هل يصمد الاتحاد الأوروبي أم ينهار أمام أزماته

الثلاثاء 2017/04/04

بدت أحلام الأوروبيين فضفاضة ومشرقة عندما اجتمع قادة ست دول أوروبية في العاصمة الإيطالية روما في 25 مارس عام 1957 للتوقيع على معاهدة إنشاء السوق الأوروبية المشتركة، والتي ضمت وقتها كلا من ألمانيا وفرنسا وإيطاليا وبلجيكا وهولندا ولوكسمبورغ.

وقتها كانت مآسي الحرب العالمية الثانية لا تزال حاضرة في أذهان الأوروبيين، وكانت مشروعات إعادة إعمار أوروبا بعد ما خلفته الحرب من دمار لا تزال قائمة في مختلف مدن أوروبا.

حينها تطلع الأوروبيون إلى مشروع يوحدهم ويحقق لهم هدفين رئيسين: الإسراع بمعدلات نمو اقتصاديات أوروبا بهدف الارتقاء بمستويات معيشة مواطنيها، وإرساء قواعد التعاون بين القوى الأوروبية الرئيسية لضمان عدم قيام حروب جديدة.

وتوالت الخطوات في مشروع الوحدة الأوروبية، واتسعت السوق الأوروبية المشتركة تدريجيا مع انضمام المزيد من الدول الأوروبية إليها. ونجحت القوى الاقتصادية الكبرى، وعلى رأسها ألمانيا وفرنسا وإيطاليا، في إطلاق العملة الأوروبية الموحدة، أو اليورو، في مطلع عام 2002، وتضم منطقة اليورو في الوقت الحالي 19 دولة.

وانتقلت أوروبا إلى اتحاد أوسع امتد إلى شرق أوروبا بحيث انضمت دول مثل رومانيا وبلغاريا إليه في عام 2007، وارتفع عدد أعضاء الاتحاد ليصل إلى 28 عضوا، وذلك قبل أن يتراجع عدد أعضائه للمرة الأولى في تاريخه ليصبح 27 عضوا مع خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.

ولا شك أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والذي أصبح واقعا بعد أن أرسلت رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي خطابا رسميا لدونالد توسك، رئيس المجلس الأوروبي، تطلب فيه الخروج من الاتحاد، يشكل تهديدا حقيقيا لقدرة الاتحاد الأوروبي على البقاء والتقدم لأسباب متعددة.

من أبرز هذه الأسباب حجم الاقتصاد البريطاني، إذ تشكل بريطانيا ثاني أكبر اقتصاد في أوروبا بعد ألمانيا، وتشكل عاصمتها لندن أكبر مركز للمعاملات المالية في أوروبا. هذا علاوة على التأثير السياسي لبريطانيا التي تتمتع بمقعد دائم في مجلس الأمن، وتربطها علاقات تاريخية خاصة مع الولايات المتحدة، وهي علاقة تفوق أهميتها السياسية غالبا علاقة بريطانيا مع جيرانها الأوروبيين.

بل ربما تكون هذه العلاقة بين لندن وواشنطن على النقيض من المصالح الأوروبية كما كان يرى الزعيم الفرنسي الراحل شارل ديغول، والذي رفض مرتين انضمام بريطانيا إلى السوق الأوروبية المشتركة، قبل أن تدخلها عندما تقدمت بطلب الانضمام للمرة الثالثة عام 1973.

ولم يأت موقف ديغول، وغيره من الزعماء الأوروبيين الذين تشككوا دائما في جدوى انضمام بريطانيا إلى مشروعات الوحدة الأوروبية، من فراغ. إذ حرصت بريطانيا عبر التاريخ على ألا تنفرد قوة أوروبية بالسيطرة على القارة التي تمثل المجال الحيوي للاقتصاد البريطاني.

وسبق أن تصدت بريطانيا لمشروع أدولف هتلر، الذي كان يسعى لسيطرة ألمانيا على أوروبا في الحرب العالمية الثانية، وتمكنت بمساعدة الولايات المتحدة وروسيا من القضاء على هتلر ومشروعه.

وسبق أن حاولت ألمانيا توسيع نفوذها في مطلع القرن العشرين، لكن بريطانيا أيضا تمكنت من إسقاط هذا المشروع من خلال الحرب العالمية الأولى.

ونظرا إلى أن مشروع الوحدة الأوروبية يقوم في جوهره على الشراكة بين ألمانيا وفرنسا، وهي شراكة تقودها ألمانيا بحجم وزنها الهائل في أوروبا، يرى الكثير من الكتاب أن بريطانيا الآن تحاول أن تنسف عبر السياسة، وليس عبر الحرب، مشروع ألمانيا للسيطرة على أوروبا. ولعل الموقف الصلب الذي اتخذته المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل من موضوع خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي يوضح أبعاد الصراع السياسي بين البلدين.

إذ رفضت ميركل أن تستفيد بريطانيا من السوق الأوروبية الموحدة دون أن تتحمل أعباء العضوية بها، مثل حرية انتقال العمالة بين الدول الأعضاء. كما رفضت ميركل ما تطالب به تيريزا ماي من محادثات متزامنة حول التجارة وخروج بريطانيا مع الاتحاد الأوروبي.

وتصر ميركل على أنه يجب إنهاء مفاوضات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي أولا قبل الحديث عما تسعى إليه بريطانيا من فوائد عبر التجارة مع السوق الأوروبية الموحدة.

وعلاوة على كل ما سبق فإن أحزاب اليمين الشعبوي في أوروبا رحبت بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وقدمه قادة هذه الأحزاب لأنصارهم باعتباره نموذجا يحتذى.

ومن أبرز هؤلاء القادة ماري لوبان، زعيمة الجبهة الوطنية في فرنسا، التي أعلنت مرارا رغبتها في خروج فرنسا من الاتحاد الأوروبي، وعزمها تنظيم استفتاء مشابه لما حدث في بريطانيا إذا فازت في انتخابات الرئاسة في 23 أبريل 2017.

وتشير استطلاعات الرأي إلى أن ماري لوبان ستفوز في الجولة الأولى من هذه الانتخابات، الأمر الذي يعني أن لديها قاعدة شعبية لا يستهان بها، وإن كانت غير كافية للفوز في النهاية برئاسة فرنسا.

في هولندا دعا خيرت فيلدر، زعيم حزب الحرية بدوره، إلى الخروج من الاتحاد الأوروبي، وتمكن في الانتخابات الأخيرة من زيادة مقاعد حزبه في البرلمان غير أنه لم يتمكن من الفوز بالانتخابات كما كان يخشى كثيرون.

وترفع ماري لوبان شعار “فرنسا للفرنسيين” كما يرفع فيلدر شعار “هولندا للهولنديين”، وكل هذه الشعارات تعبر عن إحباط هذه الأحزاب ومن يؤيدها من فكرة الوحدة الأوروبية، وشعورهم بأنها فتحت أبواب بلادهم لمهاجرين من دول شرق أوروبا التي يقل فيها الدخل كثيرا عن دول غرب أوروبا كما هو الحال في فرنسا وهولندا، وينتهي الأمر بأن هؤلاء الوافدين يزاحمون مواطني غرب أوروبا في فرص العمل والعلاج والتعليم.

وظهر هذا بوضوح عندما رفضت هولندا اتفاقية للشراكة مع أوكرانيا العام الماضي، على أساس أنها ستفتح أبواب أوروبا للأوكرانيين، كما حدث مع دول شرق أوروبا. وفي ذات الوقت، لم تتمكن دول الاتحاد الأوروبي من تحقيق نمو اقتصادي كبير في السنوات الأخيرة يتيح لها تخفيض نسبة البطالة المرتفعة في عدة دول، مثل إسبانيا وبولندا، بل ولا تزال دول كبيرة، مثل فرنسا وإيطاليا، تعاني من عجز كبير في الموازنة العامة بسبب النفقات الهائلة لبرامج الرعاية الاجتماعية، علاوة على دولة مثل اليونان تعيش في أزمة خانقة منذ سنوات.

ولا يقتصر العداء للاتحاد الأوروبي على قادة اليمين الشعبوي في أوروبا، بل إن الرئيس الأميركي دونالد ترامب عبر مرارا عن انتقاداته للاتحاد الأوروبي وترحيبه بخروج بريطانيا منه، ورغبته في أن تحذو حذوها المزيد من الدول الأوروبية.

ولا يقل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في عدائه للاتحاد الأوروبي عن ترامب، ولكن لأسباب مختلفة. بالنسبة لبوتين فإنه يسعى لعودة النفوذ الروسي لدول شرق أوروبا التي كانت في حلف وارسو وخرجت منه، وأصبحت الآن في الاتحاد الأوروبي. وهناك أسباب ثقافية وتاريخية كثيرة جعلت زعماء روسيا ينظرون إلى عدة دول في شرق أوروبا باعتبارها حليفا طبيعيا لموسكو.

ولا شك أن أزمة اللاجئين، الذين يتدفقون على أوروبا من مناطق الصراع في الشرق الأوسط، شكلت تحديا هائلا للاتحاد الأوروبي، وأبرزت التناقضات الكبيرة بين أعضاء الاتحاد.

ففي الوقت الذي رحبت فيه ميركل باستقبال أعداد كبيرة من اللاجئين، رفضت دول شرق أوروبا، مثل المجر وبولندا، الحصص التي كان يفترض أن تلتزم بها من اللاجئين. ولولا الاتفاق الهش الذي دعمته أنجيلا ميركل بين الاتحاد وتركيا، والذي يتيح عودة اللاجئين غير الشرعيين لتركيا مقابل السماح بدخول لاجئين شرعيين، لتفاقمت الأزمة. لكن أزمة اللاجئين لا تزال ورقة تتاجر بها أحزاب اليمين الشعبوي في أوروبا.

الخلاصة أن الاتحاد الأوروبي يواجه تبعات خروج دولة كبيرة مثل بريطانيا منه، ويواجه هجوما مستمرا من داخل أوروبا، عبر قادة اليمين الشعبوي، ومن خارجها عبر ضغوط ترامب وبوتين، هذا بخلاف أزمة اللاجئين التي قد تنفجر مجددا في أي وقت، واستمرار نسب عالية من البطالة مع وجود نمو اقتصادي محدود، وارتفاع الدين العام في عدة دول أوروبية.

ربما ينهار الاتحاد الأوروبي كما انهارت اتحادات أخرى كثيرة في أوروبا أو خارجها، ولكن إذا صمد الاتحاد أمام كل هذه الأزمات فستكون النتيجة أن بريطانيا ستمنى بخسارة استراتيجية كبيرة نظرا لتراجع نفوذها في أوروبا. وستنجح ألمانيا في السيطرة على أوروبا بعد أن فشلت محاولاتها عبر عقود طويلة.

كاتب مصري مقيم في لندن

8