هل يعيد الشباب الكويتيون النظر في المهن بعد خفض نسب القبول الجامعي

التحفيز المادي والامتيازات يستقطبان الشباب للعمل المهني وتجاهل نظرة المجتمع.
الأحد 2021/08/29
ضمان المستقبل بالعمل وليس الأمل

ازداد الحديث مؤخرا عن جدوى زيادة أعداد خريجي الشهادات العليا في الكويت من أصحاب الاختصاصات التي لا يحتاجها سوق العمل، ليأتي قرار خفض نسب القبول الجامعي ليجهض أحلام الكثير من الشباب، وفي نفس الوقت يدفع لإعادة التفكير في مهن المستقبل.

الكويت - أثار قرار خفض جامعة الكويت لأعداد الطلاب المقبولين للعام الدراسي الجديد جدلًا واسعًا حول أحقية الطلاب الجدد بالدراسة الجامعية، والسبل الممكنة لاستيعابهم لضمان مستقبلهم وتلبية احتياجات سوق العمل الكويتي.

ويعتقد الكثيرون أن قرار التخفيض جائر بحق الشباب الكويتيين، حيث يتحكم بمستقبلهم ويغلق الأبواب بوجه طموحاتهم وأحلامهم، فيما يتوقف البعض الآخر متعمقا بالبحث في حاجة المجتمع للكم الكبير من الشهادات الجامعية والتخصصات المطلوبة لسوق العمل الغارقة في العمالة الأجنبية ويشتكي الكويتيون ليلا ونهارا من تأثيرها على فرصهم الوظيفية.

وأصدر اتحاد الطلاب في جامعة الكويت بيانًا جاء فيه أن قرار خفض أعداد الطلاب المقبولين في الجامعة يتسبب في “حرمان الآلاف من فرصة الدراسة بالجامعة بسبب سوء التخطيط الإداري لمجلس الوزراء،” مشيراً إلى أن التعليم يُعد حقًا رئيسيًا للمواطن الكويتي بنص دستوري ملزم.

وتعتمد جامعة الكويت، وهي الجامعة الحكومية الوحيدة في البلاد، على دعم حكومي رسمي من الموازنة العامة، وتعمل تحت إشراف مجلس الجامعة الذي يرأسه وزير التربية والتعليم العالي. ويشير البعض إلى أنه تم تخفيض الميزانية لنحو 20 في المئة، ما أثار غضبا واسعا في أوساط الطلاب.

وطالب الاتحاد في بيانه، الحكومة الكويتية بتعزيز ميزانية الجامعة لحل هذه الأزمة. وذكر أن “الجامعة ليست حقيبة وزارية، يتم التحكم في مصروفاتها وقراراتها، بل هي مستقبل الكويت بمنتسبيها وقياداتها في القريب العاجل”.

وأبدى العديد من الشباب الكويتيين استنكارهم لما اعتبروه سوء تدبير في خطط القبول الجامعي، بعد إعلان مجلس الجامعات الحكومية، نتائج قبول جامعة الكويت في التخصصات الطبية (الطب البشري وطب الأسنان والصيدلية) للعام الجامعي 2021 – 2022.

وعلق أحمد الناصر في تعليق على الإعلان “لماذا ترفعون النسب فجأة وتجهضون أمالنا في هذه التخصصات سبق وأن حددتم نسبة قبول المكافئ 85 في المئة وبين يوم وليلة ترفعونها إلى 94 في المئة هذا ظلم كبير لنا نحن الشباب الكويتيين الذين يريدون خدمة بلادهم”.

أعداد خجولة

تخصصات مهمة لتنمية المجتمعات
تخصصات مهمة لتنمية المجتمعات

وذكر بعض الطلاب أن كلية الطب بالكويت وبعد 40 عاما على تأسيسها مازالت أعداد قبول الطلبة فيها سنويا قليلة وخجولة جدا لا تتعدى العشرات، فلماذا لا تتم زيادة عدد مقاعد الطلبة بالكلية وبذلك يتم تغطية احتياجات الدولة من كوادر طبية متخصصة، وكذلك توفير أموال طائلة ترسل وتصرف للجامعات الخارجية لتدريس الطلاب بخطة البعثات.

وتقدم نحو 12500 طالب وطالبة من الكويتيين للالتحاق بكليات الجامعة من المستوفين لشروط القبول، في حين أن العدد المعتمد للقبول للعام الدراسي 2021 – 2022 في الجامعة بلغ 8071 مقعدًا بموجب قرار مجلس الجامعة الذي عقد في شهر يونيو الماضي.

وأشار علي المطيري عميد القبول والتسجيل في جامعة الكويت في تصريحات إعلامية إلى تأثير خفض ميزانية الجامعة على قدرتها في قبول الطلاب الجدد. وقال “تعتمد أعداد قبول الطلاب المستجدين على السعة المكانية وعدد أعضاء هيئة التدريس والميزانية المتاحة”.

وأوضح أن “خفض الميزانية بصورة كبيرة سيؤثر على طاقة الجامعة في قبول طلاب جدد”.

ويعتقد بعض الأساتذة أن تخفيض أعداد الطلاب المقبولين يأتي في صالح العملية التعليمية بغض النظر عن الأسباب. وأفاد إبراهيم الحمود أستاذ القانون العام ورئيس جمعية أعضاء هيئة التدريس في جامعة الكويت، في تصريحات صحافية، “تعكس أزمة خفض أعداد المقبولين واقعًا سيئًا تعيشه جامعة الكويت منذ سنوات بسبب انخفاض الميزانية وزيادة عدد الطلاب، مما ينعكس على جودة العملية التعليمية داخل كليّاتها”. وأضاف أن عملية ضبط الجودة محكومة بالعديد من المعايير التي تتعلق بالمساحة المكانية وقاعات التدريس وعدد الطلاب المقبولين قياسًا بعدد الأساتذة.

ويقترح بعض الأساتذة وسائل أخرى لاستيعاب الأعداد المتزايدة من الطلاب كالعمل على تأسيس جامعات حكومية جديدة، أو استكمال تنفيذ الفرع الثاني لجامعة الكويت مع زيادة المخصصات المالية لها وزيادة أعداد أعضاء هيئة التدريس بالجامعة.

وقال حمد البلوشي أستاذ مساعد للعلوم السياسية بجامعة الكويت “لا بد من زيادة أعضاء هيئة التدريس، وتأسيس جامعة وطنية ثانية تستوعب الأعداد المتزايدة للطلاب”. مشيرًا إلى أن الجامعة لا تقوم بتعيين إلا الأساتذة الذين تبتعثهم للدراسة للخارج على نفقتها.

وتبرز وجهة نظر أخرى بهذا الشأن بدأت تجد مناصرين لها في الكويت، حيث يقول متخصصون إن المرحلة المقبلة ستكون للتعليم الفني والمهني أكثر من التعليم الجامعي، فيكفي انضمام من 20 إلى 30 في المئة فقط من الناجحين في الثانوية العامة إلى الجامعة، والبقية يتوجهون إلى التعليم المهني لتدريب عمالة كويتية قادرة على سد احتياجات سوق العمل في المستقبل.

التطوير والتأهيل

Thumbnail

ويرى هؤلاء أن قطاع الصناعة عصب الدولة لكنّ هناك عزوفا من الشباب عن العمل المهني لأسباب كثيرة، منها ضعف الرواتب والحوافز وغياب الامتيازات والتأهيل والتطوير المستمر، بالإضافة إلى الظلم الاجتماعي الذي يقع على الكادر الفني أو المهني في مسألة التقييم وتهميشه، ونظرة المجتمع الكويتي للمهنيين واعتبارهم كأنهم فاشلون في الحياة وليسوا أصحاب مهن تحتاجها الدولة.

ولمواجهة هذا العزوف لا بد من وضع حلول يأتي في مقدمتها التدريب والتأهيل وزيادة الرواتب وتحفيز المهنيين بالامتيازات. إذ أن التحفيز والتشجيع سيستقطب الشباب للعمل المهني بشكل كبير، لأنه دون إغراءات فإن العمل المهني سيراوح مكانه ولن يتحرك إلى الأمام، حيث قرر الكثير من الشباب البدء في العمل المهني ثم تركوه لضعف الراتب والحوافز وعدم التطوير والتأهيل.

ويجب تشجيع الشباب على الاتجاه إلى المهن من داخل المدارس لسد النقص في الأيدي العاملة الكويتية والاستغناء عن العمالة الوافدة في المهن الوسطى والعالية بحيث يجد شباب اليوم فرص عمل في الشركات ويحظى أصحاب العمل بكفاءات محلية قادرة على الانجاز.

وسيجد الشباب حافزا لدخول هذا المجال عندما يحصلون على ضمانات وظيفية وسيتجهون إلى القطاع الخاص للإسهام في معالجة الخلل الحاصل بسوق العمل، كما حصل مع أصحاب المشاريع المتوسطة والصغيرة من الشباب الكويتيين الذين اختاروا المغامرة والكثير منهم نجحوا وحققوا نتائج لافتة.

الطب والتمريض، من أبرز التخصصات المطلوبة في سوق العمل الكويتي وتحتاج إلى طاقات شابة

ويطالب أهالي طلاب المدارس التقنية بمد يد العون لأبنائهم أثناء الدراسة وبعد تخرجهم بتوفير الوظائف وفتح المجال أمامهم لاستكمال دراستهم الأكاديمية بالجامعات.

وأشاروا إلى أن بعض طلاب المدارس التقنية يتخرجون ويجلسون في المنازل وهذه بطالة مقنّعة رغم احتياج سوق العمل لهذه الكفاءات الفنية للاستفادة منها في مشروعاته.

وطالبوا الشركات والقطاع الصناعي باستيعاب طلاب المدارس التقنية وتشجيعهم وتأهيلهم وتطوير أدائهم، لاسيما وأن هناك مشروعات ضخمة تحتاج جهودهم، ولكن لا بد من الاستفادة من إمكانياتهم لسد العجز في القطاعات الأخرى بدل استقدام فنيين من الخارج.

ويقول بعض المسؤولين في الكويت بأن هناك تطويرا دائما للتخصصات والبرامج في التعليم التطبيقي والتدريب بما يتناسب مع حاجة الدولة سواء من حيث نسب القبول في بعض التخصصات أو إحداث تخصصات جديدة، لكنّ بعض الطلبة أو المتدربين يتجهون إلى مجالات أخرى لأنهم يرون أن فرص الحصول فيها على وظيفة أكبر.

وقال رئيس فريق مشروع صناع العمل التابع للهيئة العامة للشباب هاشم الطبطبائي، إنه تم اعتماد استراتيجية المشروع للعام المقبل والتي ستركز على خلق فرص تدريبية ووظيفية في مهن وحرف يحتاجها سوق العمل لاسيما في القطاع الخاص وفقا للخطة الإنمائية للدولة.

وأوضح الطبطبائي في تصريح صحافي أن مشروع صناع العمل وفّر خلال عامه الأول أكثر من 160 فرصة وظيفة وأكثر من 370 فرصة تدريبية وأكثر من 30 شراكة وتعاون مع القطاعين العام والخاص وجمعيات النفع العام منذ انطلاقته في شهر سبتمبر 2020.

وأضاف أن اعتماد استراتيجية المشروع جاءت وفقا للخطة الإنمائية للدولة التي وضعت الاستثمار في رأس المال البشري أحد ركائزها وتنفيذا لمجالات السياسة الوطنية للشباب في التوظيف وريادة الأعمال.

مشروعات تنموية

كل المهن تحتاج إلى الشباب
كل المهن تحتاج إلى الشباب

ويهدف المشروع إلى تأهيل الشباب الكويتيين حديثي التخرج في المشروعات التنموية للدولة وتوفير فرص عمل لهم في مختلف المؤسسات بعد تدريبهم وصقل قدراتهم بطرق منهجية من خلال برامج يشرف عليها اختصاصيون ومعتمدة من جهات إقليمية ومناهج مواكبة للتقنيات والوسائل العلمية الحديثة التي تتماشى مع متطلبات سوق العمل.

ويتضمن “صناع العمل” سبع مشاريع متنوعة استهدفت حديثي التخرج من الشباب الكويتيين في مختلف التخصصات إذ ركز المشروع على المساهمة في تقليل طوابير الانتظار بالتخصصات المتكدسة بالتعاون مع أجهزة الدولة المعنية بعملية التوظيف.

وأفاد الطبطبائي بأن الهيئة العامة للشباب تسعى لخلق فرص وظيفية للشباب الكويتيين وتشجيعهم على العمل في القطاع الخاص عبر طرح العديد من البرامج التدريبية والمشاريع بالتعاون مع العديد من الشركات وجمعيات النفع العام لتمكين الشباب والحد من البطالة.

وحدد ديوان الخدمة المدنية احتياج سوق العمل الكويتي في 22 تخصصا من حملة شهادات البكالوريوس إضافة إلى 11 تخصصا تتسم بالندرة من بينها 8 تخصصات في المجال التعليمي، فضلاً عن 11 تخصصا لا يحتاجها سوق العمل.

تشجيع الشباب على الاتجاه إلى المهن يبدأ من المدارس لسد النقص بالأيدي العاملة والاستغناء عن العمالة الوافدة

ومن أبرز التخصصات المطلوبة في سوق العمل الكويتي الطب والجراحة، التمريض، الصيدلة، العلاج الطبيعي، جراحة الأسنان، طب بشري، العلوم الطبية المساعدة، طب بيطري، النطق والسمع، الأشعة، المختبرات الطبية، علم نفس، علم اجتماع، أدب إنجليزي، علم الحاسوب، علوم كيمياء، هندسة كمبيوتر، علوم فيزياء، علوم أحياء، علوم رياضيات، الأمن السيبراني.

أما التخصصات التي لا يوجد لها احتياج فهي الإعلام، التاريخ، الفقه وأصوله، العلوم سياسية، الفقه المقارن، هندسة كهربائية إلكترونية، هندسة البترول، هندسة صناعية ونظم، هندسة كهربائية، هندسة كيمائية.

ويؤكد المختصون على ضرورة استقطاب الشباب للعمل المهني في ظل حالة العزوف الموجودة، والاستفادة من تجارب دول أخرى في هذا المجال حيث بدأت الكثير من دول الخليج بتبني هذا النهج ودفع شبابها نحو المجال المهني.

وقد وضعت السلطات الكويتية هدفا لإحلال العمالة المحلية بدلا من الوافدين في قطاعات الحكومة، وسيتمّ إنهاء خدمات العاملين الأجانب خلال عامين، للوصول إلى نسب كانت محددة منذ 2017 لإحلال المواطنين الكويتيين في الوظائف داخل البلاد، واستثنيت منها الوظائف الطبية والتمريضية.

وتضم الوظائف المستهدفة التخصصات الإدارية والقانونية والتعليمية، حيث وصلت نسبة الكويتيين الذين يشغلون وظائف تعليمية 73 في المئة، فيما تبلغ نسبة إحلال المواطنين في الوظائف القانونية 83 في المئة، و95 في المئة في الوظائف الهندسية.

19