هل يعرفنا الآخر الغربي حقا

هذه النخب لا تمثل أغلبية قطاعات الشعوب الغربية التي تجهل كل الجهل العرب تاريخا وثقافة وفكرا وفنونا ووجودا اجتماعيا ماضيا وحاضرا.
الجمعة 2018/05/18
بحث مستمر

على مدى سنوات طويلة انشغل كتابنا بشكل عام ونقادنا بشكل خاص بالغرب وحداثته ونماذجه الاجتماعية والثقافية والسياسية، ويلاحظ أن الانشغال يطغى عليه عموما النقل الشكلي أحيانا كثيرة، وهناك أيضا إنتاج عربي مكرس لتقصي صورتنا لدى هذا الآخر المدعو بالغربي، وفضلا عن هذا فهناك محاولات كل من مطاع صفدي وزكي نجيب محمود وعبدالرحمن بدوي التي تعدّ من بين المساهمات الملفتة للنظر، حيث إنها تهدف إلى فهم المكونات الفلسفية للفكر الغربي وكيف تشتغل نظرياته ومناهجه في ميدان الممارسة.

 هناك أيضا محاولات عربية أخرى بذلت في مجال دراسة تمثلات الغربي لمجتمعاتنا وإنساننا، منها التمثلات الاستشراقية التي انتقدها بقوة إدوارد سعيد، خاصة في كتابيه “الاستشراق” و”الثقافة والإمبريالية”، وإلى جانب هذا هناك أيضا كتّاب ونقّاد عرب اشتغلوا على الكيفية التي تفاعل بواسطتها الفكر العربي، منذ عصر النهضة إلى يومنا هذا، مع النظرية الأدبية الغربية منها كتابات الناقد السعودي سعد البازعي الذي كان يركز على كيفية استقبال العرب للنقد الأدبي الغربي، وكذلك كتابات الشاعر والناقد السوري أدونيس الذي اهتم كثيرا بأسس ومقومات وأشكال تمظهر الحداثة الشعرية الغربية.

 من الملاحظ أن أدونيس أرقته أيضا قضية تتمثل في قوله “إنها لمفارقة أن يكون الآخر الغربي اليوم أكثر معرفة بنا منّا، والسبب في ذلك هو أنه يعرف ذاته معرفة عميقة، وهذا يمكنه من معرفتنا بوصفنا الآخر، معرفة عميقة”. وهنا نتساءل: هل صحيح أن الغربي يعرفنا حقا؟ أم أن مصطلح الغربي الذي يستخدمه أدونيس هو مصطلح فضفاض ويغلب عليه التعميم التعسفي وذلك جرّاء افتقاده للتحديد والتعيين؟

لا شك أن هناك اهتماما من طرف نخب غربية داخل الأوساط الأكاديمية والسياسية والدبلوماسية المتخصصة بحكم الوظيفة في الثقافة العربية وفي مجتمعاتنا وتوجهاتنا السياسية وهي تعمل في الغالب في إطار الجامعات وفي مراكز البحث التابعة لوزارات الخارجية أو للمؤسسات التي تسند إليها مهمة إعداد التقارير الدورية عن العالم العربي، ولكن هذه النخب لا تمثل أغلبية قطاعات الشعوب الغربية التي تجهل كل الجهل العرب تاريخا وثقافة وفكرا وفنونا ووجودا اجتماعيا ماضيا وحاضرا.

وعلى هذا الأساس ينبغي تحديد هذا الآخر العربي الذي يدّعي أدونيس أنه يعرفنا معرفة عميقة مثلما ينبغي توضيح قضية مركزية، وهي أن هذه المعرفة بنا التي توجد في حوزة هذا الآخر الغربي النخبوي الذي يتحرّك في أطر غير شعبية لا ينشرها بين الأوساط الشعبية الغربية من أجل التعريف بها وتعميمها في النسيج الاجتماعي الغربي، والدليل على ذلك هو أن مختلف أشكال التعبير الثقافية والفكرية والفنية العربية مجهولة تماما في الفضاءات الشعبية الغربية.

15