هل يعود شعار إلى "الثكنات يا حشرات" في السودان؟

الأربعاء 2013/10/02

من المبكر تقييم ما يمكن أن تؤول إليه الأوضاع في السودان، وهل ستكون ثورة أخرى في هذا البلد الذي قسّم حديثا وبات أول دولة عربية تدخل هذه التجربة. لكنّ، الملفت أن السودان، الذي يعاني أهله من الفقر، ليس دولة فقيرة ومعدمة حتى ينزل المواطنون إلى الشارع احتجاجا على رفع أسعار الوقود. نعم، إن السودان ليس دولة فقيرة، بل كان يمكن أن يكون من بين أغنى الدول العربية، خصوصا إذا أخذنا في الاعتبار مساحة أراضيه الزراعية، ومرور النيل فيها، وارتفاع ثمن المواد الغذائية بالطريقة التي ارتفع بها في السنوات القليلة الماضية.

تبدو مشكلة السودان، الذي يشهد حاليا موجة اضطرابات تشرع الأبواب أمام كلّ الاحتمالات، بما في ذلك تفتيت البلد، في أنه يختصر مأساة الدول العربية حديثة الاستقلال، نسبيا طبعا. إنها الدول التي لم تحسن تدبير أمورها بعد خروج المستعمر الذي عاد بين المواطنين من يحنّ إلى أيامه، تماما كما يحنّ أهل عدن لأيام الحكم البريطاني الذي رحل في العام 1967. لم تستطع هذه الدول إقامة إدارة فعالة فانتهت إلى تحوّلها دولا تتحكّم بها أنظمة عسكرية فاسدة عاجزة عن حلّ أي مشكلة من المشاكل المطروحة، خصوصا على الصعيدين الاجتماعي والاقتصادي.

لم تستطع هذه الدول العربية، وبينها السودان، إقامة مؤسسات حديثة قادرة على التكيّف مع مرحلة الاستقلال. فالسودان استقل في اليوم الأوّل من السنة 1956. وكانت تسود البلد تقاليد ديمقراطية عريقة. من بين هذه التقاليد ذات الطابع الحضاري، أن اسماعيل الأزهري رئيس الوزراء وقتذاك، رفع علم دولة الاستقلال وإلى جانبه زعيم المعارضة محمّد أحمد محجوب. كان الأزهري من خريجي الجامعة الأميركية في بيروت (العام 1930)، أما محجوب، فكان مهندسا تخرّج من كلّية غوردونز المشهورة في الخرطوم ثم درس المحاماة وعمل قاضيا كما كان خطيبا مفوّها. لاشكّ أن عوامل كثيرة ساهمت في وصول السودان إلى ما وصل إليه. في مقدّم هذه العوامل غياب أي نضج لدى السياسيين الذين تعاقبوا على السلطة، وشكلوا حكومات فاشلة ممهدين الطريق أمام الأنظمة العسكرية التي تحكمت بالبلد لفترات طويلة وعلى مراحل بدءا من العام 1958.

لم تستطع هذه الأنظمة العسكرية التي لا يزال آخرها في السلطة، منذ العام 1989، تقديم أي حلول لمشاكل السودان. اضطر النظام االحالي، الذي يواجه ثورة شعبية، يمكن أن تتسع لتشمل كل أنحاء البلد، إلى اللجوء إلى خطوة تقسيم السودان لعلّ ذلك يخرجه من أزمته المستعصية. يمتلك النظام السوداني الحالي قدرة كبيرة على المناورة جعلته يتخلى عن الجنوب من أجل المحافظة على نفسه. تخلّى النظام الذي يقوده عمليا الفريق عمر حسن البشير ونائبه السيد علي عثمان طه، عن الجنوب من أجل التمسّك بطريقة أفضل بالشمال. ألهى السودانيين طويلا باتفاق مع الجنوبيين وقّع في العام 2005، ثم باستفتاء عام أفضى إلى انسلاخ الجنوب واستقلاله. غامر نظام البشير، الذي يعتبر علي عثمان طه شريكا أساسيا فيه بصفة كونه ممثلا لقسم كبير من الإخوان المسلمين، بالذهاب بعيدا في اللعبة السياسية وصولا إلى تقسيم البلد. وقد استقلّ الجنوب فعلا في تموز- يوليو من العام 2011، ولكن دون أن يؤدي ذلك إلى زوال كلّ المشاكل مع الشمال، بدليل الخلاف المستمر على مناطق معيّنة بينها أبيي، إضافة إلى النزاع المزمن في شأن النفط الذي معظمه في الجنوب والذي لا يمكن تصديره إلا عبر الأنابيب التي تمرّ في أراضي الشمال. أكثر من ذلك، لم يؤد تقسيم البلد إلى حلول للمشاكل الخاصة بالشمال نفسه. لا تزال مشكلة دارفور قائمة. ولا تزال هناك مشاكل كبيرة في ولايات عدة تشهد تمردا مسلحا. ما يتبيّن اليوم، في ضوء تصاعد التحرك الشعبي الذي بدأ باحتجاجات على رفع أسعار الوقود، أن تقسيم البلد كان أقرب إلى مسكّن. انتهى الآن مفعول المسكّن. لم يعد أمام النظام سوى العودة إلى المربّع الأوّل. وهذا يعني في طبيعة الحال أن عليه مواجهة المشاكل المؤجلة. ما العمل، مثلا، بالولايات المتمردة التي تجعل معظم الموازنة تصرف على القوات المسلحة التي تخوض معارك لا طائل منها، وعلى الأجهزة الأمنية التي لا همّ لها سوى حماية النظام العسكري- الإخواني وقمع المواطن؟

لم يعد السؤال هل تتسع رقعة الاضطرابات في السودان أم لا؟ السؤال إلى متى يمكن أن يبقى في السلطة نظام عسكري- إخواني ذهب إلى حدّ تقسيم البلد، لكنّه لم يجد أي حلّ لمشاكل السودان الذي يظلّ مرشحا لأن يكون سلّة غذاء العالم العربي، فإذا به ينتقل من فشل إلى آخر، حتى في القطاع الزراعي.

استخدم النظام كلّ الوسائل المتاحة من أجل البقاء في السلطة طوال أربعة وعشرين عاما. استطاع البشير حتى التذاكي على إخواني حاذق مثل حسن الترابي، وإدخاله السجن مرة تلو الأخرى بعدما كبر حجمه وأراد تحويل نفسه إلى الرجل القويّ في السودان. ولولا تدخّل الرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح مرّتين، لكان الترابي تعرّض للإعدام.

ما يمكن أن يفاجئ البشير الآن أن عهد المناورات السياسية وغير السياسية انتهى، وذلك بغض النظر عن الجرأة التي يتمتع بها البشير وعلي عثمان محمّد طه. الشعب السوداني يريد أن يأكل. هل يتصرّف الرئيس السوداني مثلما تصرّف الضابط ابراهيم عبّود في العام 1964؟

وقتذاك، عرف الفريق عبّود، الذي كان على رأس الانقلاب العسكري الأوّل في السودان، أن ساعة الرحيل دقت، خرج من قصر الرئاسة بمجرّد أن نزل المواطنون إلى الشارع وهم يصيحون «إلى الثكنات يا حشرات».

وفّر ابراهيم عبّود الكثير على السودانيين. هل في استطاعة البشير تكرار تلك التجربة، على الرغم من أن السودان تغيّر كثيرا، وأن أحزابه ترهّلت دون أن تخفّ حماسة السودانيين إلى حكم مدني لم يلبّ الآمال المعلّقة عليه يوما.


إعلامي لبناني

8