هل يضع إلغاء قانون العزل السياسي حدا للصراع في ليبيا

الجمعة 2015/03/20
شرعية الإقصاء تدفع بالميليشيات الإسلامية إلى الواجهة في ليبيا

تبدو ليبيا، في ظل الانقسام الظاهر بين القوى الإسلامية والعلمانية، وبين طرابلس وطبرق، وبين الشرق والغرب، على وشك الإفلاس السياسي. ولكن لا تتعلق هذه الصراعات المميتة بالأيديولوجيا أو الجغرافيا بقدر ما تتعلق إلى حد كبير بالنفوذ. بعبارة أخرى، من سيحكم ليبيا في المستقبل ومن سيتم إقصاؤه بشكل دائم.

تبحث دراسة صدرت عن معهد الدراسات الأمنية التابع للاتحاد الأوروبي في جذور هذا الوضع، الذي تمرّ به ليبيا منذ فبراير 2011. وترى معدّة الدراسة الباحثة فلورانس غوب أن من بين أبرز مسبّبات الفوضى والاضطراب السياسي الحالي في ليبيا قانون العزل السياسي، أو ما أطلقت عليه غوب، قانون التخلص من نظام القذافي، الذي أقره المؤتمر الوطني العام، في مايو سنة 2013.

يمنع قانون العزل السياسي أي شخص تولّى مناصب رسمية في عهد نظام القذافي (بين سبتمبر 1969 وأكتوبر 2011) العمل في المؤسسات الحكومية. وأيضا يحظر عليهم تولي مناصب قيادية خارج القطاع الحكومي مثل المناصب في الإعلام والأحزاب السياسية والجامعات. وفي القوات المسلحة، يصرف القانون كل من خدم في منصب قيادي من الخدمة.

هذه القوانين التي تقصي بعض الناس من المؤسسات الحكومية كثيرا ما تطبق في مجتمعات خارجة من تغيير سياسي عميق أو بعد حدوث تغيير في النظام، مثلا ألمانيا بعد نهاية الحكم النازي، وفي جنوب أفريقيا على إثر انهيار نظام الفصل العنصري، والعراق ما بعد صدام حسين مرّرت قوانين في هذا السياق.

من الناحية النظرية، تهدف قوانين التطهير لتخليص البلاد من سنوات من الحكم الاستبدادي عن طريق خلق قاعدة قانونية للمصالحة وإقامة نظام سياسي شفاف وعادل. لكن في الحالة الليبية، ترى فلورانس غوب، أن قانون العزل السياسي رسّخ ثقافة الانتقام وغذى زعزعة الاستقرار السياسي وتسبب في انهيار عدة مؤسسات حكومية. كما تمت إساءة استعماله من أجل تسهيل الانتهاكات لحقوق الإنسان وتعطيل المسار الديمقراطي.

نقاط النزاع القانونية والعملية

تصف فلورانس غوب، في دراستها التي حملت عنوان “القانون والفوضى”، قانون العزل السياسي الليبي بأنه أحد أكثر الأمثلة تطرّفا في قوانين التطهير في العالم. وتقول في تفسيرها لهذا التوصيف بأنه لا يفرق بين الأشخاص الذين ارتكبوا انتهاكات ضد حقوق الإنسان، وأولئك الذين عملوا في أدوار إدارية فحسب، وبذلك يعارض هذا القانون كل المبادئ القانونية بتطبيق العقاب الجماعي عوضا عن فسح المجال للتعامل مع الجرائم المفترضة حالة بحالة.

فلورانس غوب: قانون العزل السياسي الليبي أحد أكثر الأمثلة تطرفا في العالم

كما لا يفرّق قانون العزل السياسي بين أولئك الذين اختاروا في وقت ما معارضة النظام وأولئك الذين لم يفعلوا ذلك أبدا. وبما أنه يمتد إلى نهاية أكتوبر 2011، فإن القانون “يجرّم” كلا من محمد المقريف، أول رئيس دائم للمؤتمر الوطني العام (كان قد انشق من منصبه كسفير في الهند سنة 1981 لتأسيس حزب معارض)، وأيضا الجنرال خليفة حفتر، وهو زعيم ائتلاف وطني عريض (كان قد ذهب إلى المنفى في سنة 1990 بعد عدة سنوات قضاها أسيرا في التشاد) وهو موال لحكومة طبرق. وقاد الجنرال المتقاعد خليفة حفتر، عملية الكرامة ضدّ الإسلاميين في ليبيا. ونظرا لدوره وخبرته القيادية، قرّرت حكومة طبرق، المعترف بها دوليا، تعيينه قائدا للقوات الليبية. كما أعلنت الحكومة، بعد إلغاء قانون العزل السياسي، عودة 128 عسكريا إلى صفوف القوات المسلحة.

ويعاقب قانون العزل كذلك أفرادا غيروا ولاءاتهم في بدايات الثورة مثل محمود جبريل، رئيس مجلس التخطيط الوطني في عهد القذافي ورئيس الوزراء المؤقت على إثر سقوط النظام في ذلك الوقت والآن رئيس ائتلاف القوى الوطنية، وهو أكبر حزب سياسي في البلاد.

وأخيرا، يستبعد القانون أي شخص اتخذ ‘موقفا عدوانيا’ من ثورة 2011 أو ‘استعمل الدين’ لدعم النظام. وفيما يتعلق بالنقاط الأخيرة، تشير فلورانس غوب، إلى أن قانون العزل السياسي لم يكتف بتقييد حرية التعبير بل خلق كذلك شروطا واسعة وكاسحة للإقصاء المحتمل من الحياة العامة.

وفي البلدان قليلة السكان مثل ليبيا من الصعب جدا العثور على القيادة السياسية الناجعة على إثر تغيير في النظام، وهي في الأصل نادرة. وبحكم استبعاد جزء مهم من العاملين المحتملين عبر قانون العزل السياسي –ناهيك أن أكثر من ثلث الموظّفين في الدولة مقبلين على خسارة وظائفهم- هناك مخاطر حقيقية لتفريغ مؤسسات الدولة.

ومن الناحية العملية لن تكون هذه الخسارة قابلة للاستدامة. في القوات المسلحة مثلا وجد المشرّعون صعوبة في تعويض رئيس الأركان الجنرال يوسف المنقوش نظرا لأن خلفه لم يكن يسمح له بممارسة دور قيادي، وهذا أمر غريب نظرا لأن مثل هذا المنصب في أغلب البلدان يجب أن يشغله ضابط صاحب خبرة عالية.

وفي حين لم تعرف الأرقام الدقيقة يعتقد أنه إذا ما تم تطبيق قانون العزل السياسي حرفيا سيؤثر على قرابة 500 ألف شخص على الأقل. ولمقارنة هذا القانون مع تجارب سابقة، تأثر 3 بالمئة من سكان ألمانيا ما بعد 1945 بإجراءات التطهير من النازية (ومنح نصفهم العفو خلال بضعة سنوات)، و5.4 من العراقيين تأثروا بسياسة التطهير من البعثية.

قانون العزل ورقة الإسلاميين
طرابلس – قانون العزل السياسي أقره المؤتمر الوطني العام عام 2013، وعزل بموجبه من العمل السياسي والإداري في ليبيا كل من كانت له علاقة بنظام العقيد الراحل معمر القذافي. وشهدت ليبيا جدلا واسعا حول القانون كونه حدد 36 وظيفة قيادية يطالها العزل ضمن فترة زمنية تبدأ من وصول معمر القذافي إلى السلطة في الأول من سبتمبر 1969 وحتى سقوط نظامه بفعل ثورة 17 فبراير 2011.

ويرى محللون أن تدخل المسلحين للضغط باتجاه التعجيل بإقرار قانون العزل السياسي الذي أصدره المؤتمر الوطني العام في ليبيا، شكل عاملا كبيرا في زيادة تعقيد الأزمة التي تشهدها ليبيا.

وقال فاضل الأمين، الباحث في معهد “أتلانتك كاونسل” الأميركي للدراسات، إن قانون العزل السياسي كان من أهم المواضيع التي أثارت جدلا في الوسط السياسي الليبي، قبل أن تصل إلى حد تدخل مسلحين حاصروا وزارات الخارجية والداخلية والعدل.

وأضاف أن تدخل المسلحين كان بإيعاز من جهات محسوبة على الإخوان المسلمين الذين يحاولون السيطرة على مؤسسات الدولة عبر عزل منافسيهم بتهمة صلتهم بالنظام الليبي السابق، على حد قوله.

ودفعت الفوضى التي تسبب فيها قانون العزل السياسي، مع تصاعد الأخطار والتهديدات الإرهابية في ليبيا، مجلس النواب الليبي (البرلمان) إلى إلغاء قانون العزل السياسي في شهر فبراير الماضي. وعلى إثر ذلك، تم تعيين خليفة حفتر قائدا عاما للقوات المسلّحة الليبية.

أما إجراءات التطهير من نظام القذافي، فتتوقع فلورانس غوب، أن تؤثر على 8 بالمئة من أصحاب الأجور. ونظرا لأن ما بين 75 و80 بالمئة من الوظائف في ليبيا حكومية، فإن هذا القانون يحكم على الأفراد المعنيين بحياة الفقر. وفي مجتمع أبوي مثل المجتمع الليبي حيث يرتبط معدل خمسة أفراد بصاحب مرتب واحد يعني أن أكثر من ثلث المجتمع (قرابة 2.5 مليون شخص) سيشعرون بالآثار المدمرة للقانون.

وبإلقاء نظرة عن كثب على التجمع العلماني في طبرق (عملية الكرامة ومجلس النواب) والمعسكر الإسلامي في طرابلس (ميليشيا فجر ليبيا والمؤتمر الوطني العام) يتضح أن الجانبين المتنافسين منقسمان بما يتجاوز مجرد الأيديولوجيا. فالمجموعة الأولى تتكون في معظمها من أشخاص سيشملهم قانون العزل السياسي بغض النظر عن أفعالهم في عهد القذافي. أما المجموعة الثانية فهي متكونة في أغلبها من فاعلين سياسيين برزوا بعد سقوط نظام القذافي بما في ذلك عدة مليشيات وقوات إسلامية.

السبل الأخرى الممكنة

ليس من الضروري أن تكون العدالة الانتقالية شديدة القسوة، إذ تبرهن الأمثلة من أماكن أخرى وجود خيارات أخرى في المسعى إلى تركيز نظام سياسي جديد وعادل. وبيّنت عدّة تجارب وجود سبل أخرى أقل تعطيلا لعمل الدولة ومنها أنظمة يستطيع فيها الأفراد الاختيار بين الاستقالة أو الاعتراف بالأفعال السابقة (مثلما حصل في المجر)، أو يتم فيها اعتماد مبدأ ‘الفرصة الثانية’ على إثر الاعتراف بالذنب (مثلما حصل في بولندا) أو يمنح فيها العفو على إثر الكشف التام عن أي جرائم ارتكبت (مثلما كان الشأن في جنوب أفريقيا). وبالرغم من أن مجلس النواب المجتمع في طبرق أبطل قانون العزل السياسي في فبراير من هذه السنة، فإنه فعل ذلك دون اقتراح حلول بديلة عن كيفية ضمان الانتقال السياسي. وتخلص الباحثة الفرنسية فلورانس غوب إلى أن الاكتفاء بنقض قانون العزل ليس حلا إذ أن ليبيا في حاجة إلى التصالح مع ماضيها عن طريق شكل من أشكال المسارات الناجعة. لكن هذا لا يعني تعريض إدارة الدولة ونجاعتها إلى المزيد من المعاناة.

6