هل يعلق البشر على الجانب الخاطئ من التقدم التكنولوجي

تسعى شركات وادي السيليكون لاحتواء غضب العاملين المتضررين من تأثيرات الذكاء الصناعي الذي يستولي على الآلاف من الوظائف، ولا يزال يهدد تطوره المتسارع آلافا أخرى من ذوي المهارات المتدنية حول العالم، لينتج جيشا من "اللاجئين الرقميين"، وهو ما يفرض على الدول التفكير بشكل جدي في تأمين دخل أساسي لمواطنيها.
السبت 2017/01/28
سرعة التكنولوجيا تتجاوز تصورات البشر

لندن - الصاعقة التي حلت على المدراء التنفيذيين في وادي السيليكون بانتخاب دونالد ترامب رئيسا للولايات المتحدة الأميركية، وقبلها تصويت البريطانيين على الخروج من الاتحاد الأوروبي، جعلتهم أكثر حذرا في تقدير عواقب التكنولوجيا التي غزت العالم وساهمت بقيادة الجمهور في سوء التقدير.

وبدت تحذيرات عالم الفيزياء الشهير ستيفن هوكينغ من أن الذكاء الصناعي يمكن أن يكون أسوأ شيء يحدث للبشرية أكثر من أي وقت مضى، حاضرة في أذهان شركات التكنولوجيا المشاركة في منتدى دافوس الاقتصادي هذا الأسبوع، ولم تسيطر الرغبة الجامحة في الفوائد التجارية وعوامل الكفاءة المجزية، على الحديث في الذكاء الصناعي، بل بدت هواجس الخوف قوية من أن يَعْلَق البشر على الجانب الخاطئ من التقدم التكنولوجي، بحسب تقرير تيم برادشو لصحيفة الفايننشال تايمز البريطانية.

وقال بيل غيتس، مؤسس شركة مايكروسوفت، وأحد أكثر الفاعلين الخيريين في العالم، في مقابلة مع صحيفة فايننشيال تايمز، إن “شركات التكنولوجيا يجب أن تفكر في طرق لتقديم المساعدة، كتحسين التعليم، وإلا فإنه سينظر إليها باعتبارها مسببة للأضرار، بسبب دورها في التغيير الذي طرأ على سوق العمل”.

ويشير حديث غيتس إلى مؤتمر دافوس العام الماضي، الذي افتقر للتفكير الجدي بهذه المسألة، حيث كان المشاركون غير مبالين بما فعلته الأتمتة في تدمير الوظائف.

وذكر مدير تنفيذي في إحدى الشركات التكنولوجية الكبرى، أن الكثير من الأشياء تغيرت منذ العام الماضي، فقادة وادي السيليكون يُعدّلون طريقة حديثهم عن الذكاء الصناعي للاعتراف بأن “هذه المسألة تطال ناسا حقيقيين”، وليس الروبوتات فقط، وساهمت الأجندات السياسية الجديدة في تغيير وجهة النظر هذه.

الكثير من قادة وادي السيليكون وجد أن فكرة “الدخل الأساسي للجميع” هي الحل الأمثل حيث ستؤمن الدول للناس الحد الأدنى الذي يحتاجونه للعيش

وحرص المدراء التنفيذيون لوادي السيليكون على أن يظهروا بمظهر أكثر تعاطفا ومسؤولية تجاه تأثير الذكاء الصناعي على حياة الناس، حتى لا يواجهوا الانتقادات الكبيرة التي تعرض لها الخبراء المصرفيون حين لم يستطيعوا مواجهة نتائج الأزمة المالية.

واعتبرت جيني روميتي، الرئيسة التنفيذية في شركة آي بي إم، أنه “لا توجد مسألة أكثر أهمية بالنسبة إلينا جميعا، من التفكير في آثار التكنولوجيا التي تخلق عدم المساواة، وتُركّز الثروة الضخمة في أيدي عدد قليل جدا من الناس”، وقد أصدرت روميتي كتابا حول القواعد الأخلاقية للذكاء الصناعي، بعنوان “مبادئ العصر المعرفي”.ونبه المشاركون في منتدى دافوس من مخاطر جديدة تتلخص بمصطلح “اللاجئين الرقميين” الذين سيزيد انتشارهم مع سيطرة الذكاء الصناعي على الوظائف، والذي أدركه السياسيون حول العالم في عام 2016، مع الخسارة الكبيرة للوظائف لمصلحة العولمة والأتمتة، وهو ما دفع المدراء التنفيذيين في وادي السيليكون إلى اقتراح حلول وأفكار قبل أن يتم تحميلهم مسؤولية الموجة المُقبلة من المشكلات.

وقال مارك بينيوف، الرئيس التنفيذي لشركة سيلزفورس. كوم،” أعتقد أننا وصلنا إلى هذه اللحظة، التي نشعر فيها بالقلق على أعلى المستويات؛ فنحن الآن نرى أمام أعيننا أن التقدم في مجالات الذكاء الصناعي يتجاوز ما كنا قد تخيلناه، وبلغ بنا القلق إلى درجة لم يعد بإمكاننا فيها تجاهل التفكير حول كيف سيؤثر ذلك في الإنسان العادي، والفئات الكبيرة من العاملين في كل أنحاء العالم … الحقيقة أنه ليس هناك طريق واضح للمستقبل”.

واختلطت الحسابات السياسية بمصالح الشركات التكنولوجية خلال المؤتمر، وظهر واضحا تأثير السياسيين الشعبويين على تغير مجرى الأمور، ورأى ساتيا ناديلا الرئيس التنفيذي لشركة مايكروسوفت، في لجنة دافوس التي استضافتها شركة ماكينزي، أن أكبر درس استفادت منه الشركات التكنولوجية العام الماضي هو الحرص على عدم تفاقم غضب العاملين المتضررين من سطوة الذكاء الصناعي، والذي عمل السياسيون الشعبويون على إثارته.

وقال ناديلا “إذا لم نفهم الأمر بطريقة صحيحة، فسندخل في حلقة مفرغة”.

وأخذت شركات أخرى على عاتقها التخفيف من مخاوف الذكاء الصناعي على وظائف الناس، وحرص رئيس شركة “آي بي إم” ورئيس مايكروسوفت على الإشارة إلى أن الذكاء الصناعي من شأنه “زيادة” وليس استبدال الناس، إذ أن الموظفين يستخدمون التكنولوجيا لأتمتة مهمات معينة كثيفة بالبيانات، وفي الوقت نفسه الحفاظ على وظائفهم.

إلا أن هذه التطمينات تبدو متواضعة أمام الحقائق التي أكدها المختصون في الذكاء الصناعي في المنتدى الاقتصادي العالمي، وهي أن التكنولوجيا تتقدم بسرعة أكبر بكثير مما كان متوقعا.

"اللاجئون الرقميون" واقع يفرضه الذكاء الصناعي

وصرح كاي فو لي، صاحب شركة سينوفيشن بارتنرز والمدير التنفيذي السابق في شركتي غوغل ومايكروسوفت في الصين “السرعة التي يتطور فيها الذكاء الصناعي تتجاوز تقديرات أكثر الناس تفاؤلا”. وأضاف “أي عمل يتطلب مثلا 100 ثانية من التفكير أو أقل يمكن أن يتم إنجازه بواسطة الذكاء الصناعي أو خوارزميات أخرى قريبا”.

ومع هذه الحقائق، لا يمكن تجاوز النقاش حول كيفية التعامل مع الأرباح الضخمة الناتجة عن القضاء على الملايين من الوظائف.

وتساءل ناديلا “هل المردود الفائض من الإنجازات في مجال الذكاء الصناعي سيذهب إلى عدد قليل من الناس فقط أم أنه سيكون أكثر عدلا ويشمل الكثيرين؟ هذه مسألة شديدة الأهمية”. وأضاف “التغيرات السياسية الراهنة في العالم جعلت من الفائض الذي يؤمنه الذكاء الصناعي، أولوية قصوى بالنسبة إلينا جميعا، والمسألة التي يجب بحثها هي حول كيف سيتم توزيع الفائض”.

وهذا يعيد إلى الأذهان النتائج التي ترتبت على الثورة الصناعية وظهور الحركة العمالية ونظام الرعاية الاجتماعية، ففي الوقت الذي يتطور فيه الذكاء الصناعي بشكل متسارع، يزداد قلق العاملين ذوي المهارات المتدنية، إضافة إلى الوظائف الإدارية المهددة بأن يأخذ الذكاء الصناعي مكانها.

وأمام هذه التحديات الهائلة، وجد الكثيرون من قادة وادي السيليكون أن فكرة “الدخل الأساسي للجميع” هي الحل الأمثل حيث ستؤمن الدول للناس الحد الأدنى الذي يحتاجونه للعيش. وأعرب بينيوف وفيشال سيكا، الرئيس التنفيذي لمجموعة خدمات تكنولوجيا المعلومات إنفوسيس، عن دعم الفكرة أيضا. وقال إن “جزء من الأموال التي تملكها أكبر 10 شركات أو أكبر 50 شركة تكنولوجيا يُمكن أن يحل جزءا كبيرا من مشكلة الدخل الأساسي”.

وكانت لجنة العلوم والتكنولوجيا بمجلس العموم البريطاني، حذرت الحكومة من عدم استعدادها للتعامل مع الروبوتات التي ستغير بشكل جذري حياة الناس.

وأصبح الذكاء الصناعي يستخدم في جميع المجالات مثل السيارات ذاتية القيادة وحتى في المجال الطبي وغيره من المجالات.

18