هل يصبح الإرهاب حالة عادية

الثلاثاء 2014/06/03

هل أصبح الإرهاب عندنا حالة عادية يجب أن نتعامل معه من حيث هو المعطى الأوضح في الثورات العربية؟ ليس ثمة شك أن بلدان الربيع العربي تعيش أزمة عميقة لها أبعاد اقتصادية واجتماعية وسياسية، تجسدت في تواصلية العنف وتنامي الإرهاب. ففي تونس توصلت الجماعات الإرهابية إلى مهاجمة منزل وزير الداخلية بالقصرين، وفي ليبيا حرب بدأها اللواء الليبي المتقاعد، خليفة حفتر، على الجماعات الإرهابية. ذلك يتطلب منا العودة لدرس ظاهرة العنف والإرهاب.

لا يخفى على أحد أن كلمة إرهاب غامضة المقاصد. فقد استعملت هذه الكلمة في الغرب منذ قرنين تقريباً، وتفيد منذ ذلك الحين استعمال العنف لتغيير النظام السياسي في بلد معين. ولكن هذا التحديد غير دقيق ويخدم مصالح أيديولوجية وسياسية.

فقد نفهم من هذا المعنى أن النظام السياسي لا يمكن أن يتغير إلا سلمياً بواسطة الآليات الديمقراطية التي يخولها القانون، باعتبار أن هذا النظام هو تعبير لإرادة الشعب ونتيجة لاختياراته الديمقراطية. وهذا غير صحيح لأن التاريخ قد بيّن لنا أنه أحياناً لابد من استعمال العنف. فهل نسمي مثلاً حركات التحرر من الاستعمار إرهاباً، والثورة الصينية إرهاباً والمقاومين الفرنسيين ضد الهيمنة النازية إرهابيين.

هناك لا محالة ميل عند الاستراتيجيين الأمريكيين للإجابة عن هذا التساؤل بالإيجاب، بما أنهم قد اعتبروا منظمات مقاومة كثيرة في العالم منظمات إرهابية كمنظمة نيلسون مانديلا الذي أصبح رئيساً لجمهورية أفريقيا الجنوبية فيما بعد. ذلك يعني أن تصور الإرهاب ليس واضحاً، بحيث يمكن استعماله دون خوف من الانزلاق في متاهات أيديولوجية كما نستعمل مثلا مقولات فلسفية أو مفاهيم علمية. فهو يتغير بتغير الظروف والملابسات السياسية، فإرهابي الأمس يمكن أن يكون زعيم اليوم.

وقد ذهب بعض مثقفي الغرب إلى الربط بين الإسلام والإرهاب، ووجدوا أن القرآن الكريم هو أصل الإرهاب بما أنه يتضمن آيات في القتل والحرب. وتناسوا أن التوراة وكل الكتب الدينية المنزلة قد تحدثت عن القتل والعنف. لنتمعن في هذه الفقرة من التوراة: “يقدم لك إلهك ومولاك هذه الأوطان ويبث فيها الرعب حتى إبادتها ويقدم بين أيديك ملوكهم فتمحي أسماؤهم من الوجود ولا أحد يقف صامداً أمامك حتى تقتلهم وتبيدهم” مع العلم أن فكرة الإبادة غير موجودة إطلاقا في القرآن والأمثلة على ذلك كثيرة.

ولنتمعن في مقولة للمفكر الألماني كارل هاينزن 1848 الذي ألف كتاباً عن «القتل» هو عبارة عن نصائح في التقتيل والإبادة والإرهاب ضد البرابرة أي ضد الشعوب المتوحشة التي لم تدخل الحضارة الغربية: «إذا ما أجبرت على تدمير نصف قارة وعلى نشر حمام دماء لتكسير البرابرة، فلا يجب أن يوبخك ضميرك. إن الذي لا يضحي بحياته فرحاً من أجل إبادة مليون من المتوحشين لا يعتبر مواطناً جمهورياً». والمهمّ أنّ الإرهاب منبوذ في أصله لأنّه يؤدّي دائماً إلى طرق مسدودة وينقلب على أصحابه ونحن لا نعتبر المقاومة ضد الاستعمار إرهاباً، بل هي عنف ضروري يجب أن تخضع بدورها إلى أخلاقيّات التعامل الإنساني.

يجدر القول إن التعلق بالإسلام كمنفذ وكعامل تعبئة قد يضفي على هذا الدين خصوصية ذاتية: فهي من جهة، تؤسس لـ”نموذج إجرائي ومعياري” جدير أن تحاكيه كل سلطات العالم الإسلامي وهو نموذج النبي والخلفاء الراشدين، ومن جهة ثانية تكون هذه الخصوصية أيديولوجيا تعبوية للجماهير المحرومة وتقدم غالباً مجالاً لحركات مقاومة. يقول ماكسيم رودنسون بأن “للعالم الإسلامي خصوصية لا تكون استثناءً.

فهو لا يغلب من القوانين العامة للتاريخ الإنساني ومستقبله مستقبل صراع طبقي أو بصورة أعم مجموعات اجتماعية، صراع قوميات أو بصورة أعم مجتمعات كلية”. والإسلام بما هو دين التزام، يعاش غالباً كاستدعاء لصراع «الخير ضد الشر» فإذا اعتبرت الإسلام سياسة، يعني أن تجعل منه دينا انفعاليا وأيديولوجيا تعبوية، عندئذ يضمحل الدين السليم وتبرز السياسة بعنفها ودنيويّتها.

ولكن الإرهاب ازداد تجذرا في الجماعات التي تنتمي إلى الإسلام السياسي المتشدد عندما اكتسحت العولمة كل أطراف العالم. فالعولمة هي التي جعلت الحرب واقعة يومية للسياسة. لكن العولمة، وإذ نعترف بقدمها من جهة نمط وجودها، فهي في الوقت الحاضر استمرار للاستعمار بوسائل أخرى. إذ هي نتاج اقتران معقد من النمط الليبرالي، ومن جسم أو هيئة غير مسبوقة من وسائل التواصل. نعرف جميعا أن العولمة قد تمكنت من تجميع البشر ضمن كوكب ضيق نطلق عليه عادة تعبير القرية العالمية.

ففي العولمة تكاثرت التصفيات العرقية والإرهاب والعنف من أجل تثبيت النظام الاقتصادي والسياسي الجديد، ودبلوماسية القوة التي استبدلت فيها القوة بالهيمنة أحادية الجانب لقوة وحيدة تريد القبول بها بما هي كذلك في كل مكان من العالم.

ليس غريبا أن نرى بروز «تواصلية جديدة» مؤسسة على مصطلحات حربية مثل الإرهاب، و«محور الشر»، والتهديد النووي وغيرها، بل يجب القول إن الحرب ذاتها قد أصبحت تواصلا مثل ما أكده هيغل من خلال التشديد على ضرورتها في إعادة إكساب الشعب معناه.

إذ يعتبر هيغل أن أي شعب يملك خصوصية معينة وتنظيما خاصا وطريقة في الوجود سيكون عرضة للعنف. فستعارضه شعوب أخرى ليدخل في علاقة عراك ونضال حتى يؤكد ذاته ويتم الاعتراف به، وحتى يتعرف عليه الآخرون. وهكذا لكي يثبت خصوصيته، يتحتم على الشعب أن يخوض صراعا حتى الموت مع الآخرين.

تتأكد الحرب كإمكانية للتواصل بين الشعوب، إذ أن أي شعب ما لا يدرك أن حريته هي حرية من أجل الموت، وأنه لا يجب عليه التفريط فيها إلا داخل الحرب.هذه النظرة المتشائمة للعلاقات بين البشر والشعوب قد تجر إلى العنف بأشكاله المتعددة وقد تبرر كل مظاهر الإرهاب ولكن هيغل يعطي للعقل مهمة التخفيف من حدة العنف. وكنت اقترحت تصور التعقلية المبني على التحاور المتواصل للقضاء، شيئا فشيئا، على استعمال العنف بأوجهه المختلفة في التواصل لعل ذلك إذا ما اقترن بإصلاحات اقتصادية جذرية عادلة ومنصفة لكل الفئات الاجتماعية سيجنّب عالم الثورات العربية السقوط النهائي في حرب الكل ضد الكل وفي الإرهاب المتواصل.


كاتب ومفكر تونسي

8