هل يشكل الحراك الاحتجاجي الجديد بداية صحوة اليسار التونسي

أحزاب اليسار بحاجة إلى ثورة داخلية قبل النجاح في قيادة "ثورة" الشارع.
الثلاثاء 2021/01/26
تخمة شعارات مفلسة

في خضم التطورات التي تعيشها تونس وجهت أوساط سياسية أنظارها إلى تيار اليسار الذي ترك السلطة لصالح التيار اليميني المحافظ في أعقاب ثورة يناير 2011، متسائلة عن قدرته على تصحيح مساره ومراجعة سياساته بهدف إعادة التموضع في مشهد قيد التشكل واستعادة الزخم الشعبي، بعد إعلانه الانخراط في الحراك الاحتجاجي الدائر حاليا في البلاد، والوقوف في صف الشارع ضد النخبة الحاكمة.

تونس - أعلنت أحزاب يسارية تونسية انخراطها المطلق في الاحتجاجات والنضالات التي تشهدها البلاد، وذلك في بيان مشترك أمضاه 12 حزبا يساريا، منها حزب الكادحين وحزب الوطنيين الديمقراطيين الموحد، الذي يمثله نائب واحد في البرلمان، فضلا عن حزب الوطد الاشتراكي وحركة الراية العمالية والماركسيين الثوريين.

ودعت تلك الأحزاب اليسارية الشعب إلى “مواصلة الاحتجاج بمختلف الوسائل المتاحة حتى رحيل المنظومة برمتها”، كما دعت المحتجين إلى “الانتباه لكافة عمليات الاختراق والاحتواء والإفشال التي يحاول الائتلاف الحاكم القيام بها عبر التشويه والاختراق والصد”.

وسبقت هذا البيان بيانات مشابهة من تيارات يسارية أخرى أبدت تأييدا واسعا للاحتجاجات مثل حركة تونس إلى الأمام وحزب العمال. ولم يخف زعيم حزب العمال حمة الهمامي تطلعه إلى “ثورة جديدة تلبي مطالب الشعب”، بعد الفشل الذريع للأحزاب الحاكمة في تحقيق مطالب الثورة.

هل هي صحوة

عبيد البريكي: بدأنا خطوة جدية في تجميع اليساريين حتى نكوّن قوة سياسية
عبيد البريكي: بدأنا خطوة جدية في تجميع اليساريين حتى نكوّن قوة سياسية

يرى متابعون أن هذه المواقف المؤيدة للحراك الاحتجاجي، والتي تذكّر بالأهداف الحقيقية للفكر اليساري، قد تشكل فرصة لصحوة يسارية تتطلب الوقوف على مكامن الفشل وحسن التقاط رسائل الشارع الذي لم يعد يثق في الوعود الحزبية.

ويؤكد هؤلاء أن استعادة اليسار حضوره على الساحة السياسية تستوجب بالأساس رأب الصدوع الداخلية ورص صفوفه من جديد، وتجاوز تجربة الجبهة الشعبية حين تكونت من تحالف 11 حزبا، والتي قادت في النهاية إلى تشتيت التيار اليساري على خلفية الصراع على الزعامة الذي دب بين حمة الهمامي، الناطق باسمها وكان مرشحها للانتخابات الرئاسية الأخيرة، ومنجي الرحوي في عام 2019.

ويعد التخلي عن الصراع الأيديولوجي والاهتمام الحقيقي بقضايا الناس من شروط استرجاع الثقة في الأحزاب اليسارية، وبالتالي وضع خطوة في طريق إنجاح مواقفها وانتزاع مكان لها في المشهد السياسي.

وحسب رأي الكثيرين فإن قوى اليسار مجرد نخب بعيدة عن الواقع تركز على التنظير ولا تنتقل إلى التطبيق، أو هي بقايا نقابيين همهم الأول صياغة البيانات والدعوة إلى الإضرابات عوض البحث الصادق عن الحلول واقتراح البدائل للمشاكل التي تغرق فيها تونس وتؤثر مباشرة على المعيش اليومي للمواطن.

وتعتقد وجوه يسارية أنه مثلما يحاول الشارع اليوم استرجاع ثورته، وهي ثورة اجتماعية بالأساس ومطالبها تتمحور حول التشغيل ورفض التهميش، فإنه بوسع اليسار توظيف هذا المناخ الذي يحمل نفسا ثوريا في تجاوز أخطائه السابقة واستعادة حضوره في المشهد.

وأشار عبيد البريكي، أحد أبرز القيادات اليسارية ورئيس حزب حركة تونس إلى الأمام، لـ”العرب”، إلى أن “اليسار إزاء الحراك الاجتماعي أصبح أكثر وعيا بأخطائه ما بعد 2011″، مستحضرا مواقف هذا التيار الذي طالما نبه إلى خطورة خيارات ما بعد الثورة، كما حذر من انفجار اجتماعي محتمل قد يتخذ أشكالا أخطر.

وبرأي العبيدي فإن أبرز خطأ ارتكبه اليسار هو حالة التشتت والتشرذم التي عاشها، مستدركا بالقول إنه “ربما أدرك الآن أن تشتته أدى إلى فراغ في الساحة ملأه آخرون اتضح عجزهم عن اعتماد مقاربة تنقذ البلاد مما هي فيه”.

أيمن العلوي: لا بد من صحوة داخل التيار اليساري الثوري التونسي تحديدا
أيمن العلوي: لا بد من صحوة داخل التيار اليساري الثوري التونسي تحديدا

ولأن “اليسار فكر، والفكر لا يموت” حسب البريكي، الذي تقلد منصب وزير الوظيفة العمومية والحوكمة في فترة ما حين كان يوسف الشاهد رئيسا للحكومة، فإنه “اليوم يحاول تجميع شتاته من جديد من أجل قوة تتخذ لها موقعا في هذا الصراع وتحمي البلاد من ظاهرة الاستقطاب الثنائي”.

وكشف البريكي عن بداية تشكل خطوات جدية في عملية تجميع اليسار من جديد بتقديم حزبه تونس إلى الأمام مبادرة تجمع مختلف الأحزاب اليسارية على طاولة الحوار في فبراير القادم تزامنا مع ذكرى رحيل القيادي اليساري شكري بلعيد. وقال إن “الأهم من كل ذلك أن هناك وعيا مشتركا بأن التجميع أصبح ضرورة ملحة ولم يعد خيارا من أجل إنقاذ تونس”.

وفيما تبدي قيادات يسارية تفاؤلا بإمكانية توحيد الصفوف من جديد، تذهب آراء أخرى إلى أن إصلاح اليسار الذي فقد الثقة في الشارع يحتاج إلى قطع جذري مع سياساته القديمة، التي قدمت فرصة ثمينة للأحزاب اليمينية للانقضاض على الحكم.

اليسار بحاجة إلى أكسجين

تكبد اليسار التونسي خسائر انتخابية منذ الإطاحة بالنظام السابق. ولطالما تعرض إلى انتقادات لاكتفائه بردود الفعل مع فشله في تحقيق نتائج في الانتخابات تؤهله للحكم بسبب عدم قدرته على صياغة خطاب سياسي منسجم يقنع الناخب بأهليته لإدارة شؤون البلاد.

ويلاحظ المتابعون أن مكونات اليسار التي تعيش تشتتا لا تلتقي سوى في محاربة تيار الإسلام السياسي، لكنها وقفت عند ذلك الحد، دون تقديم مبادرات جديدة تتماشى مع المتغيرات في الداخل والخارج واكتفت بالمعارضة لأجل المعارضة.

محمد الكيلاني: اليساريون غارقون في نفس الخلافات والتقاؤهم ظرفي
محمد الكيلاني: اليساريون غارقون في نفس الخلافات والتقاؤهم ظرفي

ويؤكد أيمن العلوي الناطق باسم حزب الوطنيين الديمقراطيين في حديثه لـ”العرب” أنه “لا بد من صحوة لليسار الثوري التونسي تحديدا”، مستدركا “البيانات مهمة.. لكن اليسار محتاج إلى نقلة نوعية”.

وفي خضم الواقع السياسي الجديد والمتحول، يعتقد العلوي أن “التركيبة اليسارية تصطدم بمحدوديتها وبعدم قدرتها على مواجهة الإشكاليات الجديدة”.

وعلى الرغم من أن الشعارات التي رفعت في الاحتجاجات الأخيرة تلامس الإرث اليساري الثوري، وفق العلوي، كونها تنادي بالثورة وبسيادة الشعوب على قرارها وبالاشتراكية ومعاداة الطبقات المتحكمة في البلاد، فإن “تحرك القيادات اليسارية كان على الهامش”.

وكغيره من اليساريين يرى العلوي أن “تأييد الاحتجاجات مسألة مبدأ وليس فرصة، فاليسار دائما منحاز إلى المطالب الاجتماعية، خاصة أننا محكومون بتشكيلة موغلة في اليمينية والليبرالية”.

ومع ذلك يستبعد العلوي إعادة تجربة الجبهة الشعبية لعدم قدرتها على النجاح، خاصة إذا اعتمدت نفس المقاربات. ويعتقد أن “الجبهة تشكلت في ظروف أحسن بكثير من اليوم”.

وفي حال تم الالتفاف حول جبهة يسارية جديدة، ولضمان نجاحها، يقترح العلوي “ألا تعتمد على الأساليب القديمة، بل يجب أن تقوم على أسس تنظيمية وسياسية جديدة تراعي التغيرات الموجودة محليا ودوليا”. وقال إن “الكثير من المجموعات الشبابية ومن الحركات الاحتجاجية اليسارية بدأت تلامس هذا الطريق”.

وتشير قيادات يسارية أخرى إلى أن الخلافات عميقة داخل اليسار التونسي، وهو ما يجعل طريق وحدته صعبا. ولم يكن اليسار التونسي بمنأى عن الصراعات والخلافات الداخلية التي ظهرت إلى العلن في مناسبات كثيرة، ما جعل وجوها يسارية بارزة تبحث سبل تشكيل بديل عن الجبهة الشعبية بهدف إعادة التوازن للمشهد السياسي.

ويلفت محمد الكيلاني، القيادي اليساري البارز، لـ”العرب” إلى أن “الخلافات داخل اليسار لا تتعلق بمستوى الاحتجاج والنضال الميداني، إنما تتعلق بالهدف من هذه الحركة”.

وشرح قائلا “هناك من يدعو داخل اليسار إلى كنس المنظومة برمتها وإلى ثورة ثانية، وهناك من يدعو إلى القيام بإصلاحات والاستعداد للاستحقاقات القادمة وتكوين كتلة برلمانية من شأنها أن تغير من داخل المؤسسات وتؤثر على السياسة العامة وتعدل المسار العام”.

واستبعد الكيلاني أن تكون البيانات والتحركات الأخيرة بمثابة صحوة لليسار، لأنه مازال غارقا في نفس الخلافات والتقاؤه ظرفي. وأكد في الوقت ذاته أنه “من الصعب على اليسار التونسي أن يتجاوز أخطاءه، فهو لا يفكر بطريقة عقلانية وعاطفي جدّا وينفعل أمام الحركة الاحتجاجية، كأنه أمام لحظة فارقة عليها ألا تضيع من يده”.

6