هل يصلح أنطونيو غوتيريس ما أفسده بان كي مون

كثرت الانتقادات التي يتم توجيهها إلى الأمم المتحدة والأمين العام بان كي مون وتتهمهما بأنهما باتا يعقّدان الأزمات بدل حلّها، ولا سيما في هذه المرحلة الحساسة المتسمة بارتفاع وتيرة الأزمات في العالم، الأمر الذي يرى مراقبون أنه كان وراء عملية الاختيار والانتخاب المفاجئ لرئيس الوزراء البرتغالي الأسبق أنطونيو غوتيريس، ليتولى تصحيح مسار المنظمة الأممية.
الجمعة 2016/10/21
العبرة بالأفعال لا الأقوال

نيويورك – “أخيرا، بان كي مون سيرتاح من القلق”، بهذه العبارة الساخرة استُقبل، في مختلف أنحاء العالم، خبر فوز أنطونيو غوتيريس بمنصب الأمين العام الجديد للأمم المتحدة. ويلخص هذا التعليق الفشل الذي سيطر على الأمم المتحدة طيلة فترة تولي بان كي مون أمانتها العامة، في إحدى أخطر الفترات التي يعيشها العالم على مدار تاريخه، ووصل الأمر إلى توقع أن ينتهي مصير الأمم المتحدة كمصير عصبة الأمم (1919 - 1945) التي صعدت على أنقاضها المنظمة الدولية بعد أن فشلت في مهامها.

ويعتبر متابعون أن انتخاب رئيس الوزراء البرتغالي الأسبق يأتي في جزء كبير منه كمحاولة لإسكات الانتقادات المتصاعدة والمنتقدة لمنظّمة الأمم المتحدة والمؤسسات المنضوية تحت مظلّتها.

وتصف ريستي سيغفريد، المحللة في شبكة إيرين للأنباء الإنسانية، غوتيريس بأنه براغماتي فطن ومثالي وسياسي محنك، ومحاور ماهر.

وتضيف أن ليس هناك نقص في الثناء على أنطونيو غوتيريس منذ تخطيه عملية الاختيار الغامضة والإعلان عن فوزه بمنصب الأمين العام الجديد للأمم المتحدة؛ لكنها تتساءل بعد أن نجح في الأقوال، هل سينجح في الأفعال؟

أصعب وظيفة في العالم

سيصبح رئيس الوزراء البرتغالي السابق والمفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، في الأول من يناير، الأمين العام التاسع للأمم المتحدة لمدة خمس سنوات قابلة للتجديد. وسيتولى دورا جديدا يوصف بشكل روتيني بأنه أصعب وظيفة في العالم، في وقت تواجه فيه المؤسسة البالغة من العمر 70 عاما مشكلات خطيرة تتعلق بسمعتها، وبنموذج التعددية الذي بات على حافة الهاوية، والأزمات الإنسانية المستعرة من سوريا والعراق إلى جنوب السودان وشمال نيجيريا.

لكن مراقبين من ذوي الخبرة والبعض من كبار موظفي الأمم المتحدة السابقين يرون أن غوتيريس يحتاج إلى النظر إلى الداخل والتصدي للبعض من المشاكل النظامية الأساسية في قلب الأمم المتحدة، إذا كان يريد تحقيق تقدم حقيقي.

وتنقل ريستي سيغفريد عن مارك مالوك براون، الذي شغل منصب نائب الأمين العام السابق كوفي عنان في عام 2006، قوله “لا يكاد يمكنك التقاط حجر في الأمم المتحدة دون أن ترى تحته حاجة إلى الإصلاح”.

وبالإضافة إلى تلبية الحاجة إلى عملية توظيفٍ أكثر كفاءة وقائمة على أساس الجدارة، هناك ما يصفه مالوك براون بأنه “نظام المساءلة المعطوب” في الأمم المتحدة.

وأضاف أن “هناك هيئات تقييم وتدقيق لا نهاية لها، ولكنها لا تحكم قبضتها حقا على القضايا التي يجب أن تحكم قبضتها عليها، وبالتأكيد لا تراجع النتائج.

إن المنظمة بأسرها، في نظم الإدارة والمساءلة على حدّ سواء، بحاجة إلى العمل على أساس الإدارة القائمة على النتائج”.

في خضم التحضيرات لاختيار الأمين العام الجديد، اهتزت أروقة المنظمة الإنسانية الدولية على وقع استقالة أنديرس كومباس، المسؤول الأممي، الذي كشف عن وقوع اعتداءات جنسية على أطفال من قبل قوات حفظ السلام الفرنسية والأفريقية في جمهورية أفريقيا الوسطى.

كريستي سيغفريد: أنطونيو غوتيريس نجح في الأقوال فهل سينجح في الأفعال

وقد استقال كومباس، مدير العمليات الميدانية السابق في مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، احتجاجا على ما قال إنه فشل للمنظمة في محاسبة كبار مسؤوليها وإخضاعهم للمساءلة.

وفي تعليقه على انتخاب غوتيريس، نقلت سيغفريد عن كومباس قوله إنه كان يأمل في أن يتخذ غوتيريس موقفا مبكرا بشأن هذه المسألة عن طريق “الإعلان منذ البداية أنه سيضمن استقلال المؤسستين الرئيسيتين المسؤولتين عن المساءلة؛ مكتب خدمات الرقابة الداخلي ومكتب الأخلاقيات”.

وأضاف أنه يريد أن يرى غوتيريس يضع سياسة مترابطة لدعم المبلغين عن المخالفات والدفاع عنهم. وأفاد أن “المساءلة تعني أيضا ضرورة أن تكون هناك عواقب عندما يحدث خطأ ما. فحتى الآن لا يوجد أي نوع من العواقب في الأمم المتحدة”.

وفي السياق نفسه، قال مالوك براون إن هناك حاجة إلى بناء “قوة حفظ سلام متكاملة وموحدة ومنضبطة تابعة للأمم المتحدة ويمكن تعبئتها بسرعة وتفهم المعايير المناسبة… وكل ذلك ليس موجودا في نموذج حفظ السلام المنخفض التكاليف هذا الذي تُجبر الأمم المتحدة على اتباعه”.

وترى كريستي سيغفريد أن كيفية تعامل غوتيريس مع الضغوط التي تفرضها الدول الأعضاء القوية للتأثير على التعيينات في المناصب العليا (وكل شيء آخر) سوف تحدد مدى الاستقلال الذي سيتمتع به كرئيس تنفيذي للأمم المتحدة.

وفسر مالوك براون ذلك بقوله “تستخدم الحكومات اللجان الإدارية للأمم المتحدة كغرف مساومة تحدد فيها البرامج التي ستحصل على موارد أو تُحرم منها. يحتاج الأمين العام إلى حرية في استخدام الموارد التي يتم تخصيصها له من أجل متابعة تنفيذ مجموعة الأولويات المحددة له، ولكن بطريقته الخاصة”.

وسيكون التحدي الأول واختبار المهارات الدبلوماسية لغوتيريس هو طريقة إدارته لإجراءات التعيين في بعض المناصب العليا بأمانة الأمم المتحدة. وعادة ما تُخصص هذه المناصب لمواطني الدول القوية، وهي الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن.

وعلى مدار العقد الماضي، على سبيل المثال، تولى ثلاثة بريطانيين رئاسة وكالة الأمم المتحدة لتنسيق المعونة في حالات الطوارئ، أي مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية؛ وتتولى فرنسا حالياً رئاسة عمليات حفظ السلام؛ وتستحوذ الصين على المنصب الرئيسي في إدارة الشؤون الاقتصادية والاجتماعية؛ بينما يتولى أميركيون قيادة اليونيسف وبرنامج الأغذية العالمي وإدارة الشؤون السياسية.

استعادة الثقة

تركز الثرثرة في ممرات الأمم المتحدة على تعديل محتمل في هذه المناصب العليا بين الدول الخمس الدائمة العضوية. وسوف تتعلق آمال الدول الأعضاء الأخرى والمجتمع المدني بغوتيريس لإيجاد وسيلة لتبنّي نهج أكثر استناداً إلى الجدارة عند إجراء هذه التعيينات.

ويعتقد مالوك براون أنه “سيكون هناك اعتراض من بقية الأعضاء الذين ينادون بتوزيع أكثر عدلا للمناصب القيادية للأمم المتحدة خاصة وأنهم يعتبرون عضوية مجلس الأمن (15 عضوا) لا تمثل الجميع”.

وأدّى النهج الأحادي أو التحالف المخصص للتعامل مع كل من أزمة اللاجئين والأزمة السورية إلى تقويض احترام القوانين والاتفاقيات الدولية التي تحكم شؤون اللاجئين وإدارة الحرب. وترى نان بوزار، المدير التنفيذي للمجلس الدولي للوكالات التطوعية، أن تشجيع العودة إلى التطبيق السليم لتلك القوانين ينبغي أن يكون واحداً من أولويات غوتيريس الأكثر إلحاحا.

وذكرت أن “القانون الدولي لا يمكن أن يحل جميع المشاكل، ولكن الطرق التي تم تقويضه بها ربما تكون هي التآكل الأكثر خطورة الذي نواجهه”؛ فيما يعتقد مالوك براون أن غوتيريس يمتلك المهارات والخبرات اللازمة ليصبح أمينا عاما جيدا، ولكنه اعترف بضخامة المهمة التي تنتظره. وأضاف أن “الكثير من الصعوبات الراهنة تنبع صراحة من وجود أمين عام ضعيف، لا يرغب في أن يكون حازماً بما فيه الكفاية في ما يتعلق بالشؤون الإنسانية”.

وبشكل عام، لا يُنظر إلى تأكيد الذات على أنه أحد نقاط قوة بان، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بإقناع الدول الأعضاء في مجلس الأمن بتجنيب الجغرافيا السياسية وتحديد أولويات الوضع الإنساني في سوريا.

و“إحدى نقاط قوة غوتيريس هي أن لديه تقديرا حساسا لكيفية أن يكون حازما دون أن يكون بغيضا”، كما لاحظ جيف كريسب، الرئيس السابق للسياسة والتقييم في مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، تحت رئاسة غوتيريس.

وختمت كريستي سيغفريد تقريرها بقول مالوك براون “لقد شغل منصب الأمين العام ثمانية أشخاص، نجح منهم اثنان بشكل جيّد، هما كوفي عنان وداغ همرشولد. إن الفشل أسهل بكثير”.

6