هل يستطيع شاعر أو روائي أن ينأى بنصه عن الأيديولوجيا

الأدب والأيديولوجيا في علاقة أكثر عمقا من الصورة الميكانيكية التقليدية.
الجمعة 2019/12/06
الأدب يقوم بإنتاج الأيديولوجيا (لوحة للفنان زكرياء رحماني)

تكررت في السنوات الأخيرة مقولة جاهزة تؤكد موت الأيديولوجيا، وتصر على أن الأدب قاطع الأيديولوجيا، وانتهى الأدب الأيديولوجي أو الملتزم، بعبارة أكثر دقة. ولكن هذه النظرة تبقى سطحية لا تنفذ إلى عمق العلاقة بين الأدب والأيديولوجيا، ولا تأخذ في اعتبارها أن الأدب بدوره يصنع الأيديولوجيا.

في هذه الأيام لا يخلو أي نقاش حول مضامين وأشكال الأجناس الأدبية من التشديد على مصطلح الأيديولوجيا سواء عند تحليل النصوص أو عند التفكير في الأسس التي تقوم عليها نظرية الأدب، أو في آليات تأويل هذه النصوص.

في هذا الخصوص نجد كلمة الأيديولوجيا تستخدم، في كثير من الأحيان، كمرادف للأدب المسيس والمباشر الذي ينحاز إلى عقيدة معينة، وبسبب هذا تلصق بهذا النوع من الأدب، سواء كان شعرا أو رواية أو قصة قصيرة أو مسرحية صفات “أدب العمال، أو شعر الانتفاضات الشعبية، أو قصة الثورة الزراعية، أو مسرح الفلاحين”.

وجراء ذلك ينعت هذا النوع من الإنتاج الأدبي بأنه أدب قطاعي ينشغل بقطاع معين من المجتمع، وجراء ذلك يتهم غالبا بالمحدودية أو بالتحيز، أو بالتمثيل الجزئي لفئة محددة على حساب فئات أخرى.

وعي زائف

من المعروف أن عددا من المفكرين قد حاولوا الابتعاد عن هذا النمط من التنظير التقليدي واقترحوا استبدال فكرة الأيديولوجيا بفكرة الالتزام في دراسة النصوص الأدبية، وذلك رغبة منهم في التخفيف من حدة الولاء السياسي أو العقائدي الضيق للأدب. وفي هذا الشأن هناك من تدخل منهم ليميز بين الإلزام وبين الالتزام الطوعي والتلقائي، وفي النقد العربي المعاصر نجد، مثلا، رئيف خوري في كتابه “الأدب المسؤول” ينهج هذا النهج، وهناك أيضا مداخلات أخرى تضغط باتجاه التمييز بين الأدب للحياة وبين الأدب الهادف إلى ترسيخ موقف سياسي أو عقيدة محددة في المجتمع.

التمييز ضروري بين الأدب للحياة والأدب الهادف إلى ترسيخ موقف سياسي أو عقيدة محددة في المجتمع

وفي فرنسا، مثلا، هناك النقد الأدبي الفكري الذي يشدد أصحابه على فكرة الالتزام بمعناه الواسع، أي الالتزام بالإنسان في صراعه ضد قوى الطغيان والدكتاتورية من أجل الدفاع عن الحرية والكرامة.

وفي هذا الصدد برز سارتر بفهمه للالتزام على أساس الموقف الفلسفي الوجودي الذي يعنى بتكريس شرط الحرية وخرق معايير الأيديولوجيا المفروضة وذلك في كتبه “ما هو الأدب”، و“دروب الحرية”، و“مواقف”، وهناك أيضا النقد الذي يرافع من أجل جعل الأدب ناطقا بلسان اللاوعي قصد خرق وقائع الوعي الأيديولوجي القسري والبنيات الاجتماعية التي تسند هذا النمط من الوعي.

ومن الطريف في هذا الخصوص هو أن مؤرخي الأفكار قد سجلوا أن أول من نحت مصطلح أيديولوجيا بحمولته الفكرية هو فيلسوف اهتم بالبحث عما سماه بعلم الأفكار وهو الفيلسوف الفرنسي ديستات دو تراسي، وليس ماركس في تحليلاته للاقتصاد السياسي والفكر الأيديولوجي الألماني كما هو شائع في تاريخ الأفكار.

وهنا نتساءل: هل يستطيع الشاعر أو الروائي، مثلا، أن ينأى بقصيدته أو بروايته عن الأيديولوجيا كوعي زائف، أو كمجموعة من الأفكار الجاهزة، والتصورات والعقائد والمثل والقيم المتحيزة، والتبريرات للواقع التي تغطي مصالح معينة لهذه المجموعة البشرية أو لطبقة من الطبقات؟ وهل يمكن التسليم مع جان بول سارتر بأن الشاعر بشكل خاص ينبغي أن يكون في حل من الالتزام لأنه يتعامل مع المتخيل وليس مع الواقع وحيثياته؟ ولإزالة الغموض عن هذه المسألة قام النقد المعاصر بالتمييز بين الأيديولوجيا الصغرى المعينة التي تسم معتقد مجموعة من الناس وبين الأيديولوجيا الشاملة التي تقوم على أساس تكريس وتنميط أسلوب حياة كاملة في هذا المجتمع أو ذاك.

إنتاج الأيديولوجيا

لوحة: جورج البهجوري
لوحة: جورج البهجوري

من الواضح أن نظرية الأدب في علاقتها السجالية بالأيديولوجيا في البلدان الغربية ما فتئت تشهد تطورات ملحوظة منذ الستينات من القرن العشرين إلى يومنا هذا.

ويمكن رصد قسمات هذا التطور في تضافر حقول الفلسفة، والعلوم الاجتماعية واللسانيات، والتحليل النفسي من أجل تحليل تعقيدات العلاقة بين الأدب كتخييل وبين السياسة كوقائع وأحداث يومية.

وفي الواقع فإن الفضل في تطوير النقاش حول هذه المسألة يعود إلى عدد من المفكرين المعاصرين منهم المفكر الفرنسي لوي ألتوسير الذي وظف التحليل النفسي بشقه الفرويدي – اللاكاني لفهم كيف تعمل الأيديولوجيا وكيف تشكل ذوات وهويات الأفراد، وكيف يعاد إنتاجها عمليا في السلوك من خلال تجييش أجهزة الدولة الأيديولوجية القمعية وأجهزة الدولة الناعمة من جهة، وكيف تلبس الأقنعة داخل الإنتاج الفني والأدبي من جهة أخرى.

وفي هذا الشأن يؤكد النقاد أن مساهمات ألتوسير قد فتحت فضاء واسعا في عالم الدراسات النقدية الأدبية، كما حدث الشيء نفسه في مجالات أخرى مثل الدراسات الثقافية، والنقد الثقافي والدراسات السينمائية وغيرها.

إذ يرى الناقد الثقافي البريطاني مدان صاروب في دراسته التي تحمل عنوان “الهوية والاختلاف” أن ألتوسير قد فتح آفاقا جديدة لنظرية الأدب حيث تجاوز بذلك التزمت الأيديولوجي التقليدي الذي يتمسك بالفرضية القائلة بأن البنية التحتية هي التي تصنع الوعي، والأشكال الأدبية والفنية، وأنها توفر الشرط الضروري والحتمي لضمان حركة التاريخ.

 وهكذا نفهم أن ألتوسير قد ساهم في بلورة أفكار مهمة تتسم بالجدة وخاصة عند تأكيده أن ظاهرة الأدب ليست نتاجا ميكانيكيا وأحاديا للواقع المادي، وإنما هناك شبكة من العوامل الثقافية، والاجتماعية والرمزية التي تنتج هذه الظاهرة في مراحل تاريخية معينة. كما أبرز أن ثمة علاقة تبادل التأثير بين البنية التحتية والبنية الفوقية في إنتاج النص الأدبي هذا واستدرك بما معناه أن النظرية الأدبية النقدية ينبغي أن تأخذ ذلك بعين الاعتبار.

وزيادة على ما تقدم فإن ألتوسير قد حاجج أن “الأدب يقوم بوظيفة إنتاج الأيديولوجيا”. وهكذا فإن الكشف عن هذه الأيديولوجيا يعد من بين أهم وظائف التأويل النقدي الذي تضطلع به نظرية الأدب والنقد الثقافي، وبهذا الصدد نجد مدان صاروب يوضح قائلا “إننا نوجد كأناس في الأيديولوجيا فقط”، ويعني هذا أن وجودنا كهويات مشروط جبريا بالأيديولوجيات، أما الوعي بهذا ومقاومته وتجاوزه فهو أيضا مشروط بإنتاج الأدب المتعدي أي الأدب الذي يخترق أقفاص الوعي الزائف واستبداله بحساسية أدبية نقدية تعيد تشكيل الذوات المنشقة على مثل هذا الوعي.

14