هل يستوعب الإعلام المصري الدرس من إفساد العلاقة مع المغرب

الثلاثاء 2015/01/06
وسائل الإعلام كانت سببا رئيسيا في التصعيد الذي شهدته العلاقات المصرية المغربية مؤخرا

لندن - انزلاق وسائل الإعلام إلى هوة غياب المهنية، وعدم المسؤولية، والانجرار وراء المهاترات، خلف أزمة دبلوماسية بين مصر والمغرب، تتحمل مسؤولية إطلاق شرارتها وسائل الإعلام بالدرجة الأولى.

فشلت وسائل الإعلام المصرية والمغربية في تقديم صورة واقعية عن الأزمة الدبلوماسية التي تصاعدت مؤخرا بين البلدين، في الوقت الذي لم يطلع فيه السياسيون وسائل الإعلام على حقيقة الخلاف والأسباب التي تقف وراءه.

ويرى كثيرون أن الحكومة المصرية لم تستوعب حجم الغضب الذي تملك المغاربة نتيجة تجاوزات بعض الإعلاميين في مصر تجاه الرباط.

ويقول دبلوماسي مصري رفيع، تحدث إلى “العرب” طلب عدم الكشف عن هويته، إن الحكومة المصرية “لم تحل مشكلة (المذيعة أماني الخياط) كما كان ينبغي، بل تركت الجرح المغربي يتعمق معتقدة أن المشكلة قد حُلت”.

واعترف المصدر بأن “مصر تعاني من مشكلة كبيرة تتمثل في الانفلات الإعلامي من قبل البعض، وهو ما يؤثر أحيانا على السياسة الخارجية العليا للدولة”.

وتسعى الحكومة المصرية الآن إلى احتواء الأزمة في أسرع وقت ممكن. وقال المصدر نفسه: “هناك تكليفات حازمة صدرت للسفير المصري في الرباط بحل المشكلة، وإن لم يتمكن فوزير الخارجية على استعداد للسفر إلى المغرب في أي وقت”.

القضية أثارت استياء الإعلاميين والصحفيين، باعتبارها مؤشرا على انزلاق الإعلام العربي إلى فخ غياب المهنية وعدم المسؤولية، ويرى الكاتب الصحفي عبدالباري عطوان أن “غياب المهنية والاستقلالية عن معظم الوسائل الإعلامية العربية، والتلفزيونية منها على وجه الخصوص، وسيطرة بعض مراكز القوى من خلال “رأس مال” غير معروفة مصادره، واحتمال جمعه وتكوينه من صلب الفساد والإفساد، وحصر الحرية في “الردح” و”السب” و”الشتم” لكل من تختلف معه الحكومة المسيطرة شخصيا أو نظام حكم، كلها عوامل أدت، وتؤدي إلى الحالة المزرية التي تشهدها العلاقات العربية العربية هذه الأيام”.

عبد الباري عطوان: "غياب المهنية عن معظم الوسائل الإعلامية العربية أدى إلى الحالة المزرية"

وأضاف: “نفهم أن ‘تنحرف’ بعض محطات التلفزة المصرية إلى هذا المنزلق، وتهاجم هذا الطرف أو ذاك بأفظع الألفاظ والاتهامات، فهناك إرث إعلامي ‘عريق’ لديها في هذا المضمار، ولكن ما لم نفهمه هو أن تحذو بعض المحطات ‘الرسمية’ المغربية الحذو نفسه في مضمار ليست ضليعة فيه ولا يجب أن تنزلق إليه أساسا”.

ويرى مراقبون أن الإعلام في العالم العربي بشكل عام وعلى أرضية الأزمة بين مصر والمغرب بصفة خاصة، ضحية لتحكم الحكومات في التوجهات الإعلامية وتوظيفها لما يخدم مصالحها.

ويقول المراقبون إنه ما كان لأجهزة الإعلام، وخاصة المرئية منها، أن تقع في هذا الفخ بعد تطاول مذيعة مصرية مغمورة على الشعب والحكومة المغربيين وفصلها من القناة الخاصة التي كانت تعمل بها.

لكن آخرين يرون أن وسائل الإعلام سبب رئيسي في التصعيد الذي شهدته العلاقات المصرية المغربية مؤخرا، ولم تكن الأزمة لتصل إلى هذا الحد من التراشق إذا لم يعمقها بعض الإعلاميين، وعلى رأسهم الخياط، منذ البداية.

ووجد الأكاديمي المغربي يحيى اليحياوي، أن التحامل على المغرب من لدن فصيل في الإعلام المصري، أدى به الاندفاع إلى درجة تعكير صفو العلاقة بين بلدين عربيين بعيدين جغرافيا، مختلفين في طبيعة نظام الحكم، لا ترسبات سياسية أو عقائدية بينهما، ولا اتهامات مسبقة لبعضهما البعض على أساس من القول “بالتدخل في الشؤون الداخلية”، أو خلفية الادعاء بالتآمر الضمني، أو الزعم بانحياز المغرب إلى هذه الجهة أو تلك ضد مصالح مصر، أو العكس بالعكس؟

وعلق دبلوماسي مغربي رفيع المستوى أن “هناك سلسلة من التقارير الإعلامية المصرية التي أساءت للرباط ومشاعر الشعب المغربي، وذلك لم يحدث مرة واحدة، بل مرات متكررة”.وتابع أن “التغطية الإعلامية المغربية حادث وانتهى، ويجب على كل الأطراف الإعلامية ألا تقترب من مشاعر المغاربة، وعلى الجميع أن يتحمل مسؤولياته إزاء البلدين، لاسيما وأن هناك خصوما للبلدين يحاولون إحداث وقيعة بينهما”.

يحيى اليحياوي: "التحامل على المغرب في الإعلام المصري أدى إلى تعكير صفو العلاقات"

في الجانب المصري، كان تفسير الأزمة مختلفا، إذ قال مصدر دبلوماسي إن “سبب الأزمة يرجع إلى محاولات قيادات من جماعة إخوان مصر لتحريض إخوان المغرب، على افتعال أزمة مع مصر، لاسيما عقب المصالحة المصرية القطرية، وذلك بغرض إفساد العلاقات بين مصر والمغرب، والحصول على مأوى في الرباط كبديل عن الدوحة”.

ورأت وسائل الإعلام المصرية، أن هذا التغير المفاجئ في الموقف المغربي “يأتي ضمن المخطط الذي تحاول الجماعة الإرهابية من خلال عناصرها في المغرب ودول أخرى الإساءة للعلاقات ما بين الدولتين”.

من جهته قال محمد العليمي، سفير المملكة المغربية بالقاهرة: “إن ما تداولته القناة الأولى هو محاولة من شخص غير معروف للوقيعة بين البلدين”، مضيفا: “لا نريد أن نسقط في هذا الفخ، ونطالب الإعلام بأن ينبذ أي محاولة تهدف إلى الإساءة للبلدين”.

في أعقاب ذلك، سارعت السفارة المصرية في المغرب إلى اتهام “جماعة الإخوان” بالضلوع والتورط في هذا “المخطط” وقالت (السفارة) في بيان لها: “شرحنا للأخوة في المغرب حقيقة ما حدث، وأوضحنا لهم مخطط “الإرهابية” الإعلامي الذي يعمل على الإساءة للدول الشقيقة التي وقفت إلى جانب مصر بعد ثورة 30 يونيو ومن بينها المملكة المغربية، بهدف إفساد هذه العلاقات، خاصة أن الملك محمد السادس كان ولايزال من الداعمين للثورة المصرية، وهو ما دفع الجماعة الإرهابية إلى الهجوم عليه، لكن بطريقة توحي بأن الهجوم صادر من القاهرة ومن شخصيات مصرية، لكن تكشفت الحقائق كلها أمام الأخوة في المغرب”، غير أن تعليق الدبلوماسيين جاء ليحمل أسبابا متباينة حول الأزمة، كل حسب وجهة نظره، دون وجود رواية رسمية تؤكد ما ذهب إليه كل دبلوماسي.

من جانب آخر، حاول بعض تجار الأزمات استغلال الأمر خاصة عبر المواقع الاجتماعية، ونشطت عبر تويتر حسابات وهمية مغربية تسيء لمصر.

ويطالب نشطاء بتوخي الحذر وعدم الانزلاق إلى حروب إعلامية دونكيشوتية لا دخل للشعبين فيها.

18