هل يزيد عقاب التلميذ من تحصيله الدراسي أم يصيبه بالسلبية

تباينت الآراء حول استخدام العقاب كوسيلة لتقويم الطالب وزيادة تحصيله الدراسي، فهناك من يؤيدون تلك الفكرة، مؤكدين أنها وسيلة فعالة لتعديل سلوك الطلاب في المدرسة وزيادة استيعابهم، نظرا إلى أن الطفل لا يستجيب للدراسة والمذاكرة من تلقاء نفسه، لذلك لابد من الضغط عليه بشتى الوسائل لحثه على الدراسة والتعلم، في حين يرى آخرون أن مثل هذه الطريقة من شأنها أن تؤثر سلبا على نفسية الطالب وسلوكياته، وقد تأتي بنتيجة عكسية وتصبح وسيلة لفشله ورسوبه الدراسي.
الأربعاء 2016/12/28
الضرب يهين الطفل

يستخدم الأولياء في غالبية الدول العربية العقاب الجسدي للأطفال لحثهم على التحصيل الدراسي وتحقيق النجاح الذي تريده الأسرة، وفي معظم الحالات التي يستخدم فيها الوالدان العقاب يريان أنهما بذلك يحققان مصلحة للطفل، وأن هذا العقاب يدفع إلى التفوق في المدرسة والمزيد من التحصيل، ومن ثم التفوق والوصول إلى أعلى المراكز المرموقة، على الرغم من اختلاف معظم المختصين في الشأن التربوي والنفسي، الذين يؤكدون أن 80 بالمئة من شخصية الإنسان يتم تشكيلها خلال الخمس سنوات الأولى من عمره، وهو ما يؤكد أن تعرض الطفل للعقاب البدني أو الإيذاء اللفظي يتسبب في أضرار نفسية كبيرة له في ما بعد.

ووجدت دراسة أميركية أن 89.7 بالمئة من الأشخاص يوافقون على استخدام العقاب بشكل عام في المرحلة الابتدائية، مؤكدين أن مشكلة العقاب من المشكلات الخطيرة التي تعاني منها المدارس الابتدائية، وأنه يعتبر طريقة تقليدية ومتبعة في الغالبية العظمى من المدارس الابتدائية حول العالم.

كما أظهرت الأبحاث الأميركية أن العقاب من شأنه أن يعزز أداء الطفل في الدراسة، على الرغم من اعتقاد الكثيرين بأنه لا يعتبر وسيلة تربوية لتقويم وترشيد الطفل وحثه على السلوكيات الصحيحة أو الاهتمام بدراسته، حيث توصل باحثون من جامعة نيويورك الأميركية، إلى أن العقاب يعد من أهم الوسائل التي تساهم في تعزيز وتقوية أداء الطالب، وهو يعتبر مثل المكافأة والثواب.

ورأى الباحثون أن النتائج التي تم التوصل إليها في هذه الدراسة تكشف عن حقائق جديدة حول آلية عمل وظائف المخ، والتي من شأنها أن تؤدي إلى تطوير طرق جديدة للكشف عن تطور بعض الاضطرابات العصبية والنفسية مثل مرض التوحد وفرط الحركة، بالإضافة إلى سرعة اتخاذ القرار الصائب.

العقاب من المشكلات الخطيرة التي تعاني منها المدارس الابتدائية، ويعتبر طريقة تقليدية متبعة حول العالم

وفي هذا السياق، يقول كمال مغيث، الباحث بالمركز القومي للبحوث التربوية في القاهرة “لا يوجد في الغرب عقاب للطالب في المدرسة إلى حد كبير لكنه يتمثل في حرمان من بعض الامتيازات”، لافتا إلى أن هناك مدرسة شهيرة في إنكلترا تستخدم أسلوب الضرب مع طلابها مع التركيز على مستوياتهم العلمية، وتعتبره المدرسة جزءا كبيرا من شهرتها، لكنه لا يعتبر النمط السائد في إنكلترا، بل يعتبر حالة فردية لمدرسة تقوم شهرتها على ضرب تلاميذها، مشيرا إلى أنه يرفض استخدام أسلوب العقاب قلبا وقالبا مع التلاميذ، فمن الممكن استخدام التوبيخ الذي يمكن من خلاله التعامل مع الطالب بشكل أفضل من الضرب ويحقق نفس النتيجة، مع البعد عن الإهانة الشخصية التي يسببها الضرب.

ومن جانبها تؤكد منظمة الصحة العالمية أنه يمكن استخدام العقاب اللفظي لزيادة التحصيل الدراسي عند الطالب وترشيد سلوكياته، والبعد تماما عن العقاب الجسدي الذي من شأنه أن يؤدي إلى عرقلة نمو الدماغ في المراحل الأولى، كما يمكن أن يؤدي الإجهاد الشديد إلى عرقلة نمو الجهازين العصبي والمناعي، ونتيجة لذلك تزيد مخاطر تعرّض الأطفال، الذين عانوا من إساءة المعاملة، لمشكلات صحية وسلوكية ونفسية تؤثر سلبا عليهم عند الكبر.

وعن تأثير استخدام العقاب على نفسية الطالب، يوضح الدكتور محمد فكري، أستاذ الطب النفسي بجامعة عين شمس في مصر، أن الضرب يؤثر بشكل سلبي على نفسية الطالب، واستخدام العقاب كوسيلة لزيادة التحصيل الدراسي يعد من الأخطاء الشائعة التي يستخدمها أولياء الأمور والمدرسون في المدارس، لأن هذا من شأنه أن يؤدي إلى اضطرابات شخصية وجسمانية منها الإصابة بالاكتئاب، وعدم القدرة على النوم، مع انخفاض في وزن الطفل وعدم النمو، بالإضافة إلى وجود مشكلات في الدراسة والقدرة على التحصيل.

كما أشار إلى أن الطفل عند استخدام أسلوب العقاب معه يكون عنيفا إلى أقصى الدرجات مع كل من حوله، بسبب رغبته في رد العنف الذي مورس عليه، وشعوره بأنه غير مرغوب فيه سواء من قبل الوالدين أو المعلمين، ولا يزول هذا الشعور إلا من خلال الدعم المعنوي للطفل عن طريق شعوره الدائم بالحنان والعاطفة من الوالدين.

ويضيف فكري قائلا إن الضرب والعقاب بشكل عام لا يعتبران الطريقة السليمة في تربية الأطفال، لأن أغلب الدراسات الحديثة تؤكد أن الطفل حتى عمر التسع سنوات لا يستطيع أن يدرك العلاقة بين الخطأ الذي قام به وبين العقاب الجسدي والألم الذي يشعر به، ونتيجة طبيعية أن الضرب لا يحقق النتيجة المطلوبة سواء في التحصيل الدراسي، أو في أي شيء آخر في الحياة، لافتا إلى أن الطفل الذي يتم عقابه قد يُصاب بأقصى درجات السلبية واللامبالاة أو أقصى درجات العنف والعناد.

وشدد على ضرورة الابتعاد عن تلك الوسيلة غير التربوية، لأن الدراسات توضح أن 95 بالمئة من حالات ضرب الأطفال تكون ناتجة عن انفعال أحد الوالدين ومحاولته لإخراج هذه الطاقة السلبية في الطفل، مشيرا إلى أن هناك العديد من الطرق التي يمكن استخدامها، والتي تزيد من التحصيل الدراسي للطفل، ومنها حرمانه من الأشياء المحببة أو التوبيخ البسيط له، مع التأكيد على أنه شخص جيد ومحبوب، ولكن مواقفه هي التي تحتاج إلى تقويم.

أما البدائل التي يمكن استخدامها كبديل عن العقاب، فيؤكد عبدالحفيظ طايل، الخبير التربوي، أن غالبية الدول الأوروبية تستخدم بدائل لعقاب التلاميذ، فكل مدرسة تعد نظاما تتبعه في أسلوب معاقبة التلاميذ، ويأتي على رأسها حرمان الطالب من التحفيز، لأن هناك ارتباطا نفسيا عند الطفل بينه وبين معلمه، وعند تربيته على الضرب فسيكون هو وسيلة العقاب الوحيدة بالنسبة إليه، أما الحرمان من المكافأة والتحفيز فيعد العقاب الأفضل لأنه ليس بدنيا، لأن الضرب دائما ما يهين الطفل، مشيرا إلى أن أغلب المدارس تعاني من كارثة عدم وجود أخصائيين اجتماعيين لكي يستوعب الطالب ويستطيع معرفة المشكلات التي يعاني منها وتفاديها قبل تطورها.

21