هل يعدّل الطلاق سلوك الطليقين ليستأنفا حياتهما معا

عودة العلاقة بين الزوجين بعد انفصالهما تتوقف على كيفية إدارتهما لأزمة الطلاق فكلما كانت متحضرة وبعيدة عن الخلافات والمحاكم كانت احتمالات العودة أكبر.
الجمعة 2020/10/30
كلما كانت طريقة إدارة الأزمات متحضرة كانت احتمالات العودة أكبر

ليس بالضرورة أن يكون قرار الانفصال بين الزوجين نتاج صراعات تتوج بالطلاق باعتباره الحل الأنسب للطرفين، ولكنه قد يحدث لأسباب يكتشف طرفا العلاقة بعد فترة من تقييم كل منهما لنفسه أنها لا تستحق قرار الانفصال، فيراودهما الحنين إلى حياتهما السابقة. فكيف يمكن لعلاقة زوجية أن تنجح وقد أنهاها الطلاق؟ وهل يساعد هذا الطلاق في تعديل سلوك الطليقين بعد عودة العلاقة بينهما؟

أكد خبراء العلاقات الزوجية والأسرية أن الأسباب التي تؤدي إلى الطلاق والانفصال متعددة إلا أنه في أحيان كثيرة تكون تافهة أو بسيطة أو وليدة لحظة غضب، وعندما يهدأ الطرفان ويفكر كل منهما في حياته الماضية مع الآخر يكتشف خطأ هذا القرار.

وأشاروا إلى أن المكابرة والعناد ونظرة المجتمع وتدخلات أهل الزوجين غالبا ما تقف حائلا أمام لم الشمل مجددا بين الزوجين المطلقين. ولا يرى البعض ضيرا في عودة الزوجين بعد الطلاق، إلا أن هذا القرار يحتاج إلى جرأة وتنازل من أحد الطرفين.

وتوصلت إحدى الدراسات الحديثة إلى أنه ما بين 32 و50 في المئة من الأشخاص يندمون بعد الطلاق ويتمنّون لو عاد الزّمن بهم ليتصرفوا بطريقة مختلفة في أحد المواقف التي أوصلت العلاقة إلى الانفصال والطّلاق.

وكشفت الدراسات أن أغلب الأزواج الذين ينفصلون كثيرا ما يراودهم حنين العودة إلى بعضهم البعض، وعلى الرغم من الصدمات والألم اللذين يخلفهما الانفصال، إلا أن العودة تبقى أمرا ممكنا في الكثير من الأحيان. وأشارت إلى أن الوحدة والحب والذكريات والأبناء شكلت أهم دوافع عودة الزوجين إلى بعضهما مجددا حتى لو طالت فترة الانفصال.

وقال الأستاذ بهاء إبراهيم مختص في العلاقات الزوجية واستشاري نفسي وأسري إن الطلاق ظاهرة شائعة في الوقت الحالي وتزداد يوما بعد يوم، مشيرا إلى أنه على الرغم من تعدد أسباب الطلاق لكن النهاية واحدة. وأكد لـ”العرب”، “من الأسباب الرئيسية للطلاق هو عدم التفاهم والتوافق بين الطرفين ويؤدي هذا السبب إلى زيادة المشاكل والضغط النفسي لكل من الطرفين ومع تزايدها يكون الحل في النهاية الانفصال، إلا أنه في الكثير من حالات الطلاق يريد كل من الطرفين الرجوع مرة أخرى ومحاولة إقامة علاقة زوجية من جديد”.

وأوضح أنه لا ضير في العودة بعد الطلاق، إلا أنه في مثل هذه الحالات يجب الانتباه إلى بعض الأخطاء التي أدت إلى الانفصال من قبل كي لا تتكرر بعد الرجوع، مشددا على ضرورة سعي الطرفين إلى إقامة علاقة زوجية وأسرية ناجحة خالية من الأخطاء. ولفت المختص المصري إلى أنه يجب وضع قواعد وقوانين للمعاملة يتفق عليها الطرفان، بالإضافة إلى اتباع أسلوب المصارحة في التعامل وعدم الإفصاح عن مشاكلهما أمام المحيطين بهم.

كما أفاد أن المشاركة بين الزوجين في جميع الأعمال ومعرفة كل طرف لدوره في الأسرة والاتفاق على بناء أسرة ناجحة من خلال التركيز على التوافق الفكري والعاطفي يجعلهما يتلافيان كل السلبيات التي طغت على علاقتهما وأدت إلى انفصالهما.

ونصح إبراهيم الأزواج باللجوء إلى الاستشاريين في العلاقات الزوجية لتنمية ثقافتهم الزوجية والوعي الكامل لإقامة حياة أسرية وزوجية ناجحة، ومعرفة كل طرف لحقوقه، كي تتمتع الأسرة بهدوء وسلام، خاصة في وجود الأطفال، مشددا على ضرورة مراعاة هذا الجانب عند الرجوع ومحاولة الحفاظ على نفسيتهم والاتفاق على تربيتهم في بيئة أسرية خالية من الصراعات والمشاحنات، للتمتع بحياة ناجحة ومستقرة.

وأكد الخبراء أن عودة العلاقة بين الزوجين بعد الانفصال تتوقف على كيفية إدارتهما لأزمة الطلاق، فكلما كانت متحضرة وبعيدة عن الخلافات والمحاكم، كانت احتمالات العودة أكبر وربما بشغف أكثر من السابق، كما أنه إذا كانت العودة اضطرارية ستؤدي إلى تفاقم المشاعر السلبية وسيشعر كلا الزوجين بعدم تقبل الآخر، فتستمر بالتالي الخلافات وتتزايد المشكلات.

ولفتوا إلى أن الأزواج بعد الطلاق يراجعون أنفسهم والمشاكل التي تعرضوا لها علاقتهم ويعيدون ترتيباتهم وكل طرف يركز على الجوانب الإيجابية التي كان يتسم بها شريك حياته. كما أن الكثير منهم يجد صعوبة في تجديد حياته وإيجاد شريك مناسب حيث تخضع اختياراته إلى المقارنة دائما وغالبا ما ترجح الكفة لصالح الشريك القديم.

وشدد الخبراء على ضرورة الاستفادة مما حدث وتقويم الأخطاء التي تسببت في هذا الشرخ الذي قسم جدار العلاقة الزوجية على أن يسبق ذلك قناعة تامة بجدوى العودة وألا تكون ناتجة عن العاطفة فقط.

الطلاق ظاهرة شائعة تزداد يوما بعد يوم
الطلاق ظاهرة شائعة تزداد يوما بعد يوم

ويرى البعض أن عودة الزوجين بعد الطلاق ممكنة لكنها ستواجه صعوبات كثيرة خصوصا من قبل أهل الزوج الذين غالبا ما ينظرون بسخرية وسخط إلى زوجة ابنهم المطلقة، بل كثيرا ما يقومون بتحريضه على عدم الالتفات إليها والانتقام منها بزواجه في أسرع وقت ممكن. ونبهوا إلى أن وصول الزوجين إلى مرحلة الطلاق هو أقصى درجات الخلاف والاختلاف، ولا بد عند العودة أن يكون هناك تغيير حقيقي في السلوك والطباع والمشاعر وإلا سيكون مستقبل العلاقة الزوجية مهددا بشكل أكبر.

ويرى البعض الآخر أن الكثير من العلاقات الزوجية التي انتهت بالطلاق تصعب إعادة الدفء إليها لأن أهل الزوجة كثيرا ما يعتبرون الطلاق نفسه أمرا مشينا في حق ابنتهم، ناهيك عن أن أهل الزوج كثيرا ما يظهرون مساوئ الزوجة المطلقة أمام زوجها ووصفها بأوصاف لا تليق لمجرد وقوع خلاف مع زوجها أدى إلى الطلاق.

وأكد المختصون أن الكثير من المطلقين لا يجدون حرجا في الرجوع إلى بعضهم البعض، انطلاقا من معطيات اجتماعية أو نفسية محددة، غير مبالين بنظرة المجتمع ولا أسرهم، في رغبة منهم لوصل ما تم قطعه، والبدء من جديد، وربما تصحيح الأخطاء السابقة. وأشاروا إلى أنه قد يراجع الرجل والمرأة أنفسهما بعد مرور فترة من الطلاق ويتخذان قرارا بالعودة واستئناف رحلة الحياة التي توقفت بضعة شهور وربما سنوات، عازمين على بدء صفحة جديدة خالية من أي ذكريات مؤلمة تعكر صفو الحياة الجديدة.

وعلى الرغم من حدة الخلافات وتفاقم المشكلات التي تدفع بالزوجين إلى الطلاق، فهناك أشياء كثيرة تظل باقية في نفس الزوجين من بينها ذكريات جميلة جمعتهما معا وأحلام مشتركة وغيرها من الأمور التي تمهد الطريق لعودتهما ثانيا، إذا ما سعى أي منهما لذلك.

ويتفق بعض الأزواج الذين خاضوا تجربة العودة بعد الطلاق أن تجربة الانفصال قاسية على كل من الزوج والزوجة على حد سواء؛ لكن على الرغم من قسوتها فإنها تحتوي على العديد من الدروس المستفادة أهمها أنها تمنح كلا منهما الفرصة لتقييم نفسه، ومدى مسؤوليته عن فشل حياته. وقالت الاستشارية الاجتماعية والخبيرة في شؤون الأسرة الدكتورة سمر طلعت، إن عودة الزوجين لبعضهما بعد تجربة الطلاق لا يمكن وصفها بأنها قرار صائب أو قرار خاطئ إلا من خلال الإحاطة بالأسباب التي دفعت كلا منهما لاتخاذ قرار العودة.

ولفتت إلى أنه إذا كانت أسباب اتخاذ قرار العودة بعد الطلاق هي شعور كل منهما بالرغبة الحقيقية في العودة، مع التجاوز الحقيقي لكل الخلافات، وبدء صفحة جديدة يسعى خلالها كل منهما للتغيير من نفسه لإسعاد الآخر وإنجاح الحياة وعدم تكرار تجربة الطلاق مجدّدا، فلا شكّ أن هذا القرار يعدّ صائبا ومثمرا، ليس فقط لصالح الزوجين بل لصالح الأبناء والمجتمع بأكمله.

وأضافت “أما إذا كان في القرار نوع من الإجبار؛ كأن تكون الزوجة مضطرة لقبول العودة للزوج بسبب ضيق ذات اليد، أو لتربية الأبناء أو التخلّص من نظرة المجتمع التي تطارد المرأة المطلّقة، فلا شكّ أنّه قرار غير صائب تزيد معه احتمالات الفشل مجدّدا، سواء بحدوث الطلاق أو العيش في حالة من الكآبة والسخط. ونصحت بضرورة أن يكون قرار العودة بعد الطلاق بالاتفاق بين الزوجين”.

ما بين 32 و50 في المئة من الأشخاص يندمون بعد الطلاق ويتمنّون لو عاد الزّمن بهم ليتصرفوا بطريقة مختلفة

وبين المختصون أنه كلما تم الطلاق في كنف الاحترام وحفظ الكرامة بفعل التحضر والثقافة التي يتمتع بها الكثير من الأزواج اليوم، كلما كانت العودة بين المطلقين واردة الحدوث وسهلة.

ومن جانبها أفادت المختصة في علم النفس والباحثة بالجامعة التونسية سوسن درين، أن هذه الظاهرة تُسمّى في علم نفس الزواج بحالة “انفصام الزوج”، وتُفسّر بخوف المطلق من الفقد وعادة ما يكون هؤلاء الرجال قد تعرضوا إلى حوادث فقد قاسية في طفولتهم يظل ألمها النفسي مرافقا لهم طيلة حياتهم.

وبيّنت أن الحبّ الذي ينشأ بعد الطلاق هو “حب اعتلالي مرضي بل هو ردة فعل تجاه حدث الطلاق. هو عشق في ظاهره جميل وفيه بذل من الذات تجاه الآخر، لكن في حقيقة الأمر صادر عن شخصية سايكوباتية عصابية تحاول إشباع الذات التي تشعر بالألم والانهزامية من خلال سعيها إلى التظاهر بالكفاءة والتوازن”.

وأضافت درين، في حديثها لـموقع “ألترا تونس”، أن الزواج هو “اتحاد طبيعي لا يقوم على القوانين فقط بل يقوم أيضا على العواطف السليمة المتأصلة، فإذا تلاشت تلك العواطف فلن تستطيع القوانين وعادات المجتمع حماية الزواج من الاندثار لذلك يكون الطلاق بمثابة الإنهاء لحالة عدم التكيّف والاتساق بين السمات النفسية لشخصية كلا الشريكين ولذلك وجب الحذر والتوقي”.

21