هل يصبح الاستثناء التونسي قاعدة

الأربعاء 2014/11/05

لم يأت تراجع الإسلاميين التونسيين في الانتخابات البرلمانية الأخيرة صدفة، بل كان نتيجة لخصوصية تونسية تكونت، هي أيضا، عبر مسار تاريخي غني بالتجارب السياسية والفكرية، يختلف اختلافا جذريا عن باقي المسارات العربية. ومن هنا فهزيمة الإسلاميين لم تكن سوى عودة المياه إلى مجاريها الطبيعية، فرغم إستراتجية جماعة الإخوان المبنية على التكيف مع الخصوصيات السوسيولوجية المحلية، إلا أنها لم تنجح في اختراق المجتمع التونسي والمساس بهويته وتطلعات نخبته إلى الحرية والحداثة، كما نجحت في معظم البلدان العربية الأخرى التي فتحت لها الأبواب والنوافذ منذ عشريات.

ولئن كان هذا الاستثناء التونسي محل تساؤلات وتحليلات كثيرة في الغرب، فقد كان مثار استهجان وبعض افتتان في الشرق. فبينما كان بعض الدعاة يدعون إلى إعادة أسلمة تونس علانية من على منابر مساجد بعض الدويلات، نجد بعض الغربيين يشيدون بالتميز التونسي. ففي سنة 1997، مثلا، كتب الإعلامي الفرنسي الشهير العارف بشؤون العالم العربي، جان دانيال: ꞌꞌفي نفس الوقت، يتحول التونسيون إلى مسلمين وعلمانيين بصدق وأمانة. فرغم وجود واحدة من أقدم الجامعات الدينية (القرن التاسع عشر) في البلد، فهو موطن رجال الإصلاح الدينيꞌꞌ. وربما هذا التميز هو الذي وقف حجر عثرة أمام طموحات النهضة، ومن دار في فلكها من الإسلاميين، إذ لم يفلح هؤلاء في إضفاء صبغتهم الأصولية على البلاد، بل جندوا العلمانيين الذين كانوا مشتتين ضد مشروعهم وهو ما تجسد في صناديق الاقتراع بمناسبة الانتخابات التشريعية الأخيرة.

ولكن لماذا حدثت هذه السابقة في تونس وليس في غيرها؟ وهل يمكن أن يتكرر سقوط الإخوان في بلدان عربية أخرى عن طريق الانتخاب؟ وهل دشن التونسيون عن طريق صندوق الاقتراع بداية عهد ما بعد الإسلاموية؟ هنا عناصر إجابة.

سبقت فترة الإصلاح الأولى في تونس وتقدمت على مشاريع الإصلاح في المشرق العربي. وفي الوقت الذي كانت فيه الإصلاحوية شبه سائدة في ديار المشرق في القرن التاسع عشر، عرفت تونس حركة إصلاحية حقيقية متميزة قادها مصلحون ومفكرون جمعوا بين العلم والجرأة. مثل خير الدين التونسي وأحمد ابن أبي الضياف والجنرال حسين صاحب الرسالة الشهيرة في تحرير العبيد، وكثير غيرهم.

وقد مست الإصلاحات المؤسسات العلمية كمدرسة باردو الحربية بغية تعصير الجيش، وكذا الجوانب القانونية والدستورية مثل قانون تحرير العبيد الذي صدر في أواسط القرن التاسع عشر (1846)، فضلا عن صدور أول دستور تونسي بدأ العمل به عام 1861.

ولم يأت كل ذلك من فراغ، بل واكب ذلك وتبعه إعمال نظر وتدبّر في كيفية الإصلاح كما نرى ذلك، على سبيل المثل لا الحصر، في ꞌꞌأقوم المسالك في التعريف بأحوال الممالكꞌꞌ لخير الدين التونسي، وꞌꞌإتحاف أهل الزمانꞌꞌ لابن أبي الضياف وغيرها من الكتب الهامة التي تطرقت لمختلف المسائل الحياتية والفكرية والاجتماعية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين.

وقد تدعم الإصلاح بصحف ومجلات كثيرة لعبت دورا تنويريا كبيرا. وقامت كل الإصلاحات لاحقا وفي كل الميادين على فهم جديد لنصوص الدين ومقاصده العليا. ومهّد الإصلاح السياسي إلى إصلاح اجتماعي وثقافي لا زلنا نرى آثاره الطيّبة على وجه الخصوص في المدارس والجامعات التونسية اليوم.

لمواجهة فكر المحافظين المتزمتين، تم تأسيس المدرسة الصادقية بمدينة تونس سنة 1875 لتدريس مختلف العلوم والفنون. وبالنظر إلى القامات الفكرية والسياسية والعلمية التي تخرجت من هذه المدرسة الفريدة في المنطقة كلها، يمكن القول إنها كانت اللبنة الأولى في صرح الحداثة التونسية والسد المنيع أمام الفكر المتحجر. وهو ما استفادت منه منظومة التعليم في تونس ابتداء من استقلال البلد (1956) إلى اليوم، إذ لم يكفّ التونسيون عن إصلاح وتكييف مدرستهم مع المستجدات العلمية والفكرية والمنهجية، حتى غدت مع الأيام ذات مستوى عالمي.

كان متوقعا ألا يذهب المشروع الأصولي الظلامي بعيدا في تونس، في ظل وجود حركة نسوية أصبحت مع الأيام قوة اجتماعية فاعلة تدافع بكل ما أوتيت من ذكاء عن حقوقها وتقف كرمز للحرية والحداثة في البلد. فلا يمكن لأحد مهما غرر بالناس والتفت حوله الجموع أن يجردها من دورها التنويري وأن يبدد ما تراكم من مكاسب عز نظيرها في الوطن العربي. وليس هذا فحسب، بل قدمت الباحثات والمفكرات التونسيات إضافات في ميدان إنتاج المعرفة الدينية الإسلامية، وهو إنتاج خلق ديناميكية وزحزح المواقع التي كانت حكرا على الرجال. فظهور هذه الفئة من النساء اللواتي اخترقن أسوار المعرفة الدينية، أين تقول لنا الباحثة التونسية آمال قرامي، من شأنه أن يقضي على ضرب الوصاية المعرفية على النساء من جهة، وطرح أسئلة جديدة من منظور مختلف من جهة أخرى. ومن هنا أسقطن تهمة التغريب الجاهزة ودخلن في سجال معرفي مع دعاة الانغلاق المنصّبين أنفسهم أوصياء على الهوية العربية الإسلامية.

على عكس ما هو قائم في معظم البلدان العربية، نجد في تونس اليوم نخبة ديمقراطية علمانية لا تخفي نفسها لأن لها إرث حداثي تدافع عنه، وقد نجحت في إقناع جل التونسيين بأن الدولة المدنية هي الحل، وأبطلت مقولة الإسلاميين الإرهابية القائلة، بأن كل من يقف ضد مشروعهم فهو يقف ضد الإسلام. وهو انتصار معنوي عظيم لكل الديمقراطيين العرب. ولا شيء يمنع بل كل المؤشرات تدل على أن هزيمة الإسلاميين عن طريق الصندوق ستصبح في المستقبل القريب أمرا عاديا في جل الأقطار العربية، بفضل المقاومة التونسية المدنية التي استندت إلى تاريخ خاص، هو بعد اليوم إرث عربي مشترك..


كاتب جزائري

8