هل يفرض الاستقطاب السياسي الحاد في تونس خيارا ثالثا

الاثنين 2014/11/24

المرور الصباحي على بعض مراكز الاقتراع، أوحى بأن الإقبال على الانتخابات الرئاسية التونسية، كان متكاسلا، لكن يوم الإجازة الأسبوعية كان يَعدُ بتحسّن النسبة لاحقا، بما يعزز مصداقية اختيار التونسيين لرئيسهم وللمرة الأولى في تاريخهم.

كان يوم الصمت الانتخابي، لحظة قطيعة بين ما شاب الحملة الانتخابية من منسوب عال وصل أحيانا درجة الوصم بالعار والتأثيم بين المترشحين وأنصارهم، وبين انطلاق العملية الانتخابية ذاتها. وفي الأيام الأخيرة للحملة الانتخابية اتضحت الرؤية، بأن انحصر التنافس بين أربعة مترشحين، كل ينهل من معين؛ الباجي قائد السبسي، زعيم نداء تونس، الضالع في التجربة والسّن، والقادم من مدرسة بورقيبية طالما فاخر بها (وطالما نقده خصومه بأنّها لا تعدو أن تكون أصلا تجاريا عاد إليه عندما انسدّت به السبل أو عندما احتاج عدته). والمنصف المرزوقي، الطبيب والحقوقي الذي ارتكن بإصرار عجيب إلى تجربة الترويكا القائمة على حركة النهضة الإسلامية، والذي أطنب في أحقيّته تحويل مساره الحقوقي السابق إلى محصول سياسي، يأبى كذلك أن يقرّ بحجم خساراته. المرشح الثالث هو حمة الهمامي، اليساري الواقف على تجربة عريقة من النضال ضد الديكتاتورية بكل مفاصلها، ويرى أنصاره ورفاقه، أن تجربته النضالية تخول له التصدي للشأن التونسي العام بكل تعقيداته، لكن خصوما له يرون أن سيرته النضالية، على نقائها، لا تتيح له أن يكون رئيسا لتونس، وأن قدره وموقعه الطبيعي أن يظل معارضا وصوتا مقيما ومقاوما للحكّام. رابع المترشحين، اسم طارئ على الساحة السياسية التونسية، ومن إفرازات ما بعد الثورة، سليم الرياحي الذي يلج المعترك السياسي مستندا إلى ثروة طائلة وإلى ترؤسه لفريق رياضي عريق وواسع الشعبية، ولكن منتقديه يشككون في جدارته وقدرته على حكم تونس، فرجل لا خبرة سياسية له قد يؤدي بتونس إلى منحدر سحيق.

بين هذا الرباعي الأكثر حظوظا في الفوز، تلوح الخصومة محتدمة بين قائد السبسي والمرزوقي، باعتبار تقدّم الثنائي على بقية المترشحين، والتقدم يستند إلى دواع سياسية واضحة، أولها نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة، بما أنّ الباجي قائد السبسي يتقدم بأغلبيته النيابية على بقية الخصوم، وحيث يفتقد الرئيس المنتهية ولايته إلى ذلك، لكن مفاخرة الأخير بانتمائه إلى "قوى الثورة" تجعله مدججا بأصوات كثيرة قادمة من البيئات الإسلامية ومن "رابطات حماية الثورة"، التي ترى في انتصارها للمرزوقي انتقاما سياسيا من الباجي قائد السبسي بكل ما يرمز إليه.

الثابت أن للانتخابات الرئاسية الحالية، فصلا مواليا لا نزاع في حدوثه، ذلك أنه ليس لأحد من المترشحين أن يحسم الأمور من شوط الانتخابات الأول، وإذا ما كان للفصل الأول شروطه ومحدداته فإنّ للفصل الثاني، المرجح، أوليا، أن تدور رحاه بين قائد السبسي والمرزوقي، قواعد أخرى وتغيرا أكيدا في الاصطفافات والتحالفات.

على أنّ ما ساد هذا الفصل الأول من الانتخابات من تقلص نسبة المشاركة العامة، ومن عدم جهر حركة النهضة الإسلامية بمرشّحها الذي تناصره، قدّما صورة مباشرة تشير إلى أن قسما واسعا من "النهضاويين" قاطع أو عزف عن المشاركة في الانتخابات، وهذا "التخلف" النهضوي عن المشاركة يعزز حظوظ الباجي قائد السبسي أولا، وحمة الهمامي ثانيا، وهذا يجرنا إلى عدم استبعاد حدوث مفاجأة تتمثل في صعود مرشح اليسار حمة الهمامي إلى الدور الثاني، وفي صعوده قد تتغير كل المعطيات وتجبر كل القوى السياسية على إعادة قراءة المشهد السياسي بما يتلاءم مع هذا المعطى العسير غير المستحيل.

الانتخابات الرئاسية التونسية، هي اختزال لمشهد سياسي تونسي مركب، تشكلت ملامحه منذ صبيحة 15 يناير 2011، لكن جذوره البعيدة تعود إلى ما قبل ذلك. مشهد قوامه تنافس عديد القوى على الانتصار للثورة أو ادّعاء ذلك، ومن ثمة وصم كل الخصوم بأنهم من فئة المعادين للثورة. مشهد عاد فيه الشعب التونسي إلى اعتماد معايير مغايرة ومختلفة عن تلك التي سوّقها الساسة وعدد من الفاعلين السياسيين؛ حيث أصبح عموم الشعب التونسي يبحث عمّن يؤمن له معيشة متاحة، وإحساسا بالأمان (في معانيه المباشرة أو العميقة)، ومن يوفّر له إمكانية تحقيق تنمية دون شعارات فضفاضة أو تبريرات واهية للفشل أو القصور. هنا تماما تبدو الانتخابات الرئاسية التونسية الحالية وكأنها تجري في أرض بعيدة عن تلك التي يقف عليها التونسيين، وهذا أيضا أحد ضروب تفسير نسبة المشاركة الضعيفة فضلا عن تلك الصورة المترهلة التي أصبح يحملها التونسي عن الرئيس. صورة نتجت عن تقلّص صلاحيات الرئيس، وأداء "المنتهية ولايته". فلمن سينتصر التونسي؛ للدولة (بما قد تحيل إليه من دولة عميقة أيضا) أم للثورة (بما قد تعنيه من جموح وقلة خبرة) أم يغامر باصطفاء مرشح يقطع مع الاصطفاف السائد؟

7