هل يصلح الذكاء الاصطناعي ما أفسده البشر؟

ثلث اليابسة مهدد بالغرق ومستقبل البشرية معلق بالتكنولوجيا.
الجمعة 2021/08/27
ملايين الهكتارات أتت عليها الحرائق والسبب التكنولوجيا

النجاحات التي حققتها البشرية لم تأت دون ثمن ندفعه، بدءا بالأضرار البيئية والأوبئة وصولا إلى الأزمات الاقتصادية. وبينما يرى البعض في التقدم التكنولوجي سببا لكل الشرور، يأمل آخرون أن تساعد التكنولوجيا، خاصة الذكية، في تقديم الحلول.

 لا يوجد اليوم من يشكك بالمخاطر البيئية التي تهدد مستقبل البشرية على كوكب الأرض، هناك شبه إجماع على أن مستوى سطح البحر سيرتفع بصورة ملحوظة بحلول عام 2050، أي بعد أقل من 30 عاما. ليصل الارتفاع بعد 100 عام على أبعد تقدير إلى خمسة أمتار. ماذا يعني هذا؟

وفق خبراء البيئة سيؤدي ذلك في حال حدوثه إلى غرق 30 في المئة من الأراضي، وغالبا ستكون من المناطق ذات الكثافة السكانية العالية.

ورجح تقرير للهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ أن يؤدي التغير المناخي إلى تفاقم المشاكل المتعلقة بالمياه مثل الفيضانات، والجفاف الذي يؤدي إلى اتساع رقعة الحرائق.

ارتفاع درجات الحرارة سيصاحبه تغيرات كبيرة في دورة المياه على كوكب الأرض، حيث ستصبح المناطق المبتلة بالفعل أكثر رطوبة، وستصبح المناطق القاحلة عرضة لمزيد من الجفاف. وسيتكاثف هطول الأمطار الغزيرة بنسبة 7 في المئة لكل درجة مئوية إضافية بسبب الاحتباس الحراري.

ونقل عن البروفيسور رالف تومي، المدير المشارك لمعهد “غرانثام” لتغير المناخ في “إمبريال كوليدج” لندن أنه “عندما يصبح العالم الأكثر دفئا، فهذا يعني أن المزيد من المياه سوف تتبخر، مما يؤدي إلى تفاقم الجفاف، والماء في الغلاف الجوي سيزداد، وبالتالي ستزداد كمية المطر عندما تمطر. وسيؤدي ذلك إلى زيادة تواتر هطول الأمطار في المناطق الرطبة بالفعل، وزيادة حدوث الفيضانات وشدتها”.

معاناة لا حصر لها

إنجر أندرسن: الطبيعة ترسل لنا رسالة تحذير مع جائحة كورونا

التنبؤات الكارثية يمكن تجنبها أو تأجيلها، إذا تمكن العالم من تخفيض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، وبالتالي يمكن للبشرية تأجيل الارتفاع الحاد في مستوى سطح البحر 300 عام.

رغم ما قد تلحقه من أضرار، هذه ليست أكبر المخاطر التي يواجهها البشر بسبب التغيرات المناخية.

في حال واصلت البشرية تدمير البيئة سيواجه البشر أوبئة أسوأ من كورونا. ويتوقع خبراء التنوع البيولوجي في العالم أنه من المرجح أن يتبع وباء كورونا تفشي المزيد من الأمراض الفتاكة ما لم يتم إيقاف التدمير المتفشي لعالم الطبيعة بسرعة.

وخلص تقرير نشر في عام 2019 قبل ظهور أول حالة إصابة بكورونا صادر عن المنبر الحكومي الدولي للعلوم والسياسات في مجال التنوع البيولوجي وخدمات النظم البيئية، إلى أن المجتمع البشري في خطر من التدهور المتسارع لأنظمة دعم الحياة الطبيعية للأرض.

وحسب التقرير “خلقت إزالة الغابات المتفشية، والتوسع غير المنضبط للزراعة، والزراعة المكثفة والتعدين وتطوير البنية التحتية، بالإضافة إلى استغلال الأنواع البرية، رياحا مواتية لانتشار الأمراض”.

هذه الأنشطة تتسبب في انتشار الأوبئة عن طريق جعل المزيد من الناس على اتصال بالحيوانات وتتعارض معها، حيث ينشأ 70 في المئة من الأمراض البشرية المستجدة.

وإلى جانب التحضر والنمو الهائل للسفر الجوي العالمي، تسبب هذا الفايروس غير الضار في الخفافيش الآسيوية من جلب “معاناة إنسانية لا حصر لها ووقف الاقتصادات والمجتمعات في جميع أنحاء العالم. ومن المرجح أن تحدث الأوبئة المستقبلية بشكل متكرر، وتنتشر بسرعة أكبر، ولها تأثير اقتصادي أكبر وتقتل المزيد من الناس، إذا لم نكن حذرين للغاية بشأن التأثيرات المحتملة للخيارات التي نتخذها اليوم”.

وفي مارس 2020، قالت إنجر أندرسن، رئيسة البيئة في الأمم المتحدة، لصحيفة الغارديان البريطانية، “إن الطبيعة ترسل لنا رسالة” مع جائحة فايروس كورونا وأزمة المناخ المستمرة. عدم الاهتمام بالكوكب يعني عدم الاهتمام بأنفسنا.

النجاحات التي حققتها البشرية لم تأت دون ثمن ندفعه، بدءا بالأضرار البيئية وصولا إلى الأزمات الاقتصادية. وبينما يرى البعض في التقدم التكنولوجي سببا لكل الشرور، يأمل آخرون أن تساعد التكنولوجيا، خاصة الذكية، في تقديم الحلول.

وتتم الإشادة بأنظمة التعلم الآلي الخوارزمية باعتبارها جزءًا لا يتجزأ من اقتصاد الطاقة النظيفة الجديد، لكن النقاد يرونها مصدر استنزاف كثيف للطاقة.

ومع تزايد الدمار الناجم عن العواصف وحرائق الغابات والجفاف، يُنظر بشكل متزايد إلى الذكاء الاصطناعي والأدوات الرقمية على أنها وسيلة للتنبؤ بتأثيراته والحد منها. وتُظهر الحكومات وشركات التكنولوجيا والمستثمرون اهتمامًا متزايدًا بأنظمة التعلم القائمة التي تستخدم الخوارزميات لتحديد الأنماط في مجموعات البيانات وإجراء تنبؤات أو توصيات أو قرارات في إعدادات حقيقية أو افتراضية.

في يونيو الماضي، استثمر صندوق استثماري، وهو ذراع استثماري مؤثر لشركة الأسهم الخاصةTPG ، 100 مليون دولار في نظام التنبؤ “ناوكاستينك” الذي يعتمد الخوارزميات والذكاء الاصطناعي، وهو من تطوير شركة “كلايمافيجن” الناشئة في كنتاكي بالولايات المتحدة للتنبؤ بأنماط الطقس بدقة متناهية.

تحكم بالبصمة الكربونية

Thumbnail

من المقرر إطلاق خارطة طريق حكومية دولية حول دور الذكاء الاصطناعي في مكافحة الاحتباس الحراري في قمة المناخ في نوفمبر في اسكتلندا. ويقول نقاد إن التكنولوجيا يمكن أن تكون مصدرا مكلفا مقارنة بطرق أخرى أكثر فاعلية لمعالجة تغيرات المناخ، بل ويمكن أن يصبح الذكاء الاصطناعي، الذي يستهلك كميات كبيرة من الطاقة، عاملا إضافيا يلحق الضرر بالبيئة.

رغم ذلك، هناك من يرى أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يساعد في مكافحة التغيرات المناخية.

يعمل الباحثون على تطوير اختصاص علمي جديد قائم على تجميع المعلومات المناخية يستندُ إلى منظومات خوارزمية قادرة على التنبؤ بالحالات المناخية والطقس بشكل دقيق، وذلك من خلال توظيف التعلم العميق. وعبر تطبيق هذه التقنيات، يتوقع الباحثون أن يصبح بإمكاننا في المستقبل القريب التنبؤ بالكوارث البيئية الناجمة عن التغيرات المناخية، مما يسهّل التصرف والوقاية بشكل مُسبَق.

ومن شأن الاعتماد على الذكاء الاصطناعي أن يزوّدنا بوسائل تمكّننا من التحكّم بالتلوّث الهوائي، وأن نميّز بين مسبّبات التلوث الهوائي بشكل أسرع وأكثر دقة مقارنةً بالوسائل التقليدية. في حالة التسرّب الغازي تُمكننا المجسّات الذكية من التصرف السريع بناءً على الدقة والسرعة المتاحتين بفضل هذه التكنولوجيا الحديثة. ومن جانب آخر، يمكن لاستخدام الذكاء الاصطناعي التقليل من التلوّث الهوائي بطرق مختلفة، مثل السيارات ذاتية القيادة، والتي ستساهم في تقليل الانبعاثات الغازية السامة التي تصدر من وقود المركبات التقليدية عادةً. وبالتالي التقليل مما يعرف بالبصمة الكربونية وكشف مصادر التلوث الهوائي إلى جانب وضع اقتراحات للحد من أشكال التلوث المختلفة.

حاليا، تُستخدم تقنية الذكاء الاصطناعي بالفعل لإرسال تنبيهات بالكوارث الطبيعية في اليابان، ومراقبة إزالة الغابات في منطقة الأمازون، وتصميم مدن ذكية أكثر اخضرارًا في الصين. يمكن أن تساعد تطبيقات الذكاء الاصطناعي أيضًا في تصميم مباني أكثر كفاءة في استخدام الطاقة، وتحسين تخزين الطاقة وتحسين نشر الطاقة المتجددة من خلال اعتماد الطاقة الشمسية وطاقة الرياح في شبكة الكهرباء حسب الحاجة.

إعلانات مضللة

30 في المئة من اليابسة مهدد بالغرق
30 في المئة من اليابسة مهدد بالغرق

على نطاق أصغر، يمكن أن يساعد الأفراد على تقليل استخدامهم للطاقة في حياتهم اليومية؛ إطفاء الأنوار غير المستخدمة تلقائيًا أو إرسال الطاقة من السيارات الكهربائية إلى الشبكة لتلبية الطلب المتوقع. وبحلول عام 2030، يمكن أن تساعد هذه التقنية في خفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري العالمية بنسبة 4 في المئة، وفقًا لدراسة حديثة أجرتها شركة المحاسبة برايس ووترهاوس كوبرز لصالح شركة مايكروسوفت، التي تعمل على تطوير منتجات التعلم الآلي لمواجهة تغيرات المناخ.

وقال بيتر كلوتون بروك، الشريك المؤسس لمركز الذكاء الاصطناعي والمناخ (CAIC) وهو مركز أبحاث مقره بريطانيا، حيث يمكن للذكاء الاصطناعي معالجة كميات هائلة من البيانات غير المهيكلة مثل الصور والرسوم البيانية والخرائط، مما يفتح “إمكانيات هائلة لفهم الديناميكيات حول ارتفاع مستوى سطح البحر والصفائح الجليدية”.

ولكن ما هي الجهات التي سيتاح لها استخدام الذكاء الاصطناعي؟

دفعت التكلفة العالية للموارد الحاسوبية للذكاء الاصطناعي مهمة إجراء الأبحاث إلى القطاع الخاص، ووفقًا لكريس غود، الرئيس التنفيذي لشركة كلايمافيجن، فإن شركات الطاقة والنقل والمزارعين وحتى الجيش الأميركي ستتاح لهم إمكانية الوصول إلى “عناصر الغلاف الجوي في الوقت الفعلي، لمتابعة ما يحدث في هذه اللحظة بالذات، حيث يتم تحديث المعلومات ثانية بثانية”.

ولكن، هل كل المعلومات التي تقدمها الشركات حول تعهداتها البيئية للحد من تفاقم أزمة المناخ صحيحة؟

اليابان تتزعم الدول الأكثر احتمالا لممارسة التمويه الأخضر بنسبة 84 في المئة من تصريحات وبيانات الشركات، مقابل 75 في المئة في الولايات المتحدة

الصورة المعلنة من جانب الشركات لا تعكس الواقع دائما، فعلى الرغم من تصاعد إعلانات الالتزام البيئي التي تبعث على التفاؤل حول إنقاذ الكوكب، فإن المخاوف تتزايد من ما يعرف بالتمويه الأخضر.

هذه المخاوف دفعت فريقا بحثيا بجامعة كلية دبلن لتوظيف الذكاء الاصطناعي في تطوير خوارزميات مهمتها رصد الإعلانات المضللة عن الالتزام البيئي.

بحسب موقع “بلومبرغ” الأميركي فإن التمويه الأخضر يشمل حالات عديدة، منها الادعاءات المراوغة بصداقة البيئة، وإعلانات تنطوي على أكاذيب صريحة.

هذه الادعاءات كلها تعطي المستثمرين والمستهلكين وصناع القرار، شعورا زائفاً بالأمان والاطمئنان، بأن الشركات تحقق بالفعل تقدماً كبيراً في المعركة ضد احترار الكوكب.

وفي مواجهة الخداع البيئي، استخدم فريق يدعو “غرين ووتش” الذكاء الاصطناعي في تكوين خوارزميات تعتمد على مقارنة ما يصدر عن 700 شركة عالمية من بيانات صحفية وما يُنشر عنها على شبكة الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي، مع البصمة الكربونية الفعلية الصادرة عنها.

هذه المقارنة تستهدف معرفة مدى التزام الشركات بخفض الانبعاثات الكربونية بنسبة 7 في المئة سنويا، للوصول لهدف الانبعاثات الصفرية بحلول عام 2050.

وتم تصنيف الشركات ضمن 5 فئات تشمل: الشركات الرائدة بيئيا، وأبطال خضر مجهولون، وذات تصاعد بيئي تدريجي، ومحتملون للتمويه الأخضر، ومرجحون للتمويه الأخضر.

النتائج الأولية تشير إلى أن 95 في المئة من بيانات وتصريحات شركات الاتصالات والإعلام تتضمن احتمال التمويه الأخضر، وتنخفض النسبة إلى 80 في المئة في شركات الصناعات الاستهلاكية والصناعة والمواد الأولية.

في حين أن بيانات شركات الطاقة تنطوي على احتمال بممارسة التمويه الأخضر بمقدار 50 في المئة.

وتتزعم اليابان الدول الأكثر احتمالا لممارسة التمويه الأخضر بنسبة 84 في المئة من تصريحات وبيانات الشركات، مقابل 75 في المئة في الولايات المتحدة.

فرصة للمجازفة

زهرة توليب من روبوت إلى المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل
زهرة توليب من روبوت إلى المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل

هل من جانب سلبي لاستخدام الذكاء الاصطناعي؟

وفقًا لدراسة أجراها معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، يمكن أن يستهلك تخزين ومعالجة البيانات اللازمة لتدريب خوارزمية كبيرة كميات هائلة من الطاقة، يصدر عنها 284 ألف كيلوغرام من ثاني أكسيد الكربون. وهو ما يعادل تقريبا خمسة أضعاف انبعاثات دورة حياة السيارة الأميركية.

تقوم مراكز البيانات بمعالجة وتخزين البيانات من الأنشطة عبر الإنترنت، مثل إرسال رسائل البريد الإلكتروني وبث مقاطع الفيديو، التي تمثل حوالي واحد في المئة من استخدام الكهرباء العالمي. وتشير بعض التقديرات إلى أن التكنولوجيا الرقمية ستشكل ما يصل

إلى 8 في المئة من إجمالي الطلب العالمي على الطاقة بحلول عام 2030، مما يثير مخاوف من أن يؤدي ذلك إلى حرق المزيد من الوقود الأحفوري.

وعلقت فرجينيا ديغنام، أستاذة الذكاء الاصطناعي الاجتماعي والأخلاقي في جامعة أوميا السويدية على ذلك قائلة “إن الذكاء الاصطناعي هو عامل إضافي وربما مدمر لمحاربة المناخ”. وأضافت “إن الحاجة إلى وجود معادن أرضية نادرة لصنع الأجهزة لها تأثير مدمر”. الذكاء الاصطناعي نفسه “ليس عصا سحرية، ولا يخلو من الأخطاء”.

إلى جانب ذلك، يثير التتبع المحتمل لاستخدام الطاقة لدى الأشخاص مخاوف تتعلق بالخصوصية، وهو ما أطلق عليه كلوتون بروك القدرة على “تتبع البيانات للأفراد”.

وهناك مخاوف أيضا من نتائج تنبؤية متحيزة، اعتمادًا على الافتراضات المستخدمة في مدخلات البيانات.

وباء كورونا سيتبعه تفشي المزيد من الأمراض الفتاكة ما لم يتم إيقاف التدمير المتسارع لعالم الطبيعة

وقال كيفين أندرسون، أستاذ الطاقة وتغير المناخ في جامعات في بريطانيا والسويد والنرويج، إن تغير المناخ يجب أن “يتعلق في المقام الأول بأولئك المسؤولين عن النصيب الأكبر من الانبعاثات التي تؤدي إلى تغييرات كبيرة في أنماط حياتنا”.

وأضاف أندرسون، الذي يعمل أيضًا مع مركز تيندال لأبحاث تغير المناخ، إن “الاعتماد على التكنولوجيا لحل المشكلة في المستقبل لن يكون كافياً”.

إذا ما هو الحل؟

اقترح معهد “الذكاء الاصطناعي الآن”، وهو مركز أبحاث في جامعة نيويورك، مبادئ خضراء للذكاء الاصطناعي تتطلب شفافية كاملة بشأن تأثير الكربون والطاقة والتأثير البيئي لشركات التكنولوجيا وتكامل التكنولوجيا وتنظيم المناخ. وأشار الاتحاد الأوروبي إلى أنه يدرس أيضًا هذه القضايا.

التهديدات التي يشكلها تغير المناخ تبرر استمرار الجهود المبذولة لإيجاد حل باستخدام الذكاء الاصطناعي. فالفرصة التي يتيحها أكبر من المجازفة المترتبة على استخدامه.

12