هل يعبد البشر الذكاء الاصطناعي قريبا

في خريف عام 2017 أعلن المستثمر والمطور السابق في شركة غوغل، ريد أنتوني ليفاندوفسكي عن تأسيس كنيسة، ويريد الآن استخدام برمجيات الكمبيوتر لإنشاء “الإله المخلص”. ويصف خبراء الأمر بالجنون لكنهم لا يستبعدون حدوثه.
الخميس 2018/03/22
منافس البابا في طور التحضير

لندن - قال المطور السابق في شركة غوغل، ريد أنتوني ليفاندوفسكي “إذا تمكنا من إنشاء شيء أذكى بمليار مرة من أذكى إنسان على الأرض، فما هو الاسم الذي يجب علينا أن نطلقه عليه غير ‘الإله؟'”.

من هذا المنطلق، يخطط ليفاندوفسكي، وفق ما ورد في صحيفة “زايت أونلاين” الألمانية الاثنين، لإنشاء مشروع يتمثل في إقرار دين جديد، كما يعتزم أيضا صياغة كتاب مقدس خاص به، بالإضافة إلى وضع طقوس خاصة بالعبادة ومواقع الحج.

وكان ليفاندوفسكي يعمل في السابق على تطوير برمجيات السيارات ذاتية القيادة، وهو يخطط الآن لتطبيق تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي بشكل طموح يشبه ما تبثه أفلام هوليوود، ولكن هذا المطور ليس بصدد الحديث عن برمجية تختار لك الموسيقى التي تفضلها في خدمة سبوتيفاي أو تنظيم تدفق الأخبار التي تظهر لك على موقع فيسبوك، بل يقصد ذكاء اصطناعيا مزودا بوعي ذاتي، يتمتع بقدرات تفوق قدرات البشر.

ويفترض أن يقوم أتباع “كنيسة الطريق للمستقبل”، التي أسسها أنتوني ليفاندوفسكي، بعبادة هذا الإله المصنوع من الذكاء الاصطناعي، بعد أن ينجح في إحكام سيطرته على شؤون العالم ويطلق نظاما عالميا جديدا. ويعتقد المطور أن إله الذكاء الاصطناعي سيكون “لطيفا جدا” في معاملته مع البشر الذين صنعوه. ويؤكد أن سيطرة الذكاء الاصطناعي على العالم مسألة وقت فقط، وهو يرغب في جعل الأمر أكثر سلاسة وتنظيما على المستويين الثقافي والتكنولوجي.

وتسلط هذه الفرضية المجنونة الضوء على العديد من التساؤلات الفلسفية واللاهوتية البدائية منها من أين جئنا؟ وأين نتجه؟ وهل هذا العالم حولنا هو كل شيء؟ وماذا عن يوم الحساب؟ وكشف إيلون ماسك الرائد في مجال التكنولوجيا والمعروف بمخططاته الطموحة، عن موقفه المعارض لفكرة “كنيسة الطريق للمستقبل”، مشددا على أنه لا يجب السماح للمطور ليفاندوفسكي بتطوير ذكاء رقمي يفوق قدرات الإنسان.

ومن جانبه، حذر العالم الراحل ستيفن هوكينغ منذ سنوات من مخاطر مثل هذه الأنظمة على الإنسانية.

وتذكّرهذه الرؤية المستقبلية القاتمة حول الذكاء الاصطناعي، بشخصية “غولم” الأسطورية في الثقافة اليهودية، ووحش فرانكشتاين، حيث صنع هذا الكائن ليكون مساعدا للإنسان في البداية، ومن ثم اكتسب قوة كبيرة ليستعملها ضد من صنعه ليخضعه.

ماكس تيغمارك: الجميع في العالم سيدركون أن الذكاء الاصطناعي سيسيطر على المجتمع وسيفرض قوانين صارمة
ماكس تيغمارك: الجميع في العالم سيدركون أن الذكاء الاصطناعي سيسيطر على المجتمع وسيفرض قوانين صارمة

وفي المقابل، يرغب ليفاندوفسكي وأتباعه في تجنب هذا السيناريو، من خلال الشروع في عبادة إله الذكاء الاصطناعي الذي سيصنعونه، منذ البداية.

لقد طور عالم الكونيات، ماكس تيغمارك مؤخرا نموذجا حول سيناريوهات مستقبل الذكاء الاصطناعي. وحسب فرضيته، سيكون الكمبيوتر الإله الذي تتبعه كنيسة الطريق للمستقبل شبيها بالدكتاتور الطيب.

وأورد تيغمارك في كتابه “الحياة 3.0”، أن “الجميع سيدركون أن الذكاء الاصطناعي يسيطر على المجتمع ويفرض قوانين صارمة، ولكن أغلب الأشخاص سيعتبرون هذا الأمر جيدا. وفي نهاية الأمر، يعد هذا الذكاء الاصطناعي مبرمجا لاستخدام هذه القوانين من أجل تحقيق أقصى درجات السعادة للأفراد.  وبالتالي، لن يكون هنالك فقر أو أمراض أو مشاكل، في حين أن كل الاحتياجات الأساسية ستكون متوفرة، بما أن الآلات التي تدار من خلال الذكاء الاصطناعي ستقدم كل السلع والخدمات اللازمة. ولن تغدو الجريمة بمثابة مشكلة بعد ذلك، بما أن الذكاء الاصطناعي يرى كل شيء ويعاقب على كل خطأ.

ويتمثل هدف هذا الدكتاتور الطيب في فك شفرة توجهات الأفراد وخلق ما يشبه “المدينة الفاضلة للإنسانية”. عموما، يصف تيغمارك هذا الأمر بأنه سلطة اجتماعية، فيما يجعله ليفاندوفسكي بمثابة وعد بالخلاص.

ومن جانبه، أحال الفيلسوف وعالم الفيزياء إدوارد كايسر إلى أن “التقدم العلمي دائما ما تحيط به هالة من القداسة، ولذلك ليس من المفاجئ أن يختلط الدين بالتكنولوجيا”.

وفي هذا الصدد، يلاحظ أن إله الذكاء الاصطناعي سيكتسب أيضا صفة ألوهية أخرى، وهي حضوره في كل مكان، حيث أنه موجود في الهواتف الذكية، الساعات الذكية، وأنظمة التحكم في المنازل. ويقدم هذا الإله أجوبة على الأسئلة الوجودية ويعالج الأمراض. فضلا عن ذلك، يتصف هذا الإله بالقوة المطلقة، ولذلك فهو يعد بالخلاص، علما وأن طريقة التنظيم الداخلي لهذه الديانة تشبه إلى حد ما الطائفة الدينية.

وعلى كل حال، من الثابت أن المهندسين في وادي السيليكون يعملون الآن على تطوير برمجية تلعب دور الإله. وقد تناول المؤرخ يوفال نوح هراري في روايته “هوموديوس”، المساعي المحمومة للنخب التقنية في وادي السيليكون لجعل أنفسهم في مرتبة أعلى من البشر. وفي هذا السياق، أبرز هراري أن هؤلاء المهندسين يريدون بالأساس أن يندمجوا مع التكنولوجيا لتكوين إله في هذه الحياة. ولم يعد بلوغ هذا الهدف، على الشاكلة التي يريدها ليفاندوفسكي، بعيدا جدا.

وعلى العموم، سيمثل أنتوني ليفاندوفسكي أمام المحكمة، بعد أن رفعت شركة غوغل ضده دعوى قضائية بتهمة السرقة التكنولوجية. وبعد الانتهاء من هذه القضية، سيكون بإمكانه تكريس جهوده بالكامل لكنيسة الطريق للمستقبل.

19