هل يفعلها السيسي

السبت 2014/12/27

قرر الرئيس عبدالفتاح السيسي قبل أشهر زيادة مدروسة في أسعار المحروقات والوقود والكهرباء، والحديث يتجه إلى إلغاء الدعم تدريجا خلال سنوات. المشروع لا شك في صوابيته بعد أن هضمه المواطن المصري، لأنه سيعكس – مستقبلا - الصورة الصحيحة لاقتصاد مصر، وهو يذكرنا بالقرار الشجاع للرئيس أنور السادات في يناير 1977 الذي انتهى باحتجاج شعبي أدى إلى التراجع عن قرار إلغاء الدعم.

اتخذ السادات قراره بعد فشل التجربة الاشتراكية في مصر ورأى - قبل نحو أربعة عقود - ما ستؤول إليه الأمور، فاستجاب لنصيحة دولية مفادها تغيير هوية الاقتصاد المصري من أجل النهوض. كان يدرك أن التجربة الناصرية قدمت نسخة مشوهة من الاشتراكية، والمؤسف عجزه عن تقديم نسخة ناضجة من الرأسمالية، فانتهى الاقتصاد المصري إلى هجين مشوه من الاشتراكية المشوهة والرأسمالية المشوهة ودين عام يقدر بـ2 تريليون جنيه.

مشكلة الاقتصاد المصري تتمثل في وجهين، دعم السلع بذريعة الانتصار للفقراء، والتضخم الهائل في موظفي القطاع العام. تشير بعض التقديرات إلى أن عدد الموظفين الحكوميين يتجاوز ستة ملايين إذا تغاضينا عن المؤسسة الأمنية والعسكرية. فلسفة الدعم هي المنطق المعكوس للتصدق بتعليم الصيد. تصدّقت الحكومة بسمكة مرة تلو مرة فأحالت المواطن إلى التواكل وتحميل النظام السياسي وزر كل شيء. عزز ذلك التكوين المركزي والدكـتاتوري لنظام ثورة يوليو.

أما القطاع العام، فمشكلة صعوبة الفصل وانعدام التوازي بين الأجر والإنتاج في ظل سياسة توظيف هائلة -في مراحل سابقة- أدى إلى انتهاء القطاع العام عبئا على الدولة المصرية واستشراء الفساد، وهذا ما يفسر اتجاه نظام حسني مبارك إلى الخصخصة، لكنه هو الآخر قدم تجربة مشوهة نتيجة الجسد المشوه أصلا.

بعض النظم العربية معجب بالتجربة الصينية التي تبدو اقتصادا رأسماليا تقوده الدولة الشيوعية (المستبدة)، والحقيقة أن هذا الإعجاب غير منطقي، فمن تحدثوا -قبل سنوات- عن تجاوز الاقتصاد الصيني الاقتصاد الأميركي بحلول عام 2012 سبحوا في الوهم، فخبراء الاقتصاد يعلمون أن الواجهة البراقة للاقتصاد الصيني غير دقيقة، ومن أوجه زيفها الفرق الشاسع بين قياس النظام الصيني لنفسه وقياسه من البنك الدولي.

الإعجاب بالتجربة الصينية مرده جثوم الحكم الشمولي دهرا طويلا على رقاب الناس، والذي أدى إلى “التشبث بمعتقدات الدور الشمولي البائس للحكومة في شؤون الاقتصاد وشؤون الناس وحرياتهم، والاستحواذ الجائر على أموالهم، مما أدى إلى ابتكار الحجج المضللة والمعضدة لأهمية دور الحكومة في الاقتصاد” كما يقول أحمد الوزان.

المتوقع من الرئيس السيسي إيمانه بأن الإصلاح لا يسير بساق واحدة، وأن هذا الإصلاح يجب أن يكون جذريا. في حملته الانتخابية وفق السيسي في تصريحه “رفع الدعم يستدعي تحسين أحوال المواطن قبله”، لكنه أثار التحفظ حين ألمح إلى معاداة الخصخصة استنادا إلى تجربة مبارك. يجب أن لا تقف التجارب المشوهة السابقة عائقا في وجه التقدم.

والمتوقع أيضا الإيمان بالدولة الرشيقة كمدخل وأولوية للإصلاح الجذري، والمعنى تحقيق “مفهوم (شعب أكبر وحكومة أصغر)، أي دور حكومي صغير حجما وكبير وكفء إنجازا، ودور واسع للقطاع الخاص الذي صار يمثل سواد الناس”. يستدعي هذا المفهوم إعادة هيكلة القطاع العام في مصر وفق مبادئ: لا وظيفة إلا لحاجة ولا دخل إلا بإنتاج وبمقداره. الحكومة المصرية مطالبة بالاستغناء عن شريحة واضحة من موظفيها -إذا تناسينا ضرورة إعادة هيكلة المؤسسة العسكرية والأمنية وهو تجاهل في غير محله- وإعادة تأهيل البقية وتوزيعهم، والأهم من كل ذلك الإيمان باللامركزية الإدارية وتحرير الاقتصاد من السلطان المركزي للدولة -التي ستتولى دور التنظيم وإدارة تضارب المصالح الفردية- من أجل تنويع الموارد وتحريكها والاقتراب من الدولة الحديثة.

هذه القرارات ستعزز مشروع السيسي لإلغاء الدعم الذي يجب أن يكون متأنيا وواثقا ومتدرجا كي لا يطحن المواطنين، كما أنها ستنعكس إيجابيا على الاقتصاد المصري والدولة المصرية والدخل القومي، وستساهم في تكوين سليم للبنى التحتية الحكومية كرحم صحي يحفظ التجارب الوليدة من التشوه. وفق تقدير اقتصادي، فإن الدولة تدعم بما مقداره 200 بليون جنيه، ويأكل الفساد من موازنتها نحو نفس المبلغ، وكأن “استثمار” مكافحة الفساد الذي أسسه حكيم الدولة المصرية (كمال الجنزوري) جدير بالتطبيق الجدي والفوري.

يرتبط مفهوم الحكومة الرشيقة عضويا بمفهوم الديمقراطية، إدارة الأكثرية -وليس حكمها أو تسلطها- في ظل ضمان حق المعارضة واحترام المبادرة الفردية وصون الحريات الخاصة والعامة. أي أن مصر في أشد الحاجة إلى التبرؤ من نظامي يوليو و“الإخوان” وتبني قيم ثورتي يناير ويونيو بالقطيعة مع الفساد والدولة الريعية المترهلة والاستبداد في صورتيه الدينية والأمنية تكاملا مع مكافحة الإرهاب، والمصارحة الشفافة عن علاقة الجيش بالاقتصاد.

تحقيق هذه القيم مرتبط بإدراك الرئيس المنتخب عجز أي أحد عن حكم مصر منفردا، وبالتالي ضرورة دعم الأحزاب وتعزيز المعارضة المدنية الموالية للنظام وللوطن والمختلفة مع الحكومة لإثراء الحياة السياسية، وإدراك انتقالية المرحلة كفاصل تصحيحي بين الاستبداد الديني والأمني وبين الدولة الجديدة. ومن المهم -أيضا- الإشارة إلى أن عودة مصر إلى محور الاعتدال العربي، وهو محور المواجهة مع الإسلاموية والمشاريع الدخيلة ومحور الموازنة الذي يعزز فرص السلام في وجه إسرائيل، ضمانة حيوية لعودة مصر اقتصاديا وسياسيا.

مصر في حاجة إلى خطوة رمزية تتمثل في اعتماد يوم 25 يناير عيدا وطنيا -بدلا من 23 يوليو- ونقل عيد الشرطة إلى 30 يونيو لتحقيق القطيعة مع الأنظمة السابقة وتذكير الشرطة دائماً بخدمة الوطن لا النظام. والمركز الجغرافي لمصر كفيل بتعميم تجربتها الإيجابية المأمولة على العرب ككل. يجب أن لا ننخدع مجددا بشعار ثورة يوليو “الديمقراطية بعد التنمية الاجتماعية والاقتصادية” لأن هذا الشعار لم يحرر الاقتصاد ولم يصلح المجتمع ولم يحقق الديمقراطية.


كاتب سعودي

9