هل يرهن الفخفاخ مصير حكومته بتفاهمات سرية مع الغنوشي؟

توجس مُتصاعد من صفقة لإضعاف قيس سعيد وتحركات برلمانية لسحب الثقة من الحكومة.
الجمعة 2020/06/26
هل خضع لإملاءات النهضة

تونس - لم يُفلح رئيس الحكومة التونسية، إلياس الفخفاخ، في تبديد المخاوف التي تنتاب الأوساط السياسية في البلاد من وجود تفاهمات سرية من شأنها رهن مصير الحكومة الحالية لمُناورات رئيس حركة النهضة الإسلامية، راشد الغنوشي الذي رمى بثقل أوراقه لتصفية خلافاته مع الرئيس قيس سعيد والتي اتسعت رقعتها بحسابات سياسية داخلية وأخرى مُرتبطة بالموقف من القضايا الإقليمية والدولية.

وعمق السياق العام للخطاب الذي ألقاه الفخفاخ خلال الجلسة البرلمانية العامة التي خُصصت لتقييم عمل حكومته خلال المئة يوم الأولى من تشكيلها، تلك المخاوف التي غذتها تسريبات وتلميحات كانت حاضرة بقوة في مداخلات العديد من النواب الذين لم يترددوا في مُطالبته بالاستقالة، والكشف عن “صفقته” لنيل رضى حركة النهضة.

ولم يتردد النائب البرلماني عن حزب قلب تونس، عياض اللومي، في مُطالبة رئيس الحكومة بالاستقالة. وقال في مُداخلته موجها كلامه للفخفاخ “سيدي رئيس الحكومة يجب أن تستقيل.. ولن ننتظر ذلك نحن سنعد لائحة لوم وسنسحب منكم الثقة وسنقاضيك”.

ومن جهته وصف النائب الصافي سعيد، في مداخلته، خطاب رئيس الحكومة إلياس الفخفاخ بـ”المهزوز”، وذلك قبل دعوته إلى الكف عن الحديث عن الانتصارات التي وصفها بـ”الكاذبة والوهمية”.

وتزامنت هذه المواقف مع بدء مجموعة من النواب في الترويج لعريضة سحب الثقة من الحكومة، على خلفية ما ورد في خطاب إلياس الفخفاخ. وقالت مصادر من داخل البرلمان، إن 50 نائبا وقعها إلى غاية الآن، علما وأنها بحاجة إلى توقيع 73 نائبا لتُصبح قانونية، حتى يتم عرضها رسميا على مكتب البرلمان لإقرارها، وتحديد موعد جلسة عامة لمناقشتها.

عياض اللومي: على الفخفاخ أن يستقيل.. وسنسحب منه الثقة وسنقاضيه
عياض اللومي: على الفخفاخ أن يستقيل.. وسنسحب منه الثقة وسنقاضيه

وأكد القيادي في حركة النهضة، النائب سمير ديلو، أن حركته ليست طرفا في هذه العريضة، وذلك في الوقت الذي بدا الفخفاخ في خطابه أمام الجلسة البرلمانية الصاخبة سياسيا، واثقا من نفسه، حتى أنه أكد أنه باق في رئاسة الحكومة للعام القادم.

وقال إنه سيعود إلى البرلمان خلال العام المُقبل لعرض برنامج جديد لحكومته من أجل إنقاذ البلاد من أزمتها الاقتصادية، وذلك في الوقت الذي تكاد فيه مختلف القراءات السياسية تُجمع على أن حكومته، بتركيبتها الحزبية الحالية، انتهت سياسيا بالنظر إلى الخلافات العميقة التي تتقاذفها.

وساهم هذا التأكيد في ارتفاع وتيرة الحديث عن تفاهمات يُعتقد أنها تمت بين الفخفاخ وراشد الغنوشي في ربع الساعة الأخير، وخاصة أن الملفات العالقة والمُعقدة والمُتشابكة التي جعلت الائتلاف الحكومي يتصدع بسبب الخلافات التي تنخره، تدفع باتجاه مُعاكس لذلك التأكيد، ولاسيما أن مشاكل الفخفاخ لا تتوقف عند تلك الخلافات، إنما تتجاوزها إلى التداعيات الخطيرة التي باتت تُهدد مسيرته السياسية.

وتتعلق تلك التداعيات بإفرازات قضية تتصل بشبهة تضارب مصالح بين شركة على ملك الفخفاخ حصلت على عقد حكومي كبير في مجال الاستثمار البيئي. وأضافت هذه القضية أعباء أخرى بأبعاد أخلاقية، جعلت رئيس الحكومة التونسية يُواجه عاصفة من الانتقادات قلصت مساحة المناورة لديه، وفتحت في الوقت نفسه ثغرة أمام حركة النهضة للمزيد من الضغط عليه، وإضعاف موقفه، ودفعه إلى فك الارتباط مع الرئيس قيس سعيد.

وخلف هذا الوضع شكوكا وتساؤلات حول مشروعية الثقة بالنفس التي أبداها الفخفاخ، كما عززت توجس الأوساط السياسية من وجود “صفقة ما”، ارتفع الحديث حولها مع تحركات “غامضة” سبقت الجلسة البرلمانية العامة، وترافقت مع تسريبات عن لقاءات غير مُعلنة يتردد أنها تمت بين الفخفاخ والغنوشي.

وفي تفاصيل تلك التسريبات، يتردد أن اجتماعا بين الغنوشي والفخفاخ تواصل إلى غاية الساعة الثالثة من فجر الخميس، تم عقده بعد مأدبة عشاء بمناسبة الذكرى الـ64 لتأسيس الجيش التونسي، جمعت مساء الأربعاء على طاولة واحدة بين رئيس الجمهورية، ورئيس الحكومة، ورئيس البرلمان، الذين لم يلتقوا منذ عشاء إفطار نظّم في شهر رمضان الماضي.

وانتهى ذلك الاجتماع، بحسب تلك التسريبات، بـ”خضوع” الفخفاخ لإملاءات حركة النهضة، وخاصة منها إبعاد حركة الشعب من الائتلاف الحكومي، وضم حزب قلب تونس للحكومة، مقابل الإبقاء عليه رئيسا للحكومة، ودعمه في البرلمان من خلال توفير الحزام النيابي المناسب لتمرير قراراته.

وبالتوازي مع ذلك، أطلق مقربون من رئاسة الحكومة سلسلة من التسريبات الأخرى التي تلمح إلى أن الرئيس قيس سعيد قد يكون طلب من الفخفاخ الاستقالة، حتى يعود إليه من جديد ملف تشكيل الحكومة، وبالتالي قطع الطريق أمام مناورات الغنوشي، الذي يسعى لإعادة ورقة تشكيل الحكومة إلى حركته.

ولا يستثني الغنوشي في مناوراته مُحاولة إرباك الرئيس قيس سعيد لإضعاف موقفه الرافض للمقاربة السياسية المتعلقة بطبيعة وشكل الحكومة التي تعرضها حركة النهضة للخروج من الأزمة السياسية الراهنة، خاصة بعد تأكيده أن توسيع الائتلاف الحكومي وفق رؤية النهضة “سيؤدي إلى تفكك حكومة الفخفاخ”.

وضمن هذا المشهد الذي تأخذ فيه مناورات الغنوشي سياقات مُلتوية، تُملي فرضيات مُتعددة دون أن تخرج من دائرة “الصفقة” التي من شأنها إعادة رسم الواقع وفق حسابات جديدة، لم يتردد النائب عن حركة الشعب، هيكل المكي، في القول “أخشى أن يكون الموضوع مدخلا من النهضة لإخضاع وابتزاز الفخفاخ”.

اقرأ أيضاً:

1