هل يعلم العرب المرحبون بالدور الروسي كيف تسير الأمور في موسكو

تفيد العديد من المؤشرات اليوم، بأنّ بعض المهللين بالدور “غامض الأهداف” الذي تسعى روسيا إلى لعبه في المنطقة العربية، والذي تجلى في أوضح صوره مع تدخلها الأخير في سوريا، قد سقط منهم سهوا أو أسقطوا عمدا عمادا أساسيا من أعمدة فهم طبيعة ودلالات وتداعيات هذا الدور وهذا التدخّل، أساسه ماهية المثال الذي يمكن أن تقدّمه روسيا التي تعتمد ديمقراطية موجهة في داخلها لا تعترف بأبسط قيم التداول على السلطة إلى الدول والشعوب العربية التواقة إلى التحرر.
الخميس 2015/10/01
الشعوب العربية في غنى عن نموذج فلاديمير بوتين في الحكم

تسعى روسيا بكلّ ما أوتيت من جهد، خلال السنوات الأخيرة، إلى أن تكون شريكا فاعلا في مجمل القضايا والأزمات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط. ويرحب عدد من المواطنين العرب بمواقف رئيسها فلاديمير بوتين سواء في ما يتعلق بالأزمة السورية، أو تصريحاته الموجهة ضدّ الجماعات والتنظيمات الإرهابية ومساندته للدول التي تواجهها، أو مواجهته للغرب وأميركا حيال الكثير من تصرفاتهما إزاء المنطقة، أو تأييده للرئيس المصري عبدالفتاح السيسي ودعمه للتقارب والتعاون بين مصر وروسيا.

ووسط هذا الاستقبال الإعلامي لعودة روسيا كفاعل في المنطقة والدور الذي من المحتمل أن تلعبه في سوريا، بشكل لا يخلو من السّطحية، لم يذهب أحد إلى تحليل عمق وأسس النظام الروسي الذي يقف على رأسه بوتين اليوم، وإضاءة ما الذي حصل في روسيا منذ سقوط صاحب البيروسترويكا، ميخائيل غورباتشوف، وتولّي بوريس يلتسين ثم تلميذه ووريثه بوتين للسّلطة، وهو ما فعله هاني شادي في كتابه الأخير، الصادر عن سلسلة مكتبة الأسرة عن الهيئة المصرية للكتاب تحت عنوان “التحول الديمقراطي في روسيا من يلتسين إلى بوتين.. التجربة والدروس في ضوء الربيع العربي”، محذرا من الانزلاق وراء النموذج الروسي في الديمقراطية كونه يقوم على “الديمقراطية الموجّهة” التي “تستبعد تداول السلطة (خاصة السلطة الرئاسية) بين القوى السياسية المختلفة في المجتمع، ويعتمد على الحكم الفردي أو شبه الفردي والسيطرة على الاقتصاد والسياسة والإعلام”.

من الشمولية إلى الانفراد بالسلطة

لدى تناوله لكيفية انتقال روسيا من الشمولية السوفيتية إلى نموذج الديمقراطية الموجهة، أوضح هاني شادي أنّ أول ما فعله يلتسين بعد انهيار الاتحاد السوفييتي هو العمل على إعادة روسيا إلى الحضارة العالمية والانتقال إلى اقتصاد السوق وبناء دولة ديمقراطية على غرار النموذج الغربي، ولكنّه اتجه نحو الديمقراطية الموجّهة وبناء نظام سياسي يتضمّن إلى جانب السمات الإجرائية للديمقراطية سمات الحكم الفردي. وبعبارة أخرى تأسيس نظام هجين يجمع بين عناصر من الديمقراطية الإجرائية وعناصر من التسلط والحكم الشخصي، وذلك في ظل دعم من الدول الغربية والديمقراطيات العريقة، التي كانت تتخوف من عودة الشرعية في تلك الفترة المبكرة من التحولات في روسيا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي.

نموذج الديمقراطية الروسية الموجهة يميل بطبيعته نحو تقييد الحريات والانفراد بالسلطة

وأشار إلى أنّ يلتسين اتّبع أثناء هذا التحول نحو الديمقراطية الموجّهة خطوات معينة في مقدمتها التخلص من البرلمان وقصفه بالدبابات، ووضع دستور جديد يمنحه صلاحيات كبيرة وواسعة في مواجهة السلطة التشريعية، وإجراء انتخابات رئاسية سنة 1996 اُستعمل فيها المال السياسي والتزوير من أجل الاستمرار في الحكم لولاية ثانية، وبعد ذلك قام بنقل السلطة الرئاسية إلى “الوريث” فلاديمير بوتين من أجل الحفاظ على النظام الذي أسسه.

وقد لعب يلتسين وفريقه من أنصار الليبرالية الجديدة دورا كبيرا في عزوف المواطنين الروس عن التمسك بالقيم الديمقراطية بسبب إصلاحات السوق الراديكالية والنتائج السلبية التي تمخّضت عنها، وفق ما جاء في الكتاب، فهذه الإصلاحات التي اعتمدت على مبدأ السوق والتي روّج لها على أنها قادرة على حلّ جميع المشكل وبناء الديمقراطية الدستورية الحديثة، انتهت بأزمة سياسية واقتصادية عنيفة شهدتها البلاد وجعلت الروس يهللون للزعيم الجديد صاحب القبضة القوية.

وجاء الوريث فلاديمير بوتين ليعمل بقوة على ترسيخ الديمقراطية الموجهة وتقوية سلطته الشخصية من خلال تقوية السلطة المركزية في مواجهة الأطراف المكونة للاتحاد الفيدرالي الروسي، والسيطرة القصوى أو شبه القصوى على النظامين الانتخابي والحزبي، وتوريث السلطة الرئاسية مرة ثانية لأحد المقربين منه وهو ديميتري ميدفيديف، الذي تعهد بإرجاعها بعد ولاية واحدة إلى “زعيم الأمة”، وبالفعل بعد مرور ولاية رئاسية واحدة (2008 ـ 2012) أعلن ميدفيديف بنفسه ترشيح بوتين للرئاسة من جديد في مارس 2012.

ويرى شادي أنّ تبادل الأدوار بهذا الشكل يؤكد طبيعة نموذج الديمقراطية الموجهة في روسيا، المعتمد على “الزعيم الأوحد” الذي يقرر كل شيء، والمعتمد أيضا على ما يسمى بـ”الاستبداد الناعم”، داخليا وخارجيا وهو ما يجب أن يتنبه له المهللون بالتدخل الروسي في سوريا، لافتا إلى أنّ الكثير من المراقبين والباحثين لا يستبعدون أن يستمر فلاديمير بوتين على عرش الكرملين حتى عام 2024. الأمر الذي يثير الكثير من الامتعاض في صفوف أوساط غير قليلة في المجتمع الروسي.

عملية ترقيع القوانين الخاصة بالانتخابات استغرقت عقدا كاملا من الزمن حتى وصلت في نهاية المطاف إلى جعل البرلمان مؤسسة من الدرجة الثانية، أي مؤسسة مساعدة وليست رئيسية

وأوضح أن الارتفاع الكبير الذي سجّل في أسعار النفط والغاز عالميا، في سنوات سابقة، وما نجم عنه من نمو اقتصادي غير مسبوق في تاريخ روسيا ساعد بوتين على ترسيخ نموذج الديمقراطية الموجهة وتقوية سلطته، وفي هذا السياق انتقل بوتين من نظام يلتسين القائم على الرأسمالية الأوليغارشية المستبعدة تماما لتدخل الدولة في الاقتصاد إلى نظام رأسمالية الدولة الاحتكارية الأوليغارشية الذي يعمل بدوره على تقوية وترسيخ الديمقراطية الموجّهة في روسيا، غير أن النموذج بات اليوم في مأزق.

ولا يستبعد البعض، وفق الكاتب، تفكيك نموذج الديمقراطية الموجّهة تحت ضغط الشارع الروسي أو من داخل النخبة الحاكمة نفسها، على غرار مع حدث في مرحلة ميخائيل غورباتشوف نهاية عهد الاتحاد السوفييتي، وقد يحدث ذلك بطريقة سلمية من خلال الضغط على الكرملين لإجراء انتخابات نزيهة، والكف عن التلاعب بنتائج الانتخابات واحتكار السلطة أو بطرق غير سلمية تغرق البلاد في بحر من الدماء.

نموذج غير مرغوب فيه

بعد عودة بوتين إلى الكرملين عام 2012 والاحتمال الكبير لاستمراره في منصب رئيس روسيا حتى عام 2024 ظهرت تكهنات باحتمال إصابة البلاد بنوع من الركود على غرار ما حصل في فترة رئاسة ليونيد بريجنيف للاتحاد السوفييتي. وتستند التكهنات إلى أن استمرار بوتين في الحكم لفترة طويلة قد يزيد من ميل النخبة الحاكمة نحو النزعة المحافظة بسبب إيمانها بأنها لن تزاح عن السلطة، لأن زعيمها موجود ومستمر على الدوام. وإذا استمر بوتين في الحكم حتى العام 2024 سيكون بذلك قد حكم روسيا كرئيس لمدة 20 عاما وإذا أضفنا الأعوام الأربعة التي تولى فيها رئاسة الوزراء بين عامي 2008 و2012 سيكون قد حكم روسيا لمدة 24 عاما، وهي مدة لا تقلّ كثيرا عن مدة حكم ستالين التي دامت 30 عاما.

ونتيجة لإجراءات سلطة بوتين الرامية إلى تحجيم فضاء المنافسة السياسية وتقليص عدد اللاعبين السياسيين بات النظام الحزبي في روسيا احتكاريا يتكون من سبعة أحزاب مسجلة رسميا، يطلق عليها اسم “الأحزاب التي تعمل داخل النظام”، وإلى جانبها توجد عدة أحزاب أخرى تعمل خارج النظام بسبب رفض وزارة العدل تسجيلها أو بسبب رفض هذه الأحزاب العمل في ظل النظام القائم، بالإضافة إلى أحزاب وحركات سياسية تعمل خارج النظام.

ما جرى في روسيا خلال العشرين سنة الأخيرة يمكن أن يتكرّر في الدول الأخرى، وربما بعض الدول العربية التي عصفت بها بعض التحولات الكبرى

ويرى الكاتب أنه على مدار ولايتين رئاسيتين من حكم بوتين من سنة 2000 إلى سنة 2008 جرت عملية منظّمة لتقليص نفوذ مجلس الدوما (مجلس النواب) ووضعه تحت سيطرة الحكم. ويشير تقرير صدر في العام 2008 إلى أنّ عملية ترقيع القوانين الخاصة بالانتخابات استغرقت عقدا كاملا من الزمن حتى وصلت في نهاية المطاف إلى جعل البرلمان مؤسسة من الدرجة الثانية، أي مؤسسة مساعدة وليست رئيسية، عليها السمع والطاعة وتنفيذ المبادرات التشريعية من قبل الرئيس وإدارته وحكومته. وبذلك كفّ البرلمان الروسي في عهد بوتين عن التّسبب في صداع للحاكم، وبات الفصل بين السلطتين التشريعية والتنفيذية شكليا للغاية.

وفي هذا الصدد ينبّه شادي إلى أنّ ما جرى في روسيا خلال العشرين سنة الأخيرة من تأسيس وترسيخ نظام الديمقراطية الموجّهة، واحتكار السلطة لصالح قلة قليلة من مجموعات المصالح (وهو ما حكم على روسيا بألاّ تفكر في غير مصالح هؤلاء حتى في ما يتعلق بسياستها الخارجية) وتبادل هذه السلطة في حدود ضيقة عن طريق توريث الحكم من يلتسين إلى بوتين وبعد ذلك ميدفيديف، ثم عودة بوتين من جديد إلى الكرملين، يمكن أن يتكرّر في الدول الأخرى، وربما بعض الدول العربية التي عصفت بها بعض التحولات الكبرى، فبناء الدولة المدنية الديمقراطية في تلك الدول، خاصة التي مرّت عليها موجات ما سمّي بـ”الربيع العربي” يمكن أن يصبح معرضا للانتقال إلى نموذج الديمقراطية الموجّهة الذي يميل بطبيعته نحو تقييد الحريات والانفراد بالسلطة وتحويل المواطنين إلى مجرد ناخبين يذهبون إلى صناديق الاقتراع لاختيار ما ترغب فيه السلطة الحاكمة. ويمكن أن يتم ذلك تحت حجج كثيرة منها الحاجة إلى الاستقرار ووقف الفوضى والتصدي للمؤامرات الخارجية والمندسين. فهل هذا هو المثال الذي تريده الشعوب العربية التواقة إلى التحرر لنفسها؟ الثابت أنه نموذج غير مرغوب فيه لا محالة.

اقرأ أيضا:

التدخل الروسي في سوريا يخلط حسابات قوى إقليمية ودولية

7