هل يصبح للمتحولين جنسيا في تركيا مستقبل

تستعد المحكمة الدستورية التركية للنظر في طلب إلغاء المادة الخاصة بـ”العقم والعجز المستمر عن الإنجاب”، كأحد شروط تغيير الجنس بسبب مخالفتها للدستور. وتلاقي هذه المادة معارضة وانتقادات شديدة من قبل جمعيات حقوق الإنسان وجمعيات الدفاع عن المتحولين جنسيا إذ يعتبرون أنه تدخل -تحت غطاء القانون- في الحريات الشخصية وفي القرارات الأكثر خصوصية في حياة المواطن التركي.
الأربعاء 2017/06/14
لا حق في حياة آمنة ولا في استمراريتها

أنقرة – تعقد المحكمة الدستورية التركية في مدينة أدرنة، جلسة لإلغاء فقرة “الانعدام المستمر للقدرة على الإنجاب” كأحد شروط التغيير الجنسي المذكور في المادة 40 من القانون المدني التركي والذي تعترض عليه جمعيات حقوقية تهتم بمسائل تحويل الجنس.

وتنص المادة 40 من القانون المدني التركي على أن يقوم الشخص الذي يريد تغيير نوعه إجباريا بإجراء عملية “عقم” ما لم يكن يعاني من عدم القدرة على الإنجاب.

وأوضحت مؤسسات حقوق الإنسان أن عمليات تغيير النوع في أوروبا مثلا تتم عن طريق الإعلان، مطالبين أن تتم إزالة المادة المذكورة في القانون التركي الخاصة بإجراء عملية العقم وأن ترتبط أيضا بالإعلان فقط.

وهذا المطلب ينسجم مع مساعي الحكومة التركية في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي وقد يمثل خطوة إيجابية تحتسب لتركيا في مجال حقوق الإنسان والحريات الفردية وحقوق الأقليات وفي ما يخص المتحولين جنسيا. خاصة وأن من أبرز أسباب معارضة العديد من دول الاتحاد الأوروبي انضمام تركيا إليه هو ما تشهده من انتهاكات تطال كل ما يتعلق بحقوق الإنسان والحريات الفردية والشخصية.

وتعيب الدول الأوروبية والمنظمات الدولية التي تهتم بحقوق الإنسان على تركيا الراغبة في أن تصبح أحد أعضاء الاتحاد الأوروبي ما تعانيه الأقليات فيها من ظلم واعتداءات وخصوصا تلك التي تصنف ضمن الشواذ جنسيا مثل المتحولين والمثليين الذين يعانون من نظرة دونية في المجتمع ومن تعامل فوقي يدينهم مهما كانت دوافعهم، وهو ما يجعلهم أكثر عرضة للاعتداءات بشتى أنواعها من المجتمع والدولة على حد سواء.

منذ وصول حزب العدالة والتنمية الإسلامي إلى الحكم ازداد طرح القضايا الاجتماعية المعقدة والأخلاقية صعوبة

وتطالب مؤسسات المجتمع المدني التي تعنى بالمتحولين جنسيا بالفصل بين عملية تغيير النوع وبين عملية العقم الإجبارية التي يجب أن يخضع لها من يجري عملية تغيير الجنس في تركيا، دون اعتبار الأسباب التي تدفعه إلى القيام بهذه العملية والتي قد تكون صحية بحتة. ويرون في ذلك اعتداء صارخا على حق المتحول جنسيا في استئناف حياته بشكل طبيعي بعد عملية التغيير.

وتستنكر جمعيات المجتمع المدني التركية المدافعة عن قضايا المتحولين جنسيا أن يحرم الشخص الذي أجرى عملية تغيير جنس يصطلح عليها أحيانا بتصويب للجنس، من الحق في الإنجاب بسبب هذا الشرط الذي لا يمت لطبيعة عملية تغيير الجنس بصلة من الناحية الطبية والصحية.

وتسجل في تركيا دوريا حالات كثيرة من الاعتداءات بالعنف والقتل التي يتعرض لها المتحولون جنسيا.

وبالنسبة إلى المتحولين فإن الحياة اليومية في المجتمع التركي وكذلك تعاملهم مع أجهزة ومؤسسات الدولة صعبة جدا. وما يزيد أوضاعهم سوءا غياب قوانين تحميهم وتضمن حقوقهم مثل العمل والإنجاب كمواطنين أتراك عاديين.

وشهدت مدينة إسطنبول في شهر أغسطس 2016 حادثة قتل وصفت بالبشعة في حق فتاة متحولة جنسيا وهي هاندة كدر البالغة من العمر 23 سنة. وقد وجدت جثتها مشوهة ومحروقة في غابة بإسطنبول، ولأن هاندة من أكثر المتحولين جنسيا شهرة في إسطنبول ولأنها من النشطاء البارزين في الدفاع عن قضايا المثليين والمتحولين جنسيا ومزدوجي التوجه الجنسي، ورغم التحفظ الواسع على هذه المسائل في تركيا إلا أن مقتلها تحول إلى قضية رأي عام وانتظمت مظاهرات في إسطنبول للتنديد بها.

ولفتت حادثة كدر أنظار الرأي العام التركي والدولي إلى معاناة المتحولين جنسيا في تركيا حيث لا يزال مجرد إثارة هذه المواضيع للنقاش يقابل بالتحفظ والامتعاض ليس فقط من المجتمع بل أيضا من الحزب الحاكم ذي التوجهات الإسلامية ومن الشخصيات الفاعلة سياسيا والمؤثرة في الحكومة التركية. وينظر هؤلاء جميعا إلى المتحولين جنسيا بنظرة تمييز وإدانة ويطلقون عليهم أحكاما وتهما أخلاقية لذلك فإن أغلبهم وخاصة الفتيات يلتجئن إلى العمل كبائعات هوى مثل كدر.

كما أثارت جريمة الكراهية والتمييز التي ذهبت ضحيتها كدر حالة من الصدمة لدى الرأي العام وتظاهر الكثيرون في شوارع إسطنبول رغم حالة الطوارئ التي تعيشها البلاد والتي تمنع التظاهر، وطالب المحتجون والنشطاء المدنيون بإتاحة الفرصة لهم للتحسيس بمشاكل وأوضاع هذه الفئة وأيضا بتطوير قوانين الدستور التركي من أجل حمايتهم من القتل والتعنيف والتعذيب بطرق بشعة ولا إنسانية.

تعيب الدول الأوروبية والمنظمات الدولية التي تهتم بحقوق الإنسان على تركيا الراغبة في أن تصبح أحد أعضاء الاتحاد الأوروبي ما تعانيه الأقليات فيها من ظلم واعتداءات

ولكن راوحت مطالبهم مكانها ولم تطرأ أي تغييرات على قوانين حماية المتحولين جنسيا مثلما هو الحال بالنسبة إلى قوانين حماية النساء من العنف، وتبدو هذه المسائل ثانوية في نظر السلطات التركية لأنها تركز على الشأن السياسي وعلى محاولة الانقلاب وعلى تعبئة السجون بأتباع فتح الله غولن.

وكانت ميشال ديمشوفيتش وهي صحافية وناشطة في الدفاع عن المتحولين جنسيا قد أوضحت لصحيفة الغارديان البريطانية إثر حادثة قتل كدر أن المجتمع والدولة لا يتركان لهن خيارات أخرى في العمل فهن يحتجن إلى المال لتغطية مصاريف عمليات تغيير الجنس باهظة الثمن وإلى مصاريف في حياتهن اليومية.

ولا تتيح لهن الدولة فرص العمل كما يصعب عليهن الحصول على سكن في الأحياء الراقية وهو ما يدفعهن للبحث عنه في الأحياء الشعبية حيث ترتفع نسب الجريمة. وأضافت أنها لا تذكر عدد جنائز المتحولين جنسيا الذين وقعوا ضحايا للاعتداءات بالعنف والقتل في السنوات الأخيرة لكثرتها.

وفي بلد مثل تركيا يعيش تقلبات وصراعات سياسية لا تكاد تنتهي في الداخل والخارج منذ وصول حزب العدالة والتنمية الإسلامي إلى الحكم ازداد طرح القضايا الاجتماعية المعقدة، وخاصة منها المرتبطة من جهة بالأخلاق والمجتمع والتدين وبالجنس والحرية الشخصية من جهة أخرى، صعوبة وتعقيدا.

كما يزداد صعوبة تحقيق مطالب الأقليات الجنسية بقوانين وتشريعات تحمي حقوقهم وتضمن لهم حياة آمنة، الأمر الذي يجعلهم ينتظرون التحوير الذي تعتزم المحكمة الدستورية الحسم فيه، وذلك في ما يخص العقم الإجباري كأحد شروط تغيير الجنس على أنه إنجاز يضمن لهم حقهم في الإنجاب كغيرهم من المواطنين.

12