هل يعود المسؤول الجزائري إلى وطنه عندما يصل إلى باريس

الاثنين 2015/04/20
إحصائيات الموثقين البارسيين ما بين 2010 و2014 تقول إن عقارا (شقة أو منزلا) مباعا لأجنبي من بين 10 في منطقة باريس هو لجزائري

كتاب “باريس/الجزائر: قصة ارتباط عاطفي”، صدر منتصف شهر أبريل 2015، بباريس، فأثار ضجة إعلامية كبيرة في الجزائر. وكالعادة وقبل الاطلاع على ما جاء في الكتاب- التحقيق، سارع الموالون للنظام إلى إبداء الشك في نوايا الكتاب “الاستعمارية والمعادية للجزائر”.

فهل جاء الصحفيان الفرنسيان كريستوف ديبوا، وماري كريستين تابت بما كان يجهله الجزائريون عن علاقة رجال دولتهم بفرنسا وعن فسادهم؟

في الحقيقة ليس لأغلب الجزائريين أدنى شك في تلاعب بعض كبار المسؤولين الجزائريين بالمال العام ولا في علاقاتهم المشبوهة بفرنسا ولكن الجديد هو سرد تفاصيل لقضايا فساد على امتداد 372 صفحة، أبطالها وزراء ورؤساء أحزاب وجنرالات ذكروا بالاسم علاوة على الإشارة إلى عناوين عقاراتهم في أحياء باريس الراقية وأموال خيالية في أرصدتهم.

حقائق مذهلة

في فصل تحت عنوان هزلي “الجزائر العاصمة فوق نهر السين”، في الصفحة 286 يلتقي القارئ الجزائري في شارع سان جيرمان بوزير الصناعة والمناجم في بلده السيد عبدالسلام بوالشوارب، وبالضبط في مقرّ موثق شهير وهو يمضي على عقد شراء شقة كانت ملكا لعائلة ثرية من شمال فرنسا، تقع بالدائرة الخامسة بباريس وبالضبط في 21 كي مونتيبيلو وهو من أجمل أحياء باريس.

وكان الوزير آنذاك، 26 يونيو 2006، نائبا في البرلمان الجزائري عن حزب التجمع الوطني الديمقراطي، وكانت مساحة ما اقتنى 156 مترا مربعا بلغ ثمنها مليونا و180 ألف يورو.

فكيف استطاع جمع هذا المبلغ؟ وكيف استطاع تحويله من الجزائر؟ يقول المؤلفان أن الوزير قد دفع 580 ألف يورو دفعة واحدة والـ600 الباقية عن طريق قرض بنكي فرنسي، ويقدر المحققان قيمة عقاره اليوم بحوالي 3 ملايين يورو.
ابنة عبدالمالك سلال ريم تملك شقة بشارع الشانزيلزيه الباريسي بقيمة 860 ألف يورو ولم تسكنها أبدا لأنها تعيش بلندن

فهل لهذا المال علاقة بقضية بنك الخليفة المتورط فيها؟ وسيكتشف القارئ الجزائري أنه ليس وزير صناعته ومناجمه، هو وحده المغرم بمدينة الجن والملائكة، بل يجد كذلك الشريف رحماني الذي تقلد شؤون الكثير من الوزارات، آخرها وزارة الصناعة والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة وترقية الاستثمار، وقد استثمر بدوره في العقار الباريسي، حيث اقتنى شقة فاخرة في الدائرة الـ16 الراقية، 22 شارع سينجر تحديدا، وغيرها من الاستثمارات باسم زوجته وأولاده ومعارفه، كما يذكر الكاتبان في الصفحة 288.

ولن يتفاجأ القارئ الجزائري حينما يعرف أن عمار سعداني، الأمين العام للحزب العتيد، جبهة التحرير الوطني، التي “أعطيناها عهدا” كما يقول النشيد الوطني الجزائري، يملك عقارا في عقر دار البورجوازية الباريسية، نويي سور سان، أغنى مدينة في فرنسا، تسكنه إحدى بناته”.

يعرف الجزائريون قبل هذا الكتاب أن من يشتمون فرنسا بمناسبة وبغير مناسبة يرسلون أبناءهم وبناتهم ليدرسوا في مدارسها، وليعيشوا على ترابها بعيدا عن “الجنة” التي يبنونها في الجزائر، وبعيدا عن “الفقاقير” كما قال أثناء الحملة التي قام بها لصالح بوتفليقة في عهدته الرابعة، أهدى عبدالمالك سلال الوزير الأول سنة 2007 ابنته ريم، البالغة من العمر 28 سنة آنذاك، شقة في شارع من أغلى شوارع العالم على الإطلاق، شارع الشانزيلزيه الباريسي، بقيمة 860 ألف يورو، ولم تسكنها أبدا لأنها تعيش بلندن.

ولم يسلم من الانبهار بمدن العدو القديم حتى المجاهدون، إذ نقرأ في الكتاب عن وزير المجاهدين السابق الشريف عباس وكيف يتنقل هذا الذي يعادي فرنسا قولا باستمرار، ليقيم الأسابيع والأشهر في منطقة ليون حيث تقيم ابنته منذ سنوات، ابنته الموظفة في القنصلية الجزائرية هناك.

الكتاب يقدم عناوين عقارات وزراء ورؤساء أحزاب في أحياء باريس الراقية

ويخلص مؤلفا الكتاب إلى أن إحصائيات الموثقين البارسيين ما بين 2010 و2014 تقول إن عقارا (شقة أو منزلا) مباعا لأجنبي من بين عشرة في منطقة باريس هو لجزائري.

وإن لم يذكر الكتاب كل المسؤولين الجزائريين الكبار الذين يملكون إقامة ثانوية بباريس من العسكريين والمدنيين، المتقاعدين والذين لا يزالون في الخدمة، فإنه أكد مقولة عالم الاجتماع الجزائري الشهيرة ناصر جابي “حينما يأخذ مسؤول جزائري الطائرة نحو باريس، ففي الحقيقة هو يعود إلى وطنه”.

حرب أكذوبة

يخرج القارئ من قراءة الكتاب شبه متأكد بأن ما يشاع عن تلك الحرب الدائرة دوما بين النظام الجزائري وفرنسا ما هي إلّا مجرد أكذوبة، إذ تختفي وراء ذلك الخطاب المغالي في وطنيته والمعادي للمستعمر الفرنسي القديم صداقة قوية وتبادل مصالح، أهمّهما بالنسبة إلى الفرنسيين الربح التجاري والاستثمارات في الجزائر، وبالنسبة إلى المسؤولين الجزائريين الحصول على نصيب من كل عقد، وضمان صرف أعين مصالح الأمن والضرائب الفرنسية عن الصفقات المشبوهة، التي يقومون بها على التراب الفرنسي.

وربما ما يحيّر القارئ هو حينما يقرأ في الصفحة 132 من الكتاب ما يلي “بوتفليقة يحب فرنسا، وفرنسا تبادله نفس الشعور.

يحدث أن يقول في بعض الأحيان وهو يستقبل ضيوفه الفرنسيين: أنا فرنسي!”. وفي أحيان أخرى، يضيف بخبث أن الجزائر أقرب إلى فرنسا من المغرب، مشيرا ضمنيا إلى أن هذا الأخير كان مجرد محمية فرنسية، في حين أن الجزائر كانت ولاية فرنسية قبل 1962. ولكن هل تحررت الجزائر فعلا أم لا تزال كما كانت ولاية فرنسية بمعنى ما؟
14