هل يستطيع عادل عبدالمهدي تنفيذ إصلاحات في العراق

في عهد عبدالمهدي سيظل الفساد يمد لسانه ساخراً من كل شيء وسيبقى ويتمدد، ولن توقفه إلا ثورة العراقيين على هذا الواقع.
السبت 2018/10/13
في انتظار القضاء على الفساد

أثار تعيين عادل عبدالمهدي رئيساً لوزراء العراق موجة من الاحتجاج عبرت عنها مقالات بأقلام كتاب معروفين، وأقلام أقل منها بكثير دافعت عن رئيس الوزراء الجديد، من بينها قيادي بعثي كبير انشق عن الحزب وأصبح معارضاً للرئيس الراحل صدام حسين، هو صلاح عمر العلي، الذي كان مسؤوله الحزبي، أيام كان عبدالمهدي بعثياً قبل أن يتقلب تقلباته المعروفة، التي انتهت به إلى أن يكون قياديا في المجلس الإسلامي الأعلى، ثم مستقلاً بانتظار تقلب آخر. أعادت تلك المقالات إلى الأذهان جريمة مصرف الزوية، التي لفلفت حينها ولم يردّ عليها عبدالمهدي إلا ببيان من كلمات مقتضبة.

والحقيقة أن الواقع العراقي منذ الاحتلال سنة 2003، تظهر فيه كل يوم جريمة سياسية، ظاهرة للعيان أو خفية، المتورط فيها سياسيون. وكل جريمة سياسية تُرتَكَب في العراق، تصبح أكثر بشاعة من الأخيرة لتزيحها بذلك من “عرش” الفساد في العراق، لكن جريمة سرقة مصرف الرافدين في منطقة الزوية ببغداد في أغسطس 2009 بقيت “أمّ الجرائم”، لأن الحكومة العراقية نفذتها ضد نفسها، وكان تمهيد الطريق لتنفيذ الجريمة (سحب سيارات الشرطة من مسرح الجريمة قبل وقوعها) تم من قِبل الدولة، وكان منفذو الجريمة يعملون في الدولة، ورئيس العصابة التي نفَّذت العملية (جعفر شكاية خضير التميمي) ضابط في الدولة برتبة نقيب (عرضت وزارة الداخلية صورته)، وضحايا الجريمة (حراس تم إعدامهم أمام حائط في قبو المصرف وأيديهم مقيدة خلف ظهورهم) كانوا موظفين في الدولة، والآليات المستعملة في تنفيذ الجريمة تابعة للدولة، والأموال المسروقة تابعة للدولة، وقد نُقِلت الأموال المسروقة إلى مقر جريدة “العدالة” (يا للصدفة) التابعة لمسؤول كبير في الدولة.

هذه المعلومات مُستقاة من تصريحات مسؤولين في الدولة: وزير الداخلية في حينه جواد البولاني، والناطق باسم الوزارة اللواء عبدالكريم خلف وغيرهما. وبعد نشر هذه المعلومات، أصدر عبدالمهدي بياناً مقتضبا كرد على ورود اسمه في الجريمة، جاء فيه “إننا ننأى بأنفسنا عن الدخول في مماحكات”، هكذا بكل بساطة.

لم يفند عبدالمهدي التهم الموجهة إليه لضلوعه في هذه الجريمة بعد إسناد رئاسة الحكومة إليه ولم يرد عليها، في استخفاف واضح بالشعب، كما درج المسؤولون الذين نصبهم الاحتلال، منذ البداية.

عند وقوع جريمة مصرف الزوية أُصيب العراقيون بصدمة كبيرة، بعضهم وصف الجريمة بأنها بمنزلة “زلزال” سيطيح برؤوس كثيرين من بينهم رئيس الوزراء، في حينه، نوري المالكي، وعادل عبدالمهدي، ووزير الداخلية، بل بكبار رؤوس حزب الدعوة والمجلس الإسلامي الأعلى (باعتبار المالكي الشخص الثاني في حزب الدعوة، وعادل عبدالمهدي الشخص الثاني في المجلس). لكن الزلزال لم يحصل ولم يُطح برؤوس مدبري العملية ومنفذيها، سواء الكبار منهم أم الصغار، وطويت الجريمة بأكملها، مثلما طويت المئات من سابقات لها ولاحقات تورط فيها كبار المسؤولين من رؤساء وزارات إلى وزراء ونواب وقادة في الجيش.

ولماذا يرد عادل عبدالمهدي على اتهامه بالضلوع في هذه الجريمة بعد مضي أكثر من تسع سنوات على ارتكابها؟ لماذا يرد الآن، وهو لم يعبأ حينها بالصدى الذي أحدثته وما تضمنته من إزهاق أرواح أبرياء كانوا ينفذون واجبهم؟ لماذا يرد الآن على الاتهامات وهو لم يرد عليها عندما كان يُقال وقتها إن زلزالا سيقع في العراق بسبب بشاعة الجريمة؟ لماذا يرد الآن على تهمة لم تصل في وقتها إلى مرتبة رفع دعوى قضائية رسمية ضده؟ لماذا يرد إذا كانت الدولة المسروقة راضية؟ وإذا كانت عائلات الحراس الشهداء ساكتة أو قبلت بتعويض؟ لماذا يُذكِّر الناس الآن بجريمة بشعة وهو يدخل مبنى رئاسة الوزراء رئيسا؟ هل يستطيع عبدالمهدي، بعد هذا كله، تنفيذ إصلاحات في العراق وهذه المفسدة معلقة في رقبته؟

ثم إذا غضضنا النظر عن هذه الجريمة، كيف يمكنه تنفيذ إصلاحات وتقديرات الأمم المتحدة تقول إن العراق يحتاج إلى تريليون دولار لإعادة بناء بنيته التحتية وقاعدته العلمية، وتغطية حاجياته من المدارس والمستشفيات والمعاهد، ليعود مثلما كان قبل احتلاله في 9 أبريل 2003.

إن الفساد يجلب الميليشيات، والميليشيات تجلب السرقة والسطو والاختلاس والرشى والخطف والتصفيات والمحاكم خارج إطار الدولة والقتل خارج القانون وعدم الاستقرار… إلخ، وعادل عبدالمهدي هو ابن ميليشيا منظمة بدر، وابن العقلية التي أسست الفوضى في العراق عقب احتلاله وتعاونه مع الدولة المحتلة. إذن كيف ينفذ إصلاحات من بنى فساداً وميليشيات؟

في عهد عبدالمهدي سيظل الفساد يمد لسانه ساخراً من كل شيء وسيبقى ويتمدد، ولن توقفه إلا ثورة العراقيين على هذا الواقع الفاسد.

9