هل يستيقظ النظام السياسي العربي من سباته

الخميس 2014/07/03

بإعلان قيام دولة الخلافة الإسلامية من قبل أحد المعتوهين تكون الفوضى الخلاقة التي بشرت بها الولايات المتحدة يوم احتلت العراق قد انتقلت إلى مرحلة جديدة من مراحل اتساع تداعياتها المهلكة.

وهو ما يعني بالضرورة أن المنطقة كلها، وليس العراق وحده، بصدد الانتقال إلى مرحلة جديدة، تكون الحدود فيها بؤرا مشتعلة بسبب انتقال الجماعات المسلحة بأسلحتها وبرامجها الدعائية من مكان إلى آخر، بخفة واطمئنان مَن يتوفر له غطاء سياسي وبيئة حاضنة. فهل بدأت الأمور تخرج عن نطاق السيطرة في العالم العربي؟ ولكن هل كانت تلك الأمور يوما ما تحت السيطرة بما يضمن التصدي للفوضى قبل وقوعها؟

لو أن النظام السياسي العربي كان محكما في سيطرته كما كان يتوهم، لما استطاعت تنظيمات مثل داعش ومن قبلها القاعدة وما بينهما جماعات متشددة عديدة، أن تدخل طرفا في النزاعات المحلية. كان مفهوم السيطرة بالنسبة للحكومات العربية يقوم على أساس القمع الذي تمارسه الأجهزة الأمنية في حق المواطنين العزل، الذين لم يكن لديهم خيار بديل ينجو بهم من التحول إلى مواد في مختبر القمع.

فرغم كل الحديث الطويل السابق عن مساع كانت تبذل من أجل إقامة نظام أمني عربي، فإن الأنظمة العربية نفسها كانت ترى في ذلك النظام نوعا من الانشغال الخارجي الذي من شأنه أن يقيّد حريتها في قمع مواطنيها. بالنسبة للفكر السياسي العربي الحاكم كان الخطر يأتي من الداخل دائما.

أما إذا اخترقت الحدود بين دولة وأخرى، فإن الحديث عن المؤامرة سيكون جاهزا. كان العدو الخارجي وصفة تتم صناعة واستحضار عناصرها على موائد سرية مريبة، يعالجها الإعلام الوطني بكيل الاتهامات إلى دول الجوار.

الآن وقد قلب الإعلان عن دولة الخلافة، وهو محاولة لصناعة واقع افتراضي على أرض تخلت عنها دولها أكثر من أن يكون حقيقة تؤسس لواقع سياسي بديل، بدأت أنظمة سياسية عديدة تشعر بالخوف من أن تتسع دائرة ذلك الواقع الافتراضي لتخترق حدودها، وتلتهم جزءا من أراضيها ولو مؤقتا. لم يكن النظام القمعي العربي مستعدا لمواجهة خطر عصابات، تكتسب قوتها من خلال الانتقال السريع من مكان إلى آخر، في ظل وجود بيئة اجتماعية لم تعد ترى خيرا في استمرار الأنظمة القمعية القائمة. هنا يمكننا الحديث عن ربيع عربي أسود.

رايات دولة الخلافة السوداء هي مؤشر لبداية مرحلة هي الأسوأ في تاريخ العالم العربي المعاصر. إن رؤية تلك الرايات مرفوعة في غير مكان من العالم العربي إنما تجعلنا على يقين من أن النظام السياسي العربي قد استنزف قواه في المكان الخطأ.

لم تكن السيطرة القائمة على قمع السكان المحليين إلا وهما. لقد أحبطت تلك السيطرة أهدافها الحقيقية في صنع واقع أمني، يكون فيه المواطن متصالحا مع الأمن العام. وهو ما أسس لطريقة مخاتلة في النظر إلى القوانين التي كان المواطنون ينتظرون الفرصة لاختراقها.

وهو ما وجد له تجسيدا مثاليا في الفوضى التي اجتاحت العراق بعد احتلاله، والتي لا تزال تلعب دورا كبيرا في صناعة واقعه المتردي. وهو ما يعني أن السيطرة لم تكن حقيقية وأن الدولة في قمعها لم تكن عادلة، وأن هناك فئات كثيرة من الشعب كان قد لحق بها الأذى من غير أن ترتكب ذنبا. وهي الفئات التي سيكون من حقها أن تتبع شياطينها رغبة منها في الانتقام ليس إلاّ.

لم يكن إعلان الخلافة الإسلامية خبرا سارا للجميع. غير أنه كان ضروريا من أجل أن يستيقظ النظام السياسي العربي من سباته.


كاتب عراقي

9