هل يغير المقاتلون الإيغور في سوريا السياسة الخارجية الصينية

تسعى الصين في السنوات الأخيرة، إلى تجنب العنف في حل المشاكل الدولية، وأدرجت ذلك في خطاباتها الرسمية التي أكدت على مبدأ حسن الجوار، وإرساء علاقات جيدة مع بقية الدول وحل الخلافات الحدودية بالطرق السلمية. لكن يبدو أن تتالي التقارير حول انخراط بعض المقاتلين الإيغور في العديد من التنظيمات الإرهابية في سوريا سيحمل بكين على تبني استراتيجية عمل جديدة حتى تقي نفسها من انتقال خطر هذه المجموعات إلى أراضيها وتشديد اللهجة مع تركيا التي تؤكد جملة من التقارير تسهيلها عبور الإيغور إلى سوريا. وهو ما تناولته مؤسسة جيمس تاون الأميركية للأبحاث، التي حاولت التوقف فضلا عما سبق، عند العلاقة التاريخية القائمة إلى اليوم بين الإيغور وتركيا.
الاثنين 2016/04/11
الصين وتركيا الخلاف الدفين

بكين- ادعت السلطات الصينية أن المئات من الإيغور قد سافروا إلى سوريا والعراق للانضمام إلى الدولة الإسلامية وغيرها من التنظيمات الإرهابية منذ سنة 2013. واستخدمت هذه الادعاءات كتبريرات لتطبيق سياسات جديدة في محاربة الإرهاب. كما برزت الارتباطات المزعومة بين ارتفاع حوادث العنف في شينجيانغ في السنوات الأخيرة والتنظيمات الإرهابية، مثل الدولة الإسلامية والقاعدة، بكثافة في التصريحات الرسمية حول التشريع الصيني الأول في مكافحة الإرهاب، وقد حظي هذا القانون بالإجماع في المؤتمر الشعبي الوطني في 27 ديسمبر 2015. وقبيل تمرير هذا التشريع قال المسؤول الكبير في الأمن الصيني، ماي جيانمنغ إن الحكومة عند صياغة المقاربة الجديدة “أخذت تصاعد نفوذ الدولة الإسلامية في الاعتبار بعد أن خططت لتجنيد مسلمين من كل المجموعات الإثنية في الصين، وهو ما يطرح تحديات جديدة أمام البلاد”.

ونظرا إلى هذه المزاعم المتنافسة، تتبادر إلى الذهن العديد من الأسئلة حول مدى ارتباطات الإيغور بالحرب في سوريا والتداعيات المحتملة بالنسبة إلى الصين؟ يبدو من الأدلة المتاحة أن عددا قليلا، لكنه متزايد، من الإيغور قد يكونون بصدد الالتحاق بالجماعات الإرهابية في سوريا، وغالبا من خلال رحلة غير مباشرة عبر آسيا الوسطى أو بواسطة أشخاص (شبكات تهريب في جنوب شرق آسيا)، بيد أن الشيء الذي يبقى غير واضح إلى الآن هو هل أن حكومة الرئيس طيب رجب أردوغان تتسامح فقط مع وجود الإيغور أم أنها تساعدهم بشكل فعلي؟

الإيغور وتركيا

الإيغور المحتجزون لدى السلطات في بلدان العبور مثل ماليزيا وإندونيسيا وتايلندا كانوا يحملون جوازات سفر تركية مزورة

عرفت تركيا بدعمها لطموحات الإيغور في شينجيانغ، المقاطعة الصينية في أقصى غرب البلاد حيث يعيش أغلب الإيغور، والتي كانت تاريخيا مقصدا مهما للإيغور الهاربين من الحكم الصيني، منذ زمن بعيد. فخلال التمرد الترك-إسلامي الكبير (1864-1876) في شينجيانغ ضد المانشو بزعامة يعقوب باغ، لم يكتف السلطان العثماني في إسطنبول بتوفير الأسلحة والمستشارين العسكريين للانفصاليين المصممين على تكوين دولة في مدينة كاشغار في مقاطعة شينجيانغ، بل منحه أيضا لقب أمير. وفي القرن العشرين أصبحت تركيا ملاذا للقوميين الإيغور الهاربين من شينجيانغ بعد أن “تحررت سلميا” على يد جيش التحرير الشعبي في سنة 1949.

ومن بين أبرز القوميين الايغور الفارين عيسى يوسف ألبتكين الذي أصبح زعيما للشتات الإيغوري أثناء كامل فترة الحرب الباردة. وركز ألبتكين على مقاربة ذات مسلكين من أجل إبراز قضية الإيغور؛ أولا سعى جادا لربط علاقات مع الزعماء السياسيين والعسكريين الأتراك عن طريق قراءات تركية قومية وخاصة سليمان دميرال وتورغوت أوزال. وعلى المستوى الدولي حاول ألبتكين حشد الدعم للمزاعم القومية الإيغورية من خلال اللعب على المشاعر المعادية للشيوعية في العالم الإسلامي والعالم النامي غير المنحاز وتايوان، لكن هذه الجهود لم تأت بنتائج تذكر نظرا لمحدودية علاقات بكين مع تركيا، واتهام القوميين الإيغور بأنهم يتلقون المساعدة من “السوفييت التحريفيين” من جهة، وارتباطهم بتركيا العضو في حلف الناتو من جهة أخرى.

منحت نهاية الحرب الباردة وإحداث جمهوريات آسيا الوسطى المستقلة الإيغور والقوميين الأتراك المزيد من الأمل في إمكانية الرجوع في هذا الوضع. كما نمت طموحاتهم، بفعل عودة القومية التركية النائمة، إلى الحياة في النقاشات السياسية في تركيا التي بنيت أساسا على اعتبارات “جغرافية سياسية حضارية” – خلافا لسابقتها العثمانية ــ يفترض أن تحدد فيها المميزات الحضارية للسلوك الدولي. كما كان ذلك واضحا أيضا في الدبلوماسية التركية النشطة في منطقة القوقاز وآسيا الوسطى حيث عملت أنقرة على خلق دور تركي قيادي اقتصاديا وسياسيا في مقابل تكوين اتحاد يتخطى الحدود الوطنية.

وهكذا بدا أن الشتات الإيغوري في تركيا قد وجد بيئة مساعدة تمكنه فيها مواصلة جهوده في حشد التأييد لقضيته. وفي حادثة أكدت على ذلك، في سنة 1995 أطلق رجب طيب أردوغان، الذي كان في ذلك الوقت رئيس بلدية اسطنبول، على جناح من منتزه السلطان أحمد (المسجد الأزرق) اسم ألبتكين مشيدا بأهمية تاريخ وحضارة ونضالات “تركستان الشرقية” حتى أنه قال بالحرف الواحد “شهداء تركستان الشرقية هم شهداؤنا”.

بكين متخوفة من عودة الإرهابيين الإيغور

لكن كانت أنقرة في ذات الوقت محترسة من تأثير المسألة الإيغورية على علاقاتها الناشئة مع بكين، وفاقمت الصين من هذه المخاوف عبر لفت النظر إلى مشاكل تركيا مع الأكراد، مشيرة إلى التناقض بين مساندة أنقرة الخطابية “لحق تقرير المصير” بالنسبة إلى “تركستان الشرقية” وقمعها للأكراد. وفي تطور ذي دلالة، أصدر رئيس الوزراء التركي مسعود يلمز قرارا توجيهيا لمجلس وزرائه في فبراير 1999 بأن أنقرة ستعترف منذ ذلك الوقت فصاعدا بكون شينجيانغ جزءا من الصين، وأن على وزراء حكومته الامتناع عن حضور اجتماعات أو أحداث تمثل دعاية لتركستان الشرقية.

في أعقاب الحادي عشر من سبتمبر، قامت الصين بجهود منسقة لتصوير القلاقل والعنف في شينجيانغ على أنها تحظى بمساعدة وتحريض من “القوات الإرهابية لتركستان الشرقية” المقيمة في الخارج. وفي علاقاتها الثنائية مع تركيا منذ الحادي عشر من سبتمبر، شددت الصين باستمرار على حاجة الطرفين إلى محاربة “قوى الشر الثلاث المتمثلة في الانفصالية والإرهاب والتطرف” و”إرهاب تركستان الشرقية بالخصوص”. وذهب بعض الملاحظين الصينيين إلى ما هو أبعد من التصريحات الرسمية قائلين بأن “إيواء” تركيا “لقوى تركستان الشرقية” شبيه بإيواء طالبان لأسامة بن لادن. ولدحض مثل هذه النظرة قبلت أنقرة نصيحة بكين وتعاونت معها في مراقبة أنشطة قوى تركستان الشرقية في تركيا في معظم العشرية الأولى من القرن الواحد والعشرين، رغم أنها لم ترحّل الإيغوريين إلى الصين خلافا لكثير من دول آسيا الوسطى. وطيلة هذه الفترة أكد الزعماء الأتراك أن شينجيانغ هي جزء من الصين.

ورغم هذه التطمينات، بقيت تسيطر على جل المقاربة الصينية بعد الحادي عشر من سبتمبر تجاه المسألة الإيغورية في العلاقات الصينية التركية، النظرة بأن تركيا تبقى “المركز السياسي والثقافي للقومية التركية”. وتدعمت هذه النظرة بقوة نتيجة موقف تركيا من العنف بين الإثنيات الذي اندلع في أورومتشي عاصمة شينجيانغ في شهر يولو 2009. ودفعت أعمال العنف التي حصدت أرواح ما لا يقل عن مئتي شخص والاعتقالات اللاحقة للايغوريين رئيس الوزراء التركي آنذاك أردوغان إلى إدانة الصين بعبارات تذكر بالزعيم الإيغوري ألبتكين حيث شبه معاملة بكين للإيغور بالإبادة الجماعية مطالبا الصين “بالتخلي عن سياسة الانصهار” في المنطقة.

الإرهاب الإيغوري في سوريا

ادعت الصين منذ زمن طويل بأن الحركة الانفصالية الإيغورية تتلقى الدعم من مصادر خارجية. وكان هذا الكلام أثناء فترة الحرب الباردة موجها إلى الزعماء في المنفى مثل ألبتكين و”التحريفيين الاشتراكيين” المقيمين في موسكو. لكن أدت هجمات الحادي عشر من سبتمبر والحرب الأميركية على الارهاب إلى تغيير جذري في هذا الخطاب، فمنذ سنة 2001 تم ربط أحداث العنف في شينجيانغ بالإرهاب الدولي، ونادرا بالمنفيين الإيغور الموجودين في تركيا. وصدرت أول وثيقة أعدتها بكين تضبط قائمة في الأحداث الإرهابية في شينجيانغ أو مرتبطة بها في يناير 2002، وادعت هذه الوثيقة أن تنظيما غير معروف يسمى الحركة الإسلاميـة لشرق تركستان، المتمركزة في أفغانستان الخاضعة لسيطرة طالبان، والمدعومة والممولة من قبل القاعدة كانت مسؤولة عن الكثير من الهجمات الإرهابية في شينجيانغ.

في أعقاب الحادي عشر من سبتمبر، قامت الصين بجهود منسقة لتصوير القلاقل والعنف في شينجيانغ على أنها تحظى بمساعدة وتحريض من "القوات الإرهابية لتركستان الشرقية" المقيمة في الخارج

وكررت بكين هذا الاتهام لبقية العقد ناسبة العنف في المنطقة إلى التأثير الخبيث للحركة الإسلامية لشرق تركستان والتنظيم الذي يقف خلفها المسمى الحزب الإسلامي لتركستان، بينما يوجد خلاف واسع النطاق حول القول بدعم القاعدة المباشر للحركة المذكورة، من الواضح أن هذه الحركة والتنظيم الذي يسندها كان لهما حضور في مناطق أف-باك القبلية، وخاصة في منطقة “مير علي” التابعة للمناطق القبلية ذات الإدارة الفيدرالية في باكستان، إلى جانب علاقة ناشئة مع طالبان والحركة الإسلامية في أوزباكستان.

بعد سنة 2009، بدأت بكين في تحويل البعض من تركيزها إلى الروابط المحتملة للمقاتلين الإيغور بجماعات خارج منطقة أف-باك. وكان ذلك في جزء منه بدافع إدانة تعامل الصين مع أحداث أورومتشي من قبل عدد من فروع القاعدة في الشرق الأوسط مثل القاعدة في المغرب الإسلامي، بيد أن أول إشارة علنية إلى إرتباطات الإيغور المحتملة بسوريا قام بها مسؤول صيني جاءت في شهر أكتوبر 2012، حيث صرح اللواء في الجيش الصيني يين جينان بقوله “تستفيد تنظيمات شرق تركستان من الحرب الأهلية السورية للحصول على الخبرة وإبراز صورة شينجيانغ لدى الجهاديين كأحد المسارح الأخرى”. كما نشرت صحيفة غلوبل تايمز حوارا مع وزير الخارجية السوري عماد مصطفى في يوليو 2013 ذكر فيه أن ما لا يقل عن 30 إيغوريا سافروا من مخيمات التدريب الجهادي في باكستان إلى سوريا مرورا بتركيا وأن الحكومة السورية تشارك معلوماتها الاستخباراتية حول الإيغور مع بكين.

في سنة 2015 ارتفع عدد التقارير حول الروابط بين الإيغور والحرب في سوريا، إذ ذكر الصحافي في جريدة المونيتور مارتين غوركان في سبتمبر الماضي بأن مصدرا استخباراتيا في أنقرة قدر وجود 1500 مجند من آسيا الوسطى، بما في ذلك الإيغور، يحاربون في صف الدولة الإسلامية في سوريا والعراق. كما أكدت المحللة الأميركية كريستيانا لين في أكتوبر الماضي أن الحركة الإسلامية التركستانية كانت قد أسست مخيما للتدريب في المدينة السورية إدلب. وأخيرا نقلت بعض الأخبار في 26 أكتوبر بأن الإرهابي الإيغوري عباس التركستاني قتلته القوات السورية في الشمال الغربي لمدينة حما. وتجدر الإشارة إلى أن التقارير المشار إليها آنفا لا تفرق بدقة بين الإيغور والمقاتلين الآخرين القادمين من آسيا الوسطى.

الاستتباعات بالنسبة إلى بكين

رغم الثغرات التي يقع فيها الإعلام، يبدو أن هناك حضورا إيغوريا في سوريا وإن كانت أعداده غير معروفة وغير دقيقة حتى الآن. لكن نظرا لسجل تركيا في دعم اللاجئين الإيغور ومساندة تركيا الحالية للقوى المعارضة للأسد، يتواتر السؤال هل قامت الحكومة التركية بتسهيل وجود الإيغور في سوريا؟

أي هجوم يمكن أن يتعرض له مواطنون صينيون أو مصالح البلاد الاقتصادية قد يحفز التدخل الصيني في الشرق الأوسط

حظيت مثل هذه التخمينات بالاهتمام على مدى السنوات القليلة الماضية بسبب العديد من التطورات؛ أولا، كانت هناك حالات موثقة عن الهجرة الإيغورية عبر الحدود في منطقة جنوب شرق آسيا منذ سنة 2009، وتبين أن الإيغور المحتجزين لدى السلطات في بلدان العبور مثل ماليزيا وإندونيسيا وتايلندا كانوا يحملون جوازات سفر تركية مزورة أو ادعوا بأنهم مواطنون أتراك، ثانيا، في شهر يناير من سنة 2015 أعلنت السلطات الصينية أنها فككت عصابة تهريب بشر عند اعتقال عشرة مواطنين أتراك وعدد من الإيغور في شنغهاي، وحسب صحيفة غلوبل تايمز، يدير العصابة “شخص إيغوري يعيش في تركيا ومشتبه به تركي يفرضان ستين ألف يوان (أي 9680 دولارا) مقابل كل شخص” إلى جانب توفير جوازات سفر تركية لزبائنهما المحتملين.

ثالثا، أكدت تقارير إخبارية من الشرق الأوسط أن تركيا وفرت جوازات سفر مزيفة للدولة الإسلامية وغيرها من التنظيمات الجهادية من أجل تسهيل انتداب المقاتلين (الزمان اليوم، 9 أبريل 2015). وتردد صدى هذا الاتهام في الصين حيث نقلت وسائل الإعلام الصينية أخبارا عن حالات لمجندين محتملين من الإيغور يتحصلون على وثائق تركية مزيفة ويوجّهون لطلب مساعدة السفارات التركية إذا تم اعتقالهم في جنوب شرق آسيا.

هناك عدد من الاستتباعات المزعجة تتأتى من وراء هذه التطورات بالنسبة إلى بكين، إذ توجد إشارات غير مسبوقة إلى خطر انتشار الإرهاب الإيغوري عبر الحدود وذلك من خلال ارتباط المقاتلين الإيغور، على ما يبدو، ليس فقط بالملاذات طويلة الأمد في منطقة “أف-باك” التقليدية بل وكذلك بالمستنقع الإرهابي في سوريا، وفي ما يبدو أن عدد الإيغور المتورطين قليل، إلا أن الخطر بالنسبة إلى بكين يتمثل في احتمال عودة بعضهم إلى شينجيانغ أو محاولتهم التأثير على الآخرين أو تجنيدهم.

وتفادت الصين إلى حد الآن التورط في الأزمة السورية نظرا لسياستها الخارجية القائمة على عدم التدخل، لكن أي هجوم يمكن أن يتعرض له مواطنون صينيون أو مصالح البلاد الاقتصادية من قبل الأيغور المتمركزين في سوريا أو أي هجمة قد ينفذها “الحزب الإسلامي التركستاني” في مقاطعة شينجيانغ، قد تغير هذه الحسابات وتحفز شكلا من أشكال التدخل الصيني في الشرق الأوسط أو في منطقة أف-باك. ويكسب هذا السيناريو المزيد من التأييد في بكين، ويظهر ذلك في القانون الصيني الجديد لمحاربة الإرهاب الصادر بتاريخ 27 ديسمبر 2015 الذي سيسمح لجيش التحرير الشعبي والشرطة المسلحة الشعبية بالحصول على موافقة اللجنة العسكرية المركزية للقيام بعمليات مكافحة الإرهاب في الخارج.

6