هل يشكل الصراع اليمني نموذج النفوذ الأميركي في المنطقة

الملف اليمني هو النموذج الجديد لتعامل الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، ورغم عدم سرعة إدراك الدول الحليفة لذلك، هناك دلائل واضحة عليه.
الاثنين 2018/02/26
نار الحرب لن تخفت

واشنطن - رغم أنه مازال هناك نحو 2000 جندي أميركي في سوريا ملتزمين لمدة غير محددة بحماية ما تم تحريره من مناطق كانت خاضعة لتنظيم الدولة الإسلامية، ورغم اهتمام كبار المسؤولين الأميركيين بالشأن السوري وقيامهم أحيانا بالتنسيق مع خصوم الولايات المتحدة وأحيانا القيام بمواجهتهم، يتعين على من يريدون معرفة اتجاه سياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط في المستقبل أن يتجهوا بأنظارهم نحو اليمن وليس الاكتفاء بتغيرات الساحة السورية التي تشهد هجوما عنيفا يشنه النظام السوري على الغوطة الشرقية منذ ثمانية أيام.

كان ذلك ما خلص إليه جون بي.ألترمان مدير برنامج الشرق الأوسط في مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية بواشنطن في تقرير له نشره المركز مؤخرا، حيث قال إن ما يشهده اليمن لا يختلف كثيرا عما تشهده سوريا، فالدول حليفة واشنطن المحيطة باليمن تشعر بالخطر، كما أن عدد الإرهابيين يتزايد في اليمن، وهناك تدخل من جانب الإيرانيين من خلال ميليشيات الحوثيين التي تعمل على تنفيذ أجنداتها التوسعية التخريبية ونشر الفوضى والخراب في المنطقة.

ودون شك يؤثر تدفق اللاجئين من سوريا على أوروبا التي تعتمد أيضا اعتمادا كبيرا على الملاحة التي تمر بالساحل اليمني. كما أن المعاناة الإنسانية في اليمن وسوريا شديدة وقاسية على الطرفين، حيث يتقاسم البلدان ظروف الحرب الصعبة والخطرة فعدد الضحايا في سوريا يتزايد، وفي الوقت نفسه هناك مليون شخص يعانون من الكوليرا في اليمن، ومع ذلك تتعامل إدارة الولايات المتحدة مع ما يحدث في اليمن عن بعد. فهي تكتفي بإعادة تزويد طائرات الحلفاء الحربية بالوقود وتبيع للحلفاء الأسلحة، ويقوم الجيش الأميركي بتوجيه هجمات ضد الجماعات التابعة للقاعدة وداعش في إطار التحالف الدولي للقضاء على الإرهاب.

تكشف أزمات الشرق الأوسط والحروب المفتوحة على أكثر من واجهة في سوريا والعراق واليمن وليبيا عن توجهات السياسة الأميركية في التعامل مع نزاعات المنطقة دبلوماسيا وعسكريا في المستقبل، ويعتقد المحلل الأميركي جون بي.ألترمان أن الملف اليمني نموذج للتوجهات الجديدة للإدارة الأميركية ولا يجب الاكتفاء بتغيرات المشهد السوري. ويشير ألترمان إلى أنه رغم إدراك واشنطن لدور طهران التخريبي وتهديدها للأمن القومي لدول الخليج من خلال ميليشيات الحوثيين، إلا أن جهودها في ردع الخطر الإيراني متباطئة، ويفسر ذلك بإجماع كل الأطياف الأميركية على أن الاستثمار في حروب المنطقة كان سيئا للغاية حيث نفد صبر من يضخون الأموال لدعم الدور الأميركي، دون أن تجني واشنطن النتائج المرجوة من ذلك.

الملف اليمني

لا توجد جهود دبلوماسية أميركية مكثفة في الشأن اليمني المضطرب منذ اغتيال الرئيس السابق علي عبدالله صالح على يد الحوثيين في ديسمبر الماضي، مقارنة بسوريا، ويبدو أن واشنطن ترى أن مشكلة اليمن يصعب حلها ويتعين على المشاركين في الصراع أن يجدوا لها الحل بأنفسهم.

ويؤكد ألترمان أن الملف اليمني هو النموذج الجديد لتعامل الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، ورغم عدم سرعة إدراك الدول الحليفة لذلك، هناك دلائل واضحة عليه، ومن بينها موقف البيت الأبيض بالنسبة للنزاع الفلسطيني-الإسرائيلي، والذي يؤكد باستمرار أن أي شيء يتفق عليه الطرفان في ما بينهما سيكون مقبولا من جانب الولايات المتحدة.

 كما يمكن استنتاج هذه الدلائل من تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب لفكرة أن الولايات المتحدة ضخت 7 تريليون دولار في الشرق الأوسط منذ عام 2001 دون أن تجني نتائج كبيرة من وراء ذلك.

وهناك إجماع متزايد بين جميع الأطياف في الولايات المتحدة على أن الشرق الأوسط كان استثمارا سيئا للغاية بالنسبة لها طوال الخمسة عشر عاما الماضية، وأن صبر من يقدمون الأموال قد نفد.

ويرى ألترمان أنه لو أخذنا في الاعتبار أن اليمن مؤشر للسياسة الجديدة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، فإن هناك عددا من التداعيات التي ليس من الصعب تخيلها، ومن بينها أنه من المحتمل أن تتناقص المساعدات الأميركية، وفي المقابل من المحتمل أن تكون المساعدات المباشرة لإسرائيل مؤمنة.

ومع ذلك، فإن إسرائيل قد تشعر بتأثير ذلك بصورة غير مباشرة؛ حيث من المحتمل أن يكون من الصعب في السنوات المقبلة حصول الدول المجاورة مثل مصر والأردن على الدعم الأمني الأميركي القوي الذي كانت ومازالت تتمتع به، كما أنه من المحتمل أيضا أن يتقلص الدعم الأميركي المستمر مذ فترة طويلة للسلطة الفلسطينية.

 فقد كانت الولايات المتحدة تدعم منذ عقود كلا من السلطة الفلسطينية ومنظمات دولية مثل وكالة الغوث والتشغيل التابعة للأمم المتحدة (أونروا). ويبدو أن تلك المساعدات التي تفيد الأمن الإسرائيلي أيضا عرضة كذلك لهذا التأثر.

ومن ناحية أخرى، فإنه بينما تتحدث الولايات المتحدة عن مواجهة مساعي إيران لنشر نفوذها في الشرق الأوسط، فإنها مازالت غير مستعدة للمشاركة بشكل مباشر في مثل هذه الجهود.

ففي سوريا بوجه خاص، كانت الولايات المتحدة بطيئة في مواجهة حشد إيران العسكري واستعراض لقوته في إطار إصرارها على استفزاز واشنطن وحلفائها. 

وقد سعت الولايات المتحدة طوال سنوات كثيرة لتحقيق تكامل بين الدفاعات الإقليمية في الخليج بهدف ردع إيران، لكن تلك الجهود تباطأت كثيرا، حيث لم تستطع ردع الميليشيات الحوثية الموالية لإيران في اليمن والتي باتت تهدد أمن الرياض وسائر دول الخليج  إضافة إلى المخاوف من انتقال الخبرات الصاروخية لطهران إلى تنظيم القاعدة باليمن.

وكانت صحيفة الصانداي تليغراف البريطانية نشرت موضوعا لمراسلها للشؤون الحربية بن فارمر من العاصمة السعودية الرياض بعنوان “السعودية تخشى من انتقال القدرات الصاروخية الإيرانية التي استخدمها الحوثيون في اليمن إلى تنظيم القاعدة”.

جون بي.ألترمان: جهود واشنطن الدفاعية في الخليج بهدف ردع إيران تباطأت كثيرا
جون بي.ألترمان: جهود واشنطن الدفاعية في الخليج بهدف ردع إيران تباطأت كثيرا

يقول فارمر إن السعودية أعربت عن مخاوفها من إمكانية انتقال الخبرات الصاروخية الإيرانية والتي ساعدت الحوثيين في اليمن على إطلاق صواريخ بعيدة المدى من اليمن على العاصمة الرياض قد تصل إلى مسلحي تنظيم القاعدة بشكل أو بآخر.

وتضيف الصحيفة أن اليمن بوصفه ساحة للحرب بالوكالة بين السعودية وإيران منذ عام 2015، يمثل خطرا كبيرا على الرياض بسبب الصواريخ بعيدة ومتوسطة المدى خاصة بعدما ساهم الخبراء الإيرانيون في تطوير إمكانيات الحوثيين الصاروخية ومنحوهم القدرة على الوصول إلى عمق المملكة وشوارع العاصمة الرياض.

تراجع الدبلوماسية الأميركية

يبدو أن اهتمام الولايات المتحدة بالمشاركة في دبلوماسية المنطقة تقلص تدريجيا، وهو ما له تداعيات في أنحاء الشرق الأوسط، كما يبدو أن الدافع للعب واشنطن دور الوساطة في نزاعات المنطقة وإدارتها قد تضاءل بدرجة كبيرة. ومن المحتمل أن تسفر هذه الاتجاهات في السياسة الأميركية عن عدة تأثيرات، أحدها هو أنه سيكون للولايات المتحدة نفوذ أقل على ساحة الصراعات في الشرق الأوسط مستقبلا.

ويرى ألترمان أن هناك تأثيرا آخر لتراجع مشاركة الولايات المتحدة في شؤون منطقة الشرق الأوسط، وهو أنه من المحتمل أن يكون لدول أخرى نفوذ في المنطقة أكبر من النفوذ الذي تتمتع به في الوقت الراهن. فلن تكون روسيا والصين الدولتين الوحيدتين اللتين ستسعيان لملء الفراغ الذي تخلفه الولايات المتحدة، ولكن ستفعل ذلك إيران أيضا، وربما تحذو حذوها دول مثل فرنسا والهند. وسوف تتبنى هذه الدول سياسات تعزز من أجنداتها، وستقوم في أوقات محددة بتقويض مصالح الولايات المتحدة.

ومن ناحية أخرى، أضاف ألترمان أنه من المحتمل أن يتأثر أيضا الوضع العالمي للولايات المتحدة. فالدول التي تعتمد على إمدادات الطاقة من الشرق الأوسط تعتمد أيضا على الولايات المتحدة لتأمين مصالحها هناك.

وينطبق هذا على دول معادية محتملة مثل الصين وكذلك على حلفاء مقربين مثل اليابان وكوريا الجنوبية؛ فنفوذ الولايات المتحدة بالنسبة لهذه الدول هو بوجه خاص نتاج النفوذ الأميركي في الشرق الأوسط. وإذا ابتعدت الولايات المتحدة عن نفوذها في الشرق الأوسط، فسوف يتعين عليها أن تتخلى عن بعض نفوذها في تلك الدول أيضا.

ويختتم ألترمان تقريره بالقول إن ما سبق ذكره من تداعيات لا يعتبر أمرا حتميا، لكن من الحماقة القول إنه لا مجال للتفكير فيه. فالتغييرات الجارية في موقف الولايات المتحدة إزاء الشرق الأوسط ستكون لها انعكاسات سلبية، ولن تؤثر هذه الانعكاسات على المنطقة فقط، ولكنها سوف تؤثر على الولايات المتحدة وحلفائها في العالم أيضا.

7