها، التي تعد المثل الأعلى الأول في حياتها.

عوامل التنشئة تختلط بالعوامل الوراثية، فتظهر الجريمة كما لو كانت ميراثا ينتقل من الأب إلى ابنه أو من الأم إلى ابنتها

وأوضحت أن انتشار الجريمة في الأحياء العشوائية التي تقل فيها درجة التعليم والثقافة، دليل قاطع على أهمية ما تلعبه التنشئة الأسرية والاجتماعية في توريث الجريمة والانحراف السلوكي، فضلا عن أن العادات والتقاليد القبلية يمكن أن تؤدي إلى ذلك. وبينت أن عادة الثأر المنتشرة في صعيد مصر نموذج صارخ، حيث تنتقل هذه الجريمة من جيل إلى جيل وغالباً ما يكون للبعد الاقتصادي دور كبير في انتقال السلوك الانحرافي من الآباء إلى الأبناء.

ومن جانبه يرى الدكتور عبدالعزيز مندور -أستاذ علم النفس- أن الأسرة تحتل الأهمية الحيوية في التنشئة الاجتماعية للفرد حيث أنها بمثابة المعد للشخصية، فعن طريقها تُغْرَس في نفس الطفل خلال سنواته الأولى أنماط ونماذج وردود أفعال واستجابات تجاه التفكير والإحساس والقيم والمعايير.

وأشار إلى أن الجريمة ليست وحدها من مظاهر الانحراف، بل قد يكون من مظاهر انحراف الأب انهياره الخلقي، كما لو كان سكيراً أو مقامراً أو عاشقاً لغير زوجته، وهذه كلها عيوب خطيرة في شخصية الأب تجعل رعايته لأولاده رعاية معيبة، وتهبط بهم إلى مستوى من فقدوا الرعاية، كما تتضمن توجيهاً فاسداً يخلق منهم أحداثاً منحرفين.

وأضاف مندور “من المهم لفت الانتباه إلى أهمية متابعة المجرم بعد الإفراج عنه، حيث إنه يواجه المجتمع بمشكلات اقتصادية واجتماعية ونفسية متعددة، وبالتالي يكون في أشد الحاجة إلى من يأخذ بيده ويساعده ويعينه على تخطي الهوة التي كانت تفصله عن مجتمعه، حتى يتمكن من التكيف مع المجتمع ويندمج فيه، وإلا عاد من جديد إلى مجتمعه القديم، مجتمع الجريمة والانحراف.

نسبة انتقال الجريمة من الآباء إلى الأبناء أكبر بكثير من نسبة الجرائم الأخرى، ويرجع ذلك إلى أسباب كثيرة، تتعلق بالتنشئة وطبيعة نوعيات معينة من الجرائم

ويرى الدكتور محمود جلال الدين -أستاذ علم الاجتماع- أن الميل إلى الانحراف إذا صادف الجو الفاسد للأسرة وما يغذيه ويدعمه يتفاقم، وسرعان ما يُنتج ثماره الضارة، أما إذا تعهدته منذ الحداثة يد المربي فإنها تفلح في الحد منه والحيلولة دون أن تتولد عنه آثاره المؤذية، حيث أن الأسرة الصالحة علاج ناجح للميل الموروث إلى السوء، أما الأسرة الفاسدة فهي تربة صالحة لنمو هذا الميل، وهنا يبرز دور الوالدين في حسن أداء واجبهما.

ويذكر جلال الدين أن عدة بحوث أكدت مدى الارتباط بين جرائم الأبناء وبين انحراف الوالدين، ووجد أن هناك ارتباطاً قوياً بين جرائم الآباء والأبناء، خاصة في ما يتعلق بجريمة السرقة، حيث تمثل جرائم السرقة صورة واضحة عند 21 بالمئة من الأبناء، ومن خلال عدة دراسات أجريت على التسلسل العائلي في الانحراف والجريمة ومدى تأثير عامل الوراثة في بعض العائلات التي ظهرت بها جرائم وانحرافات، تبين أن الجريمة تتسلل من جيل إلى جيل.

وأوضح أن الوسائل العلاجية لمواجهة الإجرام ومكافحته تكون من خلال معالجة المجرمين أثناء فترة إيداعهم السجن، عن طريق دراسة شخصية المجرم وتوفير وسائل العلاج والرعاية الاجتماعية في ضوء تطبيقات الرعاية الاجتماعية الحديثة.

ويطرح الدكتور علي الجوهري -أستاذ الهندسة الوراثية- رأياً مخالفاً عن توارث الجريمة مؤكداً وجود ارتباط بين الآباء والأبناء من الناحية الوراثية الخاصة بالسلوك العدواني والإجرامي، وقد أجمع كل علماء الوراثة على ذلك، إلا أن عوامل التنشئة تختلط بالعوامل الوراثية، فتظهر الجريمة كما لو كانت ميراثاً ينتقل من الأب إلى ابنه أو من الأم إلى ابنتها. وأوضح أن خطورة الاعتراف بانتقال الجريمة من خلال العوامل الوراثية، يترتب عنه تحيز المجتمع ضد الذين يرثون الجريمة، وإغلاق أي باب لعودتهم إلى الطريق السوي.

21