هل يصلح التفاؤل ما أفسده الدهر

الأربعاء 2015/03/11
العلاج السلوكي ضرورة لتعديل مزاج المريض المتشائم

توصل متخصصون في أمراض النفس والقلب بالأدلة القاطعة إلى أن بعض الأمثال الشعبية لم تأت من فراغ، حيث يمنح النظر إلى الجانب المشرق من الحياة وتبني موقف إيجابي منها الفرصة لكبار السن للتمتع بصحة وافرة ولتجنب أمراض خطيرة قد تؤدي بحياتهم مثل الأزمات القلبية.

ووجد فريق من العلماء في جامعة لندن أن المرضى المتشائمين الذين تعرضوا إلى أزمة قلبية أو ذبحة صدرية في وقت من الأوقات كانوا أكثر استعدادا لمواجهة الأعراض ذاتها وبمقدار الضعف خلال السنوات الأربع اللاحقة لإصابتهم الأولى، مقارنة بالمرضى المتفائلين أو الذين يتعاملون مع الجانب المضيء من الحياة، وقد تتطور حالات الإصابة بالأزمات القلبية لدى المتشائمين إلى حد اضطرارهم للخضوع إلى التدخل الجراحي وربما إلى الموت.

ويعاني أكثر من مليوني شخص في بريطانيا من أمراض القلب التاجية وهي المتسبب الرئيسي في الذبحات الصدرية غير المستقرة والتي لا تعتمد على وتيرة معينة ولا ترتبط ببذل أي مجهود جسدي أي أنها يمكن أن تحدث حتى في أوقات الراحة.

في حين، يموت أكثر من 370 ألف مريض في الولايات المتحدة الأميركية بسبب الأزمات القلبية غير المستقرة أيضا، لذلك عمد متخصصون إلى مراقبة عينة من أصحاب هذه الحالات من كبار السن وغيرهم على مدى أربع سنوات وتقصي أسباب تعرضهم لهذه الأزمات المفاجئة.

وتوصلت نتائج الأبحاث التي أشرفت عليها “مؤسسة أمراض القلب البريطانية”، بإشراف الدكتور أندرو ستبتو، إلى أن بعض العوامل الجسدية والنفسية التي رافقت هذه الأعراض مرتبطة بشكل أساس بطريقة تعامل المريض مع واقعه وحياته من خلال نظرته المتفائلة أو المتشائمة.

وأظهرت الدراسة أن المرضى المتفائلين كانوا أكثر ميلا إلى تناول الطعام الصحي والإكثار من الفواكه والخضراوات في وجبات طعامهم، بعد تعرضهم للمرة الأولى للأزمات القلبية، في حين يبتعد المتشائمون في العادة عن إتباع أساليب حياة صحية، كما أنهم لا يعبأون بترك عادة التدخين المعروفة بدورها المباشر في مضاعفات أمراض القلب والشرايين.

المرضى المتفائلون أكثر ميلا إلى تناول الطعام الصحي والإكثار من الفواكه والخضراوات في وجباتهم

وأشار الدكتور ستبتو إلى أن المرضى المتفائلين أكثر استجابة لإرشادات الطبيب وهذا الأمر يسهم بصورة إيجابية في تحسين حالة المريض وضمان عدم تكرار الانتكاسات الصحية في السنوات المقبلة، كما أن نتائج البحث أفرزت وجود تأثير مباشر بين تشاؤم المريض وتراجع حالته الصحية وهذا يؤكد على أهمية تدخل الطبيب لتوضيح الصورة لمريضه ومساعدته على تغيير نمط حياته.

إلى ذلك، شدد الدكتور مايك نابتون، وهو مدير طبي مشارك في “مؤسسة أمراض القلب البريطانية”، على أهمية تركيز الخطوة التالية على العلاج النفسي مثل العلاج السلوكي المعرفي لتعديل مزاج المريض المتشائم وتوجيهه إلى الجانب المشرق من الحياة الأمر الذي يعزز من فرصه في الشفاء.

وكانت دراسة قد نشرت سابقا في دورية “الطب النفسي”، أشارت إلى أن المرضى المتشائمين معرضين للإصابة أكثر بمعدل الضعف بمرض الاكتئاب النفسي في السنة الأولى التي تعقب إصابتهم بالذبحة الصدرية، مقارنة بالمرضى الآخرين.

من جهة أخرى، أظهرت دراسة حديثة أن الأشخاص الذين يستسلمون للضغوط النفسية المستمرة في مرحلة الشباب أكثر عرضة للإصابة بأمراض القلب في مراحل العمر المتقدمة.

وتوصل باحثون من قسم علوم الأوبئة السريرية والإحصاء الحيوي في جامعة أوريبرو السويدية، إلى هذه النتائج التي نشرت في دورية “أمراض القلب” اعتمادا على فحص السجلات الصحية لأكثر من 230 ألف رجال من الذين ولدوا بين عامي 1952 و1956 وكانوا مجندين للخدمة العسكرية في سن الشباب، حيث كان التجنيد إلزاميا في حينها، وشملت السجلات محتويات لتقارير تتعلق باللياقة الصحية والجسدية والنفسية لهؤلاء الجنود.

وكانت الأبحاث السابقة في هذا الصدد، أكدت على أن التعرض للإجهاد النفسي يعد عاملا مساعدا للإصابة بمرض القلب التاجي شأنه شأن العديد من العوامل الأخرى، إلا أنها لم تتطرق إلى الطريقة التي يتعامل بها الأفراد مع الضغوط النفسية التي تواجههم وأهمية ذلك في الزيادة أو التقليل من فرصة الإصابة بالمرض لاحقا.

في حين، تؤكد الدراسة الحالية على أن استسلام الأفراد إلى هذه الضغوط في سن صغيرة قد تزيد خطر الإصابة بأمراض القلب المختلفة في الكبر، بطريقة قد لا ينفع معها أي من المحاولات التي يبذلها المرضى لتحييد العوامل الأخرى المساعدة في الإصابة: كتحسين اللياقة البدنية أو تناول الغذاء الصحي.

وفي محصلة نتائج البحث، فإن المقاربة بين اللياقة البدنية الصحيحة ومحاربة الضغط والإجهاد النفسي من شأنهما معا أن يمنعا أو يقللا فرصة الإصابة بالأمراض القلبية المختلفة.

وأشار المشرفون على البحث إلى أن النتائج ستكون دقيقة أكثر في حال تم التعرف إلى بعض العادات المصاحبة للأوضاع الصحية لهؤلاء الرجال: مثل التدخين الذي يمثل عاملا مهما في هذا النطاق، كما أن البحث سيكتسب مزيدا من المصداقية في حال لو طبق على عينات متساوية من الرجال والنساء أيضا.

21