هل يستطيع الإنسان أن يخفي شيخوخته

نلاحظ أحيانا تسارع ظهور علامات الشيخوخة على أشخاص لا تزال سنهم بعيدة بعض الشيء عن السن التي تندرج، عادة، ضمن هذه المرحلة العمرية، وفي أحيان أخرى ندهش عند رؤية من ناهزت أعمارهم الستين والسبعين ولا تزال بشرتهم نقية وتحتوي بالكاد على بعض الشوائب. لمعرفة العوامل المسببة لذلك، درس الباحثون الأسباب الحقيقية المؤثرة في نسق تقدمنا في السن.
الاثنين 2018/01/22
الساعة الزمنية يمكن أن تنفصل عن الساعة الحيوية للإنسان

برلين – “شباب للأبد”، أراد أفراد فرقة ألفا فيل الغنائية أن يبقوا شبابا للأبد عندما كتبوا أغنيتهم التي حققت مبيعات قياسية في الثمانينات. في هذه الأغنية ردد فرونتمان ماريان غولد عبارة “من القسوة أن يصبح الإنسان عجوزا دون أي سبب”.

إنها معاناة يدركها الكثير من الناس وتضخ المليارات سنويا في خزائن صناع أدوات التجميل، رغم أن تزايد التجاعيد وتكاثر الشعر الأبيض وبقع الشيخوخة لا تواجه فقط بالمراهم والمستحضرات.

ما لا يعرفه الكثيرون يتوقف على مدى سرعة ظهور علامات الشيخوخة على جيناتنا وكذلك بشكل جوهري على شكل تصرفاتنا ومكان عيشنا وكيفية تعاملنا مع البيئة.

الأرقام واضحة، على الأقل في ما يتعلق ببشرتنا أكبر أعضاء الجسم الظاهرة “حيث أن 20 إلى 30 بالمئة من تغيرات الجلد سببها عوامل جينية في حين أن نسبة 70 إلى 80 بالمئة الباقية منشؤها تأثيرات بيئية، على سبيل المثال من خلال الأشعة فوق البنفسجية وتلوث الهواء” حسبما أوضح يان كروتمان، رئيس معهد لايبنيتس لأبحاث طب البيئة.

على من يريد أن يفهم السبب وراء الارتباط القوي بين التغيرات في شكلنا بالبيئة والسلوك، أن يلقي نظرة دقيقة على خلايا جسم الإنسان “فالشيخوخة لا تطال عضوا واحدا أبدا، حيث يشيخ الكائن كله بشكل إجمالي، أي أن التغيرات الظاهرية ذات صلة بعملية شيخوخة كاملة ويمكن أن تكون مؤشرا على حالة جسمنا” حسبما أوضح مارتن دينسل من معهد ماكس بلانك لأحياء الشيخوخة.

وأضاف بلانك “إذا كان غذاؤنا دهنيا وشربنا الكحول ودخنا أو تعودنا أن نستلقي فترة طويلة معرضين لأشعة الشمس، فإننا نعرض جسمنا لضغط حيوي، ويتسبب ذلك في أضرار جزيئية في الحمض النووي على سبيل المثال سواء لدى الشباب أو الكبار”.

وتابع دينسل “تحدث مثل هذه الأضرار آلاف المرات كل دقيقة، ولكن بينما يراقبها الجسم الشاب جيدا ويعيد إصلاحها بسرعة، فإن الجسم الأكبر عمرا أقل قدرة على فعل ذلك”.

وأشار إلى أن “الشيخوخة تعني أن قدرة الجسم على التعامل مع الضغوط العصبية تتراجع، لذلك فإن تحورات تحدث وتتراكم في الحمض النووي لخلايا الجسم، مما قد يسهل فشل أعضاء الجسم أو نشأة أورام خبيثة”.

هناك تأثيران مرئيان على الجلد لهذه التغيرات في الخلية “إنها من ناحية تغيرات في لون البشرة حيث تصبح البشرة غير متناسقة اللون ويمكن أن تظهر عليها بقع الشيخوخة، ومن ناحية أخرى فإن مرونة الجلد تتراجع، أي أن تجاعيد تتكون” حسبما أوضح كروتمان.

ويمكن التعرف بالعين المجردة على الفرق بين شيخوخة الجلد ذات الأسباب الجينية وشيخوخة الجلد الناتجة عن تأثيرات خارجية “فكلنا تتكون لديه في الكبر تجاعيد خفيفة ولكن إذا كانت هناك، إضافة إلى عنصر الشيخوخة، عوامل بيئية، فإن التجاعيد تكون أعمق ويتكون الكولاجين، أحد بروتينات الأربطة”.

الشيخوخة تعني أن قدرة الجسم على التعامل مع الضغوط العصبية تتراجع، لذلك فإن تحورات تتراكم في الحمض النووي للخلايا

يجري كروتمان وزملاؤه تجارب في المختبر لمعرفة ما الذي يعاني منه الجلد البشري بشكل خاص؟ وما الذي يغيره ويجعله يشيخ؟

فبينما توسع الباحثون في دراساتهم بشأن التأثير الضار، بل والمسبب للسرطان، للأشعة البنفسجية أو دخان التبغ وأثبتوا هذا التأثير، لا تزال الأبحاث بشأن تأثير تلوث الهواء على جلد الإنسان في بداياتها.

يقوم الباحثون خلال هذه التجارب بوضع أجزاء من الجلد على أطباق وملامستها بمواد ضارة “فعندما نمسح الجلد بالغبار العالق في الهواء نجد أنه أصبح بنيا” حسبما أوضح كروتمان، مؤكدا أنه وزملاؤه وجدوا أن “سخام محركات الديزل بشكل خاص يضر البشرة كثيرا”.

ولم يتمكن الباحثون حتى الآن من بحث ما إذا كان هذا السخام يتسبب في زيادة خطر إصابة الإنسان بسرطان الجلد، إلى جانب تسببه في حدوث تغيرات في لون البشرة.

وإلى جانب مؤثرات خارجية على ظهور علامات الشيخوخة، هناك أيضا مواد نتناولها عن طريق الفم تجعل الإنسان يبدو شيخا.

خلصت دراسة أجراها باحثون في جامعة جنوب الدنمارك، ونشرت قبل بضعة أسابيع في مجلة “ايبيديمولوجي اند كوميونتي هيلث” للصحة، إلى أن تناول المشروبات الكحولية والتدخين بشكل كثيف يمكن أن يتسبب في ظهور علامات خارجية للشيخوخة الجسدية حيث تبين أن ظهور تجاعيد، عند شحمة الأذن لدى الأشخاص الذين شملتهم التجارب، يزيد بوضوح من وجود ما يعرف بأقواس الشيوخ حول حدقة العين والطبقة البنية التي تميل للصفار على الجفون.

وحلل الباحثون خلال الدراسة بيانات جمعت على مدى سنوات طويلة لـ11500 بالغ من منطقة كوبنهاغن، وتبين لهم خلال ذلك وبشكل متكرر أن هناك تفاوتا في ظهور الشيخوخة بين الأشخاص رغم تشابه الظروف التي يعيشون فيها.

ويشير ذلك إلى أن التأثير الضار للعناصر الخارجية على أشخاص يختلف باختلاف سماتهم الجسدية. وأوضح دينسل أن “البشر لهم طبيعة جينية مختلفة، فهناك أشخاص يبلغون من العمر أكثر بكثير من 100 عام، رغم أنهم ربما دخنوا وشربوا الكحول”.

وأشار دينسل إلى أن هذه الاختلافات بين الناس تكون واضحة في الكثير من الأحوال “حيث يمكن أن تنفصل الساعة الزمنية عن الساعة الحيوية للإنسان، ويمكن أن يكون الظهور في سن الشباب مؤشرا على أن الإنسان ظل شابا من الناحية الحيوية”، أي أنه حتى وإن لم يستطع الإنسان تحقيق حلم التمتع بالشباب للأبد بشكل كامل، فإن هناك عناصر تؤثر على سرعة شيخوختنا وظهور هذه الشيخوخة أيضا.

وبينما لا نستطيع أن نؤثر على جيناتنا، فإننا يمكن أن نؤثر في عوامل مثل شرب الكحول والتدخين والعادات الغذائية والحماية من أشعة الشمس ونقاء الهواء. إذا صدقنا الخبراء فإنه ليس هناك أحد يشيخ “بلا أي سبب”، حتى أفراد فرقة ألفا فيل الموسيقية.

17