هل يسعى التونسيون لمعاقبة الطبقة السياسية عبر مقاطعة الانتخابات

نقابة أمنية ترى أن نسبة مشاركة رجال الأمن عادية باعتبار ظروف عملهم، ومخاوف من إقبال ضعيف في اقتراع المدنيين.
الثلاثاء 2018/05/01
يوم إستثنائي

تونس - عاد الحديث بقوة في تونس حول عزوف الناخبين عن التصويت في الانتخابات البلدية، وسط حملات مقاطعة تصاعد نسقها مع اقتراب موعد أول استحقاق محلي تنظمه تونس منذ سقوط النظام السابق مطلع العام 2011.

وزاد ضعف نسبة إقبال رجال الأمن والعسكريين على التصويت في يوم الاقتراع المخصص لهم من تأجيج الاحتمالات بأن إقبال المدنيين سيكون متواضعا في محاكاة لنسب الإقبال الضعيفة التي كان عليها تصويت قوات الأمن والجيش الأحد وقبلها تصويت الجالية التونسية في ألمانيا في الانتخابات التشريعية الجزئية التي جرت في أواخر العام الماضي.

وقال الطيب المدني النائب بالبرلمان التونسي عن كتلة حركة نداء تونس، لـ“العرب”، إن ضعف مشاركة رجال الأمن والجيش من أسبابه مشكلات التسجيل التي من أبرزها اشتراط التسجيل المباشر وعدم السماح بالتسجيل عن طريق الإرساليات القصيرة أو الإنترنت.

واعتبر المدني أن نسبة اقتراع رجال الأمن والعسكريين ضعيفة لكنها ستكون نسبة مشجعة للمشاركة في الانتخابات القادمة ليعرف رجل الأمن أو العسكري أن ممارسة حقوقه المدنية أمر مهم.

وقدرت الهيئة العليا المستقلة للانتخابات أن نسبة إقبال رجال الأمن والجيش على التصويت يوم 29 أبريل لم تتجاوز 12 بالمئة، إذ أن 4 آلاف و492 فقط شاركوا في الاقتراع من أصل 36 ألفا و495 عنصرا من قوات الأمن والجيش مدرجين في سجلات الهيئة.

وفي المقابل بالكاد تجاوزت نسبة المشاركة في الانتخابات التشريعية الجزئية لدائرة ألمانيا نسبة 5 بالمئة، وكانت تلك الانتخابات قد جرت في ديسمبر الماضي.

وبرّرت نقابات أمنية المشاركة الضعيفة في الانتخابات البلدية بتزامن عدة عوامل.

وقال مهدي بالشاوش، الناطق الرسمي باسم نقابة موظفي الإدارة العامة لوحدات التدخل، إن نسبة مشاركة رجال الأمن والعسكريين في الانتخابات البلدية “عادية جدا بالنظر إلى ظروف رجال الأمن”.

وبيّن بالشاوش، في تصريح لإذاعة محلية خاصة الاثنين، أن من بين العوامل التي جعلت نسبة المشاركة ضعيفة “عمل عناصر قوات الأمن بنظام 12 ساعة يوم الاقتراع بالإضافة إلى أن عددا كبيرا منهم يعمل في مناطق بعيدة عن المناطق التي يسكنها”.

الطيب المدني: الطريقة الوحيدة لمعاقبة الطبقة السياسية عبر صناديق الاقتراع
الطيب المدني: الطريقة الوحيدة لمعاقبة الطبقة السياسية عبر صناديق الاقتراع

وتابع أن التعزيزات الأمنية المكثفة لتأمين فعاليات حج اليهود في الغريبة بجزيرة جربة من بين أسباب المشاركة الضعيفة لرجال الأمن في الاقتراع.

وانتقد بالشاوش شرط التسجيل في مراكز الاقتراع القريبة من مقر السكن، وهو ما يتعارض مع خصوصية عمل رجال الأمن التي تفرض عليهم التنقل إلى مناطق أخرى في البعض من المهام. كما استنكر عدم قيام هيئة الانتخابات بحملات التوعية بالقدر الكافي لصالح رجال الأمن والعسكريين بشأن أهمية أداء الواجب الانتخابي.

لكنّ أوساطا سياسية وشعبية كثيرة تقول إن ضعف مشاركة رجال الأمن في الاقتراع يشير إلى نجاح حملة المقاطعة للانتخابات البلدية التي أطلقتها نقابة قوات الأمن الداخلي. لكن بالشاوش رفض هذا التحليل، إذ قال إن ”36 ألف رجل أمن وعسكري لا يمكن أن تؤثر عليهم نقابة”، مضيفا “قد تؤثر قليلا لكن ليس بصفة كبيرة”.

وناقش الشارع نسبة الإقبال الضعيفة على الاقتراع لرجال الأمن والجيش، ورأى قطاع واسع من التونسيين أن هذا العزوف ليس سوى عقاب للأحزاب التونسية وللطبقة السياسية عموما بسبب أدائها الضعيف وسوء إدارتها للأزمات التي عاشتها البلاد.

كما يقول هؤلاء إن رجال الأمن والجيش مثل بقية المواطنين فقدوا ثقتهم في السياسيين باعتبار أنهم أصبحوا مقتنعين بأن أهدافهم بعيدة عن خدمة البلاد والمواطنين، وأن غاياتهم الحقيقة تتمثل في خدمة أجنداتهم وبرامجهم والوصول إلى السلطة مهما كانت الأساليب.

وأفاد عادل البرينصي، نائب رئيس الهيئة العليا المستقلة للانتخابات، بأن “انتخابات رجال الأمن والعسكريين ليست مقياسا لأنها أول تجربة للقوات الحاملة للسلاح، وهو أول حدث تاريخي تشهده تونس”. وهذه هي المرة الأولى في تونس التي يشارك رجال الأمن والجيش في الانتخابات.

وكان إدراج حق التصويت في الانتخابات البلدية للقوات الحاملة للسلاح مثار جدل كبير في العام 2016، وتسبب الأمر في تعطّل المصادقة على القانون الانتخابي لعدة أشهر، وهو ما تسبب بدوره في تأخر تحديد موعد إجراء الانتخابات. ويؤكد ملاحظون أن احتجاج التونسيين ضد الطبقة السياسية سببه كل الوعود الانتخابية التي أطلقتها الأحزاب والشخصيات السياسية في حملاتها الدعائية خلال الانتخابات السابقة ولم يتم الالتزام بتحقيقها بعد النجاح في الانتخابات.

وقال البرينصي إن “أداء السياسيين وعدم إيفائهم بوعودهم الانتخابية أثرا بالضرورة على موقف المواطنين لكن لا بد من تغيير من لم يف بوعوده عبر صندوق الاقتراع”.

وتصاعدت دعوات المقاطعة للانتخابات البلدية، إذ يقول أصحابها إن رفض الاقتراع يعد الوسيلة الوحيدة لمعاقبة الأحزاب والسياسيين المستقلين لأنهم لم يكونوا في مستوى توقعات المواطنين الذين أوصلوهم إلى البرلمان أو إلى المشاركة في الحكم من خلال منحهم أصواتهم.

وأثارت هذه الدعوات المخاوف من العزوف على المشاركة في الاقتراع للانتخابات البلدية يوم 6 مايو الجاري. وعبّرت أطراف رسمية وغير رسمية علينا عن مخاوفها من المقاطعة الشعبية للانتخابات. وأكد البرينصي “نحن متخوفون من أن تكون نسبة الإقبال على الانتخابات البلدية ضعيفة”، موجها نقده إلى “دعوات أطراف بعينها إلى العزوف على الانتخابات حتى قبل تحديد موعدها”، ومضيفا أن “هناك من عمل على إثارة جدل حول مواضيع ثانوية بدل التركيز على أن الانتخابات باعتبارها أهم مرحلة ستعرفها البلاد”.

ويعارض المدني البعض من وجهات النظر التي ترى في مقاطعة الانتخابات وسيلة لمعاقبة الطبقة السياسية، إذ يقول إنه “بهذه الطريقة قد يصل إلى المجالس البلدية أشخاص ليسوا بمستوى جيد لتمثيل المواطنين”.

ويؤكد أن الطريقة الوحيدة لمعاقبة السياسيين الذين لم يحققوا وعودهم الانتخابية أو لم يلتزموا بها تكون عن طريق صندوق الاقتراع من خلال انتخاب الطرف السياسي المنافس وعدم منح الصوت الانتخابي لمن لا يستحقه. وأوضح “بعد دورتين انتخابيتين أو ثلاث سيعرف التونسيون الأطراف التي لم تكن في مستوى ثقة ناخبيها”.

4